الرأي

نهاية رئيس شجاع

أبو جرة سلطاني
  • 221
  • 0
ح.م

الموت حق؛ ولكن رحيل بعض الرجال نكبة كبرى تخلف فراغاً واسعاً في ضمير الأمة. ورحيل الرئيس اليامين زروال ترك فراغاً مهولاً في منظومتنا الوطنية وفي تاريخنا السياسي. فراغاً وجدانياً ستذكره الأجيال التي عرفته عن قرب. وسيذكره كل الذين اشتغلوا معه في أحلك المراحل التي مرت بها الجزائر بين سنوات 1994/99، وقد كنت واحداً من هؤلاء الرجال الذين شهدوا على فترة دامية فرضت تحولات جذرية في الفكر والتصور وفي العلاقات وفي تسيير شؤون البلد.
في نوفمبر 1993، اختطف الشيخ بوسليماني وتضاربت حول اختطافه الأخبار. وبعد شهرين (في جانفي 1994) عقدت قمة الحوار (ندوة الوفاق الوطني) بقصر الأمم نادي الصنوبر. وبلغنا أن الشيخ بوسليماني قد قتل، رحمه الله. وكنت يومها ضمن الوفد الذي قاده الشيخ محفوظ نحناح، رحمه الله، للمشاركة في هذه الندوة التاريخية الفاصلة بين مرحلتين. وتابعت الأشغال (التي لم يحضرها من الأحزاب الوازنة إلا قليل). وكانت كلمات رؤساء الوفود نارية تصب كلها في ثلاث نقاط هي أولويات تلكم المرحلة:
1 – الإسراع بتنصيب رئيس دولة توافقي يسد الفراغ المؤسساتي الذي خلفه اغتيال الرئيس محمد بوضياف، رحمه الله. ويعالج الفراغ الناجم عن حل المجلس الشعبي الوطني والمجالس المحلية.
2 – إيجاد حل عاجل للمأساة الوطنية الآخذة في الاتساع لوقف شلال الدم بين أبناء الجزائر.
3- حماية الشعب من القتل والنزوح، وحماية مؤسسات الدولة من الانهيار وفتح قنوات حوار بين جميع مكونات الأمة.
وفي ظل خلافات حادة بين المشاركين بلغت حد انسحاب بعضهم من أشغال الندوة. وتعثر السيناريو الذي كان مطروحا وقتذاك.. برز اسم السيد اليامين زروال كرجل توافق وطني بين مختلف المؤسسات الدستورية والأسرة الثورية والمجتمع المدني وبعض الأحزاب والمنظمات ليقود مرحلة انتقالية أقصاها سنتان كرئيس دولة معين (غير منتخب) يضمن استمرارية الدولة والأمن العام والاستقرار.. ريثما تتهيأ الظروف لتنظيم انتخابات رئاسية تفرز رئيسا للجمهورية. وهو ما حدث يوم 16 نوفمبر 1995، لينتقل السيد اليمين زروال من رئيس للدولة إلى رئيس للجمهورية.
وبين جانفي 94 ونوفمبر 95، حدث في الجزائر ما يعجز القلم عن تدوينه إلا في بعض المجلدات. لكن شهادة لله وتدوينا للتاريخ أشهد أن الرجل كان جبلا أشم وقف بشجاعة منقطعة النظير في وجه أعاصير عاتية كانت مصرة على اقتلاع الجزائر من جذورها.
وكان من أخطرها وأقذرها الحصار الخارجي غير المعلن الذي عزل الجزائر عن محيطها الإقليمي والعربي والدولي. وكاد أن يتسبب في سقوطها أمام تصاعد وتيرة القتل العشوائي واستمرار تدفق شلال الدم وتساقط رؤوس ثقيلة من كافة أبناء الجزائر وبناتها من دون استثناء واحد؛ من الجندي البسيط، والدركي البسيط والحلاق البسيط والطالب والإمام.. إلى نخب المجتمع المدنية والعسكرية.. ومع ذلك، صمد الرجل وتحمّل كامل مسؤولياته في حماية وطنه وأمته. واستمر في زرع الأمل بشجاعة منقطعة النظير. ولم يترك بابا للحوار والتواصل والتهدئة إلا طرقه من أجل حاضر وطنه وأمن أمته ومستقبل الأجيال.
أشهد، وقد كنت معه وزيراً، أنه كان يعرف قيمة الرجال. وكان شديد التواضع؛ يحسن الاستماع طويلا، ولكنه إذا اتخذ قراراً يمضيه ويتابعه في الميدان مهما كلفه ذلك من ثمن. وكان حريصاً على مصلحة الوطن أولا وأخيراً. ومجتهداً في لم الشمل بفتح أبواب الحوار على كل من يمد يده للجزائر.
فهو من بادر بفتح “أبواب الرحمة” التي عارضها الكثير من الاستئصاليين. وهي الخطوة الشجاعة التي مهّدت للوئام المدني وبعدهما للمصالحة الوطنية.
عاش شجاعاً صداعاً بما يؤمن به. ولم يغتر يوما بفخامة الكرسي الذي كان يتربع على عرشه في المرادية. بل كان همه أن يعمل على حقن دماء أبناء الجزائر وبناتها ويحول دون أي تدخل أجنبي. وقد اجتهد بشجاعة في رد الاعتبار لوطنه. وفي إعادة بناء مؤسسات الدولة. ونجح أيضا – رغم صعوبة المهمة – في إرساء هذه الأسس بين سنوات 94 و98. فلما أعاد بناء المؤسسات الدستورية، بادر بتقديم استقالته معللا هذه الخطوة الشجاعة بأن المهمة التي دعاه الواجب الوطني إلى أدائها قد انتهت. وأن عليه أن يتنحى بهدوء وسلاسة عن سدة الحكم ليخلفه من يراه الشعب جديرا بتسيير مرحلة جديدة.
وإذا كان لكل مرحلة رجالها، فإن الرئيس اليامين زروال قد ساقته أقدار الله لحكم الجزائر في أصعب المراحل التي مرت بها منذ أزمة “صائفة 62” لحظة مخاض ولادة الدولة الوطنية. ونظرا لمساره الطويل وانضباطه بمنطق المؤسسة العسكرية، فقد اكتسب شجاعة نادرة في تلبية نداء الواجب سنة 94 والجزائر تتخبط في أزمة دستورية معقدة.
وتعاني حصارين: حصاراً سياسيا ودبلوماسياً وحصاراً اقتصادياً وتجارياً. ولكن الرجل واجههما بروح وطنية واثقة بأن دماء الشهداء لن تضيع سدى. فكما لبى نداء الواجب بشجاعة تحلى بالشجاعة نفسها وهو يغادر قصر المرادية إلى مسقط رأسه رافضاً أي لقب يوشح صدره إلى أن لاقى ربه وليس له من رجاء سوء أن تكون جنازته بسيطة في مقبرة العائلة بقلب الأوراس الأشم.
رحمك الله يا أيها الرئيس الشجاع

مقالات ذات صلة