نهاية “الريع” تفضح هشاشة المكاسب الاجتماعية في الجزائر…!
إلى وقت قريب كانت الحكومة تتباهي على المعارضة بجملة المكاسب الاجتماعية الواسعة التي حصّلها الجزائريون خلال 15 سنة الأخيرة، وحين تتعالى الانتقادات السياسية لواقع البلاد المفتوح على المجهول، تختصر الموالاة ردودها في الإشادة بقيمة احتياطي الصرف، وتعدّد من الأرقام ما لا يحصى في قطاعات البناء والأشغال الكبرى والبنى التحتية والتنمية المحلية، وغيرها، لكن ظلّ “الريع” هو الفيصل في خطابات الطرفين، حتّى أنّ الوزير الأول عبد المالك سلال، خاطب الجزائريين خلال عرضه لبيان السياسة العامة لأول حكومة له في سبتمبر 2012، قائلا “لا يخوّفكم الكذابون…النفط نعمة وليس نقمة”.
شاءت تقلبات سوق النفط العالمية أن يستمر الرجل في موقعه حتى يشهد الانهيار بنفسه، ورغم محاولة الظهور برباطة جأش رسمية أمام هول الصدمة، فإن خطابات التطمين سرعان ما تهاوت أمام قرارات الحكومة، وتوجهاتها البديلة للخروج من ورطة الأزمة المالية الناجمة عن “جفاف” منابع الريع، ومعها بدأت تتضح مدى هشاشة المكاسب الاجتماعية التي كانت بمثابة مصدر “الشرعية” للسلطة السياسية في مواجهة خصومها .
الوضع الاقتصادي اليوم مختلف تماما، فالحكومة قرّرت تحت إكراه تآكل العملة الصعبة، اعتماد خيار التقشف، من خلال تقليص فاتورة الاستيراد وكذا ميزانيات التجهيز والتسيير خلال قانون المالية التكميلي 2015، ثم قانون 2016 الذي أثار معركة بين النوّاب، بل أقرّت زيادات في الرسوم والضرائب، وارتفاعا لأسعار الاستهلاك الطاقوي، ثم فوّضت المادة 71 منه وزير القطاع التصرف في الاعتمادات المالية عند الضرورة، ومع أن الحكومة التزمت، بناء على توجيهات رئيس الجمهورية خلال اجتماع مجلس الوزراء المنعقد في ديسمبر 2014، بعدم المساس بالقدرة الشرائية للمواطن الجزائري، لكن البنك المركزي كان قد لجأ إلى تخفيض قيمة الدينار، ما انعكس سريعا على أسعار كل السلع المستوردة، وتلك المنتوجات الوطنية التي تدخل المواد الأولية المستورة في تكوينها، ويعدّ هذا الإجراء برأي الخبراء تخفيضا غير معلن في الأجور!.
وتبيّن أيضا أن السلطات العمومية، وبمبرّر “ترشيد النفقات”، قد مدّت يدها إلى قطاعات ظلت مستثناة من سياسة التقشف، عن طريق تجميد كلي وجزئي لمشاريع التجهيز، في وزارات السكن، التربية الوطنية، الداخلية والجماعات المحلية، والموارد المائية والبيئة، مثلما كشفت تعليمة داخلية لوزارة المالية بتاريخ 28 أكتوبر الماضي، حملت طابع “استعجالي .
آثار تراجع “ريع البترول” لم تتوقف عند هذا الحدّ، بل لاحت بوادر الأسوأ في مستقبل الأيام، من خلال حديث وزير المالية، عبد الرحمان بن خالفة، عن مراجعة سياسة الدعم الاجتماعي، عن طريق تطبيق مبدأ الانتقائية وضبط خارطة المعوزين، غير أنّ مثل هذا الإجراء من حيث المعايير والآليات، يعدّ عملية تقنية معقّدة، ما يعني في النهاية برأي المختصّين خطوة أولى على طريق تطليق “السوسيال”، هذا من دون أن نغفل تصريح الوزير محمد الغازي عن مليون موظف فائض عن الوظيفة العمومية، وتأكيده أن معالجة الوضع تحتاج قرارات شجاعة، وهي لا تعني سوى التسريح إن آجلا أو عاجلا، سيما وأن الجزائر قد تبنت منذ 2007 الصيغة الأنجلوساكسونية في “العمل التعاقدي“.
وحتى الآن، تبدو الفرصة في تجاوز الوضع الحرج صعبة للغاية، ذلك أنّ أزمة النفط الجديدة هيكلية وليست ظرفية، فهي مرتبطة أساسا بنهاية الطاقات التقليدية، ما يعني أن المراهنة على انتعاش السوق من دون جدوى، بل قد تنزل الأسعار تحت السعر المرجعي المعتمد في قانون المالية (37 دولارا)، وهو ما سوف يضاعف من متاعب الموازنة التي كانت مبنية عمليّا على 80 دولارا طيلة سوات، لكنها تغطّي عجزها من صندوق ضبط الإيرادات، أما التعويل على القطاع الخاصّ، عبر ترقية الصناعة والفلاحة والسياحة، فهي رهانات بعيدة المدى في أحسن الأحوال.
قد يقول البعض، إنّ الجزائر واحدة من الدول القلائل التي تبني سياستها الاقتصادية على المقاربات الاجتماعية، عبر تحويلات قاربت 20 مليار دولار عام 2014، و25 مليار دولار على شكل دعم ضمني، لكن الإشكالية التي يثيرها رجال الاقتصاد والسياسة تتعلّق بفشل الدولة الوطنية في بناء اقتصاد متنوع ومتوازن طيلة نصف قرن، ما دفعها إلى إعادة توزيع الريع بطريقة عشوائية تحت شعار “العدالة الاجتماعية“!.