الرأي

نكستُنا الأخلاقية.. أعراضها وأسبابها (2)

سلطان بركاني
  • 730
  • 0

وقفنا في الجزء الأوّل من مقالنا هذا مع أعراض الانتكاسة الأخلاقية التي أصبحت سمة بارزة لواقعنا، ثمّ عرّجنا على ذكر بعض أسبابها، وعدّدنا منها: العدالة الحاضرة الغائبة، وشيوع اللجوء إلى الوساطات والأساليب غير المشروعة وغير القانونية التي تؤثّر في نزاهة القضاء، وهو ما جعل كثيرا من العابثين يأمنون العقوبة فيسيئون الأدب ويَعدُون عدو الضّواري على أموال النّاس وممتلكاتهم وأعراضهم!

السّبب الثّالث لنكستنا الأخلاقية: الشّهادة المضّيعة!

من أسباب انتشار الفساد والانحدار الأخلاقي: إضاعة أمانة الشهادة؛ وذلك أنّ كثيرا من النّاس يرى الحقيقة بأم عينيه في كلّ عدوان وكلّ خصام، ويعرف الظّالم من المظلوم، لكنّه يكتم الشّهادة ويخرس عن الإدلاء بها، ويترك المظلوم يَضيع حقّه والظّالم ينجو من العقوبة.. بل ربّما يطلبه المظلوم للشهادة ويرجوه ويتوسّل إليه، فيأبى ويرفض، ويقول: “ما لي وللمشاكل”! وربما يرفض الشهادة لأنّ الظّالم قريبه أو صديقه أو لأنّه يخافه ويخشاه أو يطمع في جاهه أو منصبه أو ماله.. وهذا كلّه نكوص عمّا فرضه الله من إقامة الشّهادة، يقول -عز وجل- في محكم كتابه: ((وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)) (الطلاق:2)، ويقول –تعالى-: ((وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)) (البقرة: 283).

السّبب الرّابع: الإعلام المبتذِل!

من أسباب هذا الانحطاط الذي نعيشه: انحدار الإعلام إلى دركات سحيقة من الابتذال واللهث خلف الإثارة.. الإعلام لم يعد رسالة تسعى لتهذيب المجتمع والرقي به في سلم التحضر، ولكنه أصبح –إلا ما رحم الله- وسيلة للربح السريع وتحصيل الشهرة على حساب أعراض الناس.. برامج في القنوات تنقل ما يحصل في الواقع بتفاصيل تؤدّي إلى زيادة الفساد وشيوع الجريمة، وتروج لوقائع نادرة لتجعلها بلاءً عامّا.. تنتصب –مثلا- لتحدّث النّاس عن خيانة زوجة لزوجها، أو اعتداء بين المحارم، فتعرض ذلك بأسلوب مبتذل يُغرق في التفاصيل، فيحرض أصحاب النفوس المريضة على خوض التجربة! ولا شكّ أنّ عقوبة القائمين على هذا الإعلام عظيمة عند الله، يقول –سبحانه-: ((إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون)).

السّبب الخامس: البيوت السائبة!
العبد المؤمن، عندما يبدأ بناء أسرة بعقد شرعي يستفتح بذكر الله، ويبرم بكلمة الله، ويختم بدعاء الله أن يبارك ويحفظ، يفترض في حقّه أن يدرك أنّه علّق في عنقه أمانة عظيمة يجب عليه أن يتعب في حفظها ويسيل عرقه ويبكي لله بالليل ويجتهد بالنهار ناصحا ومراقبا وزاجرا.. لكن مع كلّ أسف، أصبح الزواج فرحة ليلة، يُلقَى بعدها الحبل على غاربه، وينشغل الأب بهمّ الأكل والكسوة والمستقبل الدنيوي، وتنشغل الأمّ بمنافسة القريبات والجارات والصديقات في المظاهر الفانية، وينسى الجميع أمانة البيت وأمانة الأبناء وهمّ التربية والإصلاح.. فيتربّى في البيت أبناء لا همّ لهم بدين ولا خلق، ولا اعتبار عندهم لحياء أو مروءة! يبحثون عن المتعة ويلهثون خلف الشهوات، ويتعلّمون أنّ الغاية تبرّر الوسيلة، فإذا أرادوا الحصول على المال فإنّ كلّ شيء مباح أمامهم: السرقة والسطو وحتى القتل! لتوفير ثمن الحبوب المخدّرة، وإذا أرادوا قضاء شهواتهم بعد أن يعكفوا طويلا على مواقع الفساد، فإنّهم يستبيحون التغزل ببنات النّاس في الواقع والمواقع، حتى يصلوا إلى مآربهم!
هناك آباء وأمّهات يُصلّون ويصومون، لكنّهم لن يجدوا رائحة الجنّة، لأنّهم كانوا سببا في ضياع أبنائهم.. لأجل ألا يكون هذا مصيرنا نكرّر قولها في كلّ مرّة: يجب علينا أن نجعل همّ صلاح أبنائنا قبل همّ طعامهم وكسوتهم ودراستهم ومستقبلهم الدنيويّ، ويجب علينا أن نجعل حمايتهم من النّار همّا كبيرا نحمله ونقوم لأجله الليل ونتصدّق وندعو ونبكي: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون)).

السّبب السّادس: إضاعة ركن الإسلام السادس!

قضى الله العليم الحكيم، وقضاؤه نافذ وماض، أنّه حتى تكون الكلمة العليا لأهل الخير والصلاح، ويكون الصوت المرتفع هو صوتَ الدعاة والمصلحين، يجب على الأمّة أن تقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. قال –تعالى-: ((الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ))، وفي الحديث الصحيح: “لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم”، وفي الحديث الآخر: “والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه فتدعونه فلا يستجيب لكم”.
والنهي عن المنكر واجب على المسؤولين، كلّ بحسب مسؤوليته، وواجب على المكلفين بأمن الناس، وواجب على كلّ أب في بيته.. وواجب على الناس جميعا أن ينهوا عن المنكر في الشوارع ووسائل النقل والأسواق والأماكن العامّة.

مقالات ذات صلة