نيشان
نكبة…لواء…
كشف اهتمام بعض الصحف الوطنية (على غرار الشروق والوطن..) برحيل اللواء مصطفى بن لوصيف القائد السابق لأركان الجيش الوطني الشعبي(*)، أن هناك شيئا من التعاطف مع مجاهد وضابط سام نكب فجأة بعد أن تقلد أسمى المناصب والرتب بـ:
-
إعفائه من مهامه في قيادة الأركان “لأسباب صحية”، وكان عمره أنذاك 47 سنة. صدر بلاغ هذا الإعفاء في صحافة 23 نوفمبر 1986 ـ نقلا عن وكالة الأنباء الجزائرية ـ وتضمن كذلك قرارين آخرين: تكليف اللواء عبد الله بالهوشات بأركان الجيش، إضافة إلى منصبه كنائب وزير لدى وزير الدفاع الشاذلي بن جديد رئيس الجمهورية، وتعيين العميد خالد نزار قائدا للقوات البرية فضلا عن منصبه كنائب لقائد الأركان…
-
باستدعائه في أواخر أبريل 1992 للمثول أمام المحكمة العسكرية بالبليدة وحبسه ومحاكمته بعد ذلك.. وحملت ملابسات “قضية بن لوصيف” يومئذ كل مواصفات “كبش الفداء” وتصفية حسابات عصبة قوية صاعدة، على حساب بقايا الضباط السامين من المجاهدين خاصة، فقد تزامن استدعاؤه أمام المحكمة مثلا، مع تسريب هذه العصبة لتقرير لجنة التحقيق مع “اللواء الضحية” ـ سنة 1989 ـ إلى صحيفة “الوطن” التي سارعت بنشره في 27 أبريل 1992 في عهد الرئيس بوضياف القصير…
-
حمل التقرير المسرّب إدانة صريحة لقائد الأركان السابق “لتبديد مال عام… واستعماله لأغراض شخصية”، وإدانة أخرى اعتبرها محرروه(1) “إدانة معنوية…لأن “المتهم” قام “بمحاولة ابتزاز ضمني”، في إشارة إلى “شقة باريسية” قال إنها وضعت تحت تصرف عائلة الرئيس بن جديد!
-
تمكن اللواء المنكوب من الدفاع عن نفسه عبر منبر “الصح ـ آفة”، وهي أسبوعية تجمع الجد بالهزل كان يديرها من وهران الزميل حبيب راشدين الذي قابله عشية استدعائه وحبسه(2)… ترى ماذا قال بن لوصيف في دفاعه عن نفسه؟ قال باختصار:
-
1 ـ إنني بمنصبي كأمين عام لوزارة الدفاع لم تكن لي صلاحية الأمر بالصرف حتى اتهم بالفساد والرشوة. ولم يكن ترميم وتأثيث ديار كبار المسؤولين بدعة وهي ممارسة معمول بها حتى في الدول الديمقراطية المتطورة. وذكر بالمناسبة عددا من الضباط السامين الذين استفادوا ـ مثله ـ من هذا الامتياز…
-
2 ـ أن التقرير المسرّب يشكل خرقا صارخا للقانون، لأنه بمثابة الحكم قبل المثول أمام قاضي التحقيق! للتذكير أن هذا “التسريب العصبوي” أحرج يومئذ وزارة الدفاع التي نفت أن تكون وراءه!
-
3 ـ أن هناك في موضوع الفساد والرشوة قضايا أوْلى بالاهتمام مثل: صفقة “باكسْتار” لبناء مجمعات للدرك الوطني، و”ملف رياض الفتح” الذي أنجز بدون التوقيع ـ رسميا ـ على أية صفقة، وكذلك “ملف الديوان الجزائري لاستيراد الحبوب” إلخ…
-
4 ـ أن إثارة “قضيته” في أجواء بداية حديث الرئيس بوضياف عن قضايا الفساد، يُراد بها صرفه عن المواطن الحقيقية للفساد…
-
5 ـ حمل حكومة ميتران مسؤولية إعفائه من قيادة أركان الجيش لأنه:
-
ـ عارض إبرام صفقة تجديد وسائل الدفاع الجوي مع فرنسا؛
-
ـ حاول بناء الجيش على قواعد عصرية ـ تضمن استقلاليته…
-
وللتاريخ، نسجل أن “نكبة بن لوصيف” جاءت بعد حظوة نسبية، فقد كان ابتداء من 1960 أمينا عاما لهيئة الأركان العامة. أي على صلة مباشرة بالعقيد هواري بومدين قائد هذه الهيئة. وكان محظوظا كذلك في السنوات الأولى من عهد الرئيس بن جديد، كما يدل على ذلك تقليده رتبة لواء بعد استحداث منصب عميد ـ ومشتقاته ـ بمناسبة الذكرى الثلاثين لثورة فاتح نوفمبر، وقد منحت هذه الرتبة له ولعبد الله بالهوشات فقط.
-
أن وطأة النكبة تكون أشد إذا أتت بعد حظوة. غير أن كل ذلك لم ينس اللواء مصطفى بن لوصيف أنه مجاهد جزائري يده على قلبه نحو قضايا أمته. وقد عبّر عن ذلك بكل أصالة في خريف 1990، خلال أجواء التعبئة الأمريكية للعدوان على العراق في طبعته الأولى، حين أصدر بيانا أعلن فيه أنه يضع نفسه تحت تصرف قيادة الجيش العراقي، متطوّعا بخبرته المتواضعة لخدمة القضية العربية. ومما جاء في بيانه(3): “أن التعبئة الإعلامية الغربية لاستدراج المجموعة الدولية إلى إدانة العراق ـ ورئيسه ـ والإصرار على تغطية الأسباب العميقة والحقيقية للصراع في الشرق الأوسط، يقودنا حتما إلى التفكير والإعراب عن قلقنا تجاه الهجمة الشرسة الرامية إلى تحطيم وإهانة الأمة العربية التي لم تندمل جراحها بعد والتائهة في تناقضاتها والممزقة بصراعاتها الداخلية…”.
-
-
ــــــــــــــــــــــــ
-
-
(*) توفي في 14 يناير الجاري.
-
-
(1) لجنة التحقيق مكونة من اللواء بالهوشات والعمداء لكحل عياط ومحمد عطايلية والهاشمي حجريس وخالد نزار.
-
-
(2) “الصح ـ آفة” عدد 66 / 5 – 12 مايو 1992.
-
-
(3) صحيفة الشعب عدد 21 أكتوبر 1990.