نهاية اللعبة
يجري حديث كثيف هذه الأيام عن مساعي حثيثة يقوم بها النظام من أجل القيام بما يدعي أنها إصلاحات سياسية من تعديل في الدستور وحل للبرلمان أو إجراء انتخابات تشريعية مسبقة وإصلاح في جهاز القضاء وغيرها من الخطابات التي ألف الجزائريون سماعها وما جنوا منها غير النكسات السياسية والاجتماعية والنتائج العكسية التي ساهمت في تراكم الأزمات الوطنية.
-
ما يجري اليوم من محاولات هو عبارة عن اجترار عشناه عبر مراحل مختلفة منذ سنة 1962 وخاصة بدءا بالميثاق الوطني لسنة 1975 ومرورا بما جرى الحديث عنه وما طرح من وعود في أعقاب أحداث 5 أكتوبر 1988 ومأساة جانفي 1992 التي أتت على أخضر الجزائر ويابسها وانتهاء بما يجري اليوم من مناورات متجددة النظام فيها، كالعادة، هو الذي يطبخ وهو الذي يأكل، هو الذي يلعب وهو الذي يرشم لنفسه وهو الذي يقول نعم، وهو الذي يقول لا. وعلى الرغم من وجوده اليوم في زاوية ضيقة جدا وبدون أدنى هامش للمناورة بحكم ما يجري في العالم العربي وسقوط الأنظمة المماثلة له في الفساد والتعفن، إلا أنه مايزال يتمسك بسياساته القديمة مع كل ما جدّ على الأوضاع الداخلية والخارجية من تغيرات جذرية لا تنفع في معالجتها إلا المعالجة الجذرية بأساليب جديدة لا علاقة لها بالأساليب البالية التي مايزال يتمسك بها؛ ولكن مثلما يتمسك الغريق بالقشة، ولا أحد يدري إن كان يعي الخطر القاتل من مواصلة هذه السياسة عندما يمارسها في الأماكن الحميمية الضيقة في السراي الأعلى وبأشخاص يمثلون جزءا من الأزمة ولا يمكن أن يكونوا عاملا منه عوامل حلها على شاكلة هؤلاء الذين يقال أن النظام قد وضع مصيره ومصير البلاد بين أيديهم في حين أنهم والأحزاب أو الهيئات التي ينتمون إليها يجسدون كل الفساد الذي استشري في مفاصل البلاد، خاصة خلال العشرية الأخيرة من القرن الماضي والعشرية الأولى من القرن الحالي.
-
صحيح أن اللجوء إلى هذه اللعبة يعتبر مؤشرا على إدراك النظام لفشله الذريع في محاولاته التي سبقت ذلك مباشرة من إجراءات التهدئة الاجتماعية والسياسية مثل القرارات المتعلقة بالسكن والشغل والقروض ورفع حالة الطوارئ واللعبة التي لعبها مع حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية لعدة أسابيع في بعض ساحات الجزائر العاصمة، وفتح مجال التلفزيون لبعض وجوه المعارضة الشكلية التي طالما لعبت دور أرانب السباق في سياسة النظام وانتخاباته المتعاقبة، ولكن عليه أن يدرك أكثر أنها – اللعبة الحالية – مكشوفة ولم تعد تنطلي على أحد، خاصة وأنها تمارس بوجوه معروفة جيدا لدى المجتمع بفسادها وعجزها وآفاقها الضيقة وسوء ماضيها وحاضرها في حكم البلاد.
-
وخلاصة القول أن اللعبة قد انتهت كما تقول الشعارات التي يرفعها الشباب الثائر هنا وهناك في الوطن العربي وأن النظام الجزائري عليه أن يعرف أن الوقت اليوم، عكس الماضي، لا يسير لصاحله وأن رهانه على خروج بعض الأنظمة العربية سالمة من براهن ثورات الشباب قد فشل، خاصة بعد التطورات الأخيرة التي شهدها الوضع في ليبيا ومفاجأة مجلس الأمن والمجتمع الدولي بالوقوف في صف الانقلابيين والعصابات ضد نظام معمر القذافي، وبالإضافة إلى الضغوط الداخلية، أصبح من غير الممكن الاعتماد على أمريكا أو غيرها حتى ولو كان ذلك مقابل رهن الثروات الوطنية من نفط وغاز، ويجب عليه أن يعرف أن ما ينتظره منه شعبه اليوم هو ان يسارع إلى طرح الحلول الجذرية للازمات القائمة، خاصة في المجال السياسي حتى يتفادى الجميع الوقوع في ما وقعت فيه بعض البلدان العربية الأخرى، خاصة وان الظروف لذلك متوفرة، والساحة مليئة بالإرادات الخيرة والاقتراحات الفعالة منذ زمن بعيد وعلى النظام فقط أن يلتفت إليها ويتخلى عن عناده وغطرسته.