الرأي

نهايات الفصل الدامي في سورية

صالح عوض
  • 4540
  • 5

تخرج سورية من تحت الأنقاض والبيوت المدمرة من بين الجثت المبعثرة والأشلاء الممزقة ..تخرج سورية من فتنة ظلماء.. تخرج تطل برأسها بكبرياء بعد أن أحبط الله كيد الكائدين من غربيين وصهاينة تربصوا بها لتدخل عسكر الناتو وطائراته وقنابله المتنوعة.. ها هي سورية تلملم ضميرها ووعيها أن كفى للموت الغبي وتدمير الذات المجاني.. فليس لهذا خلقت سورية.. وليس لهذا كانت الشآم.

هذه ليست كلمات شاعر جمح به الخيال وغشت عيناه سحب حجبته عن الواقع، بل هي الحقيقة الوحيدة التي تنتظر سورية بشعبها الكريم لتقوم بدورها الحضاري المنشود في طليعة الأمة تصديا للعدوان الصليبي الصهيوني.. ولقد أحست الأمة كم هي سورية خاصة واستثناء فكان الإحساس العربي والاسلامي بالخوف على مستقبل سورية ان تقدمت مصر الموقف لتنقذ العرب من تخبطهم والمسلمين من تفرقهم.. وهنا لا بد ان نحمل أمانينا وهمومنا على اكتافنا ونرحل، حيث التحليل وسير الأحداث علّنا نتلمس ضوء الصبح القادم خلف أكوام الجثت وسيل الدماء ولا حول ولاقوة الا بالله .

.

الموقف الدولي:

..كان موضوع سورية على طاولة الاستراتيجيين الصهاينة والأمريكان والغربيين يتجه إلى تقسيم سورية بعد تدميرها إلى مناطق تتحكم فيها الإثنيات القومية والطائفية، وتبعا لذلك يتم انهيار المنطقة لاسيما لبنان، وبذلك يتولد مناخ سياسي وأمني ملائم تماما لفرض وقائع جديدة على الجغرافيا الفلسطينية والأردنية.. كان لا بد من ضرب محور سورية فلسطين لبنان ايران.. فجاءت الضربة عنيفة لسورية لمدة زادت عن 18 شهرا تساقطت الورقة الفلسطينية المترددة والمحاصرة، حيث توزعت حركة حماس بين الدوحة والقاهرة رغم محاولات يقوم بها بعض الشخصيات الحمساوية بطمأنة ايران على ثبات الموقف من الصراع العربي الاسرائيلي. وتجدر الإشارة هنا لزيارة الزهار إلى طهران مؤخرا.

قادت الدبلوماسية الأمريكية حملة واسعة لتدويل الأزمة السورية وجعلها شأنا غربيا، الا ان الموقف الروسي والموقف الصيني تصديا بقوة ولم يسمحا الا للقليل من الإجراءات التي تبناها مجلس الأمن ضد سوريا والتي لا تمس بالسيادة.. وكان للموقف الروسي دور واضح في تعيين مبعوث أممي محايد كوفي عنان، عمل بدأب على انكار الرواية الأمريكية والغربية.. والآن تسلم الملف المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي الذي يعرف المنطقة وحساسياتها جيدا فأخرج بقوة إدراكه الملف من أيدي دول الخليج وصد القطريين بحزم عن اي تدخل لهم في نشاط البعثة الأممية.. وفي حين ترى امريكا ان الاستنزاف بحد ذاته اصبح مطلوبا في سوريا يكون الموقف الأمريكي قد أبدى تراجعا عن خطته الفاشلة واصبح قابلا بحل سياسي يكبل سوريا بحزمة من القيود تمنعها من القيام بدورها في اسناد المقاومة الفلسطينية واللبنانية في حال نشوب حرب بين اسرائيل وايران..

.

الموقف العربي:

حاولت قطر والسعودية في ظل غياب الموقف العربي واضطرابه صياغة سيناريو لتدمير محور المقاومة في المنطقة، وذلك تنفيذا لمشروع التصدي لإيران وحركات المقاومة في المنطقة لاسيما حزب الله، مستفيدة من انتشار الحراك العربي في اكثر من مكان، ومن جور حكام سوريا وتعنتهم ونزقهم وإيغالهم في تهميش الشعب ورأيه والزج بالأحرار في السجون وملاحقتهم بالتضييق والإهانات.. ورفعت الدولتان شعارات للهجوم على سوريا تدور حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتحكم النظام، وغير ذلك، وكأن النظامين في البلدين العربيين جاءا بالتداول السلمي على السلطة وبرأي الشعب، ومن خلال صناديق الانتخابات، وكأن الشعب العربي في السعودية وقطر قانع وراض بوجود الأمريكان في قواعد عسكرية تقوم بالعدوان على الأمة في العراق وغيرها.. وكأن الأحزاب والحريات السياسية تجد تعبيرا لها في ذينك البلدين..

اعلنت السعودية وقطر علنا وجهارا عن دعمهما للعمل المسلح ضد مؤسسات النظام السوري، وغطت تشاطات المعارضة وأعمال المسلحين من خلال القنوات الفضائية التابعة لهما.. وتحالفت تركيا بفجاجة وبغباء مع النظامين العربيين ليشكلوا حالة عربية اسلامية تسعى لتقديم غطاء لتقدم قوات الأجانب الغربيين لتدمير سوريا كما فعلوا بليبيا..

إلا ان ميلاد النظام الجديد في مصر قلب الطاولة على كل اللاعبين.. وبدأت مصر تتحسس طريقها نحو دورها المطلوب.. لقد كان الرئيس مرسي يراوح بين مشاعره كمناضل اسلامي ضد الجور والطاغوت، وبين رئيس دولة يبحث عن السبيل الراشد لاستعادة دورها وعدم التصادم بالأقدار.. لم يكن الموضوع سهلا على الرئيس المصري، وإن كانت ثوابته الإيديولوجية ضامن كبير لعدم انزلاقه في لعبة السعوديين والقطريين الذين يلعبون لصالح الأجانب.. منذ البداية شن النظام المصري الجديد هجوما واسعا وعنيفا على النظام السوري وهذا منطقي جدا، اذ لا أحد عاقل يمكنه ان يقف دون نقد النظام وتحميله مسؤوليات كبيرة فيما يحدث.. لكن النظام المصري الجديد وضع خطا أحمر يمنع اي تدخل اجنبي في الشأن السوري.. لم يلتقط السوريون هذا الموقف بتأن، فذهب النظام النزق للهجوم على الرئيس المصري، ولم يدرك القيمة الكبيرة التي حققها الموقف المصري عندما تجاوز بذلك موقف الخليجيين وأسقط في ايديهم..

المهم ان الرئيس المصري اقترح لجنة رباعية تتشكل من دول الإقليم الفاعلة مصر والسعودية وايران وتركيا لوضع تصور لإخراج سورية من الفتنة.. وبالفعل اجتمعت اللجنة في القاهرة واستطاعت ان تثبت موقفا راسخا بعدم تدخل الأجانب في شؤون المنطقة، وهكذا تكون سورية ضمنت عدم التقسيم وتجنبت احتمالات التدمير الغربي العدواني.

.

الموقف السوري:

لقد ارتفع ضغط دولي كبير عن النظام السوري، حيث كان خوفه الحقيقي، واصبح التدخل الأجنبي غير وارد، ثم ان الموقف التركي رغم تجشمه اعباء الحرب ضد سورية، الا ان تراجعا واضحا حلّ بساحته بعد ان اطلق النظام السوري العنان للأكراد للتحرك ضد القوات التركية، فانصرف النظام التركي منشغلا بساحته في ظل تصاعد اصوات المعارضة التركية ضد تدخلات النظام التركي.. ومن جهة اخرى تكون القوى المعارضة السورية مشتتة ومبعثرة ومتناقضة كما صرح بذلك الدكتور برهان غليون، ولم تستجب الفضائل المسلحة او السياسية السورية لنداءات أمير قطر والأوربيين بضرورة التوحد.. ومن جهة اخرى، لم يظل النظام السوري وحده تحت طائلة التوصيف بالممارسات الوحشية ضد المعارضين، بل ان القوات المسلحة المعارضة اصبحت شريكا له في هذا التوصيف.

التعفن السياسي يلف الجميع، النظام والمسلحين، وهنا لا بد من وقف فوري لإطلاق النار، ثم التوجه للشعب ليختار نوابه وحكامه وليكتب دستوره بحرية وينهض لبناء ما دمر وليعلن مصالحة تاريخية بين ابنائه لتعود الشام بلد الأمن والأمان والرفاه والسلام شوكة في عين اسرائيل وامريكا.

مقالات ذات صلة