نهاية مشوار مونديالي وبداية جيل جديد
توقفت مسيرة المنتخب الجزائري لكرة القدم في نهائيات كأس العالم 2026 عند دور الـ32، بعد خسارته أمام نظيره السويسري بنتيجة هدفين دون رد، في المواجهة التي احتضنها ملعب “بي سي بليس” بمدينة فانكوفر الكندية، وبالرغم من أن هذه الهزيمة وضعت حدا لطموحات الجماهير في الذهاب بعيدا في المنافسة، إلا أن الحصيلة العامة للمنتخب في هذه النسخة المونديالية تعكس تطورا ملموسا وتؤكد عودة الكرة الجزائرية إلى الواجهة العالمية من الباب الواسع، محملة بالعديد من المكاسب الإستراتيجية للمستقبل.
دخل المنتخب الجزائري المباراة بنهج تكتيكي يعتمد على السيطرة وبناء الهجمات من الخلف، محاولا فرض أسلوبه منذ الدقائق الأولى، غير أن الواقعية الفنية للمنتخب السويسري، القائمة على الانضباط الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع، شكلت العائق الأبرز أمام خطط الجهاز الفني الجزائري. وجاء الهدف الأول في الدقيقة العاشرة إثر هجمة مرتدة سريعة استغل فيها المهاجم بريل إمبولو ثغرة في التغطية الدفاعية ليمنح التقدم لسويسرا، هذا الهدف المبكر فرض ضغطا إضافيا على اللاعبين، وحاول الفريق تنظيم صفوفه والاعتماد على الأطراف لفك التكتل الدفاعي السويسري، وأتيحت بعض الفرص السانحة للتعديل، أبرزها تسديدة اللاعب الشاب إبراهيم مازا التي مرت محاذية للقائم، لينتهي الشوط الأول بتقدم سويسرا.
ومع بداية الشوط الثاني، تلقت الحسابات التكتيكية للمنتخب الجزائري صدمة أخرى، حيث نجح دان ندوي في تسجيل الهدف الثاني لسويسرا في الدقيقة 46 مستغلا خطأ في إبعاد الكرة من منطقة الجزاء، هذا الهدف ضاعف من صعوبة المهمة، وأجبر المنتخب الجزائري على التقدم أكثر نحو الأمام مع إجراء تغييرات لتنشيط القاطرة الأمامية، مما ترك مساحات في الخلف حاول المنافس استغلالها، ورغم المحاولات المستمرة من رياض محرز وزملائه لتقليص الفارق والعودة في النتيجة، إلا أن الخبرة التكتيكية لخط وسط سويسرا بقيادة جرانيت تشاكا نجحت في تسيير الدقائق المتبقية وإغلاق كل المنافذ، لتنتهي المباراة بفوز سويسرا وتأهلها إلى الدور ثمن النهائي.
بالنظر إلى الصورة العامة، فإن خروج المنتخب الجزائري من هذا الدور لا يقلل من قيمة المكتسبات الإيجابية التي حققها في هذه البطولة، فقد نجح الفريق في كسر غياب دام 12 عاما عن النهائيات العالمية منذ نسخة البرازيل 2014، وتمكن من تجاوز مرحلة المجموعات بكفاءة عالية أكدت جدارته بالتواجد بين كبار اللعبة، كما شكلت هذه البطولة محطة محورية لتجديد دماء التشكيلة عبر دمج جيل جديد من المواهب الشابة الواعدة مع عناصر الخبرة، مما يضمن استمرارية بناء الفريق لسنوات قادمة دون حدوث فراغ بين الأجيال، فضلا عن استعادة ثقة الجماهير وإحياء الشغف بعد فترات من التراجع القاري، ويغادر المنتخب المنافسة برأس مرفوعة، محققا أهدافه الأساسية في العودة إلى الساحة الدولية، مع منح الجهاز الفني رؤية واضحة حول النواقص التكتيكية والدفاعية الواجب معالجتها استعدادا للاستحقاقات المقبلة.
مساعد بيتكوفيتش دافيدي موراندي
“واقعية سويسرا حسمت اللقاء واستقبال 9 أهداف مؤشر سلبي”
أرجع دافيدي موراندي، مساعد مدرب المنتخب الوطني الجزائري لكرة القدم، خسارة “الخضر” أمام نظيرهم السويسري بنتيجة (0-2) وإقصائهم من الدور ثمن النهائي لمونديال 2026، إلى الواقعية الكبيرة للمنافس والأخطاء الدفاعية الفردية التي حسمت اللقاء بملعب “بي سي بلايس” في فانكوفر.
وأوضح موراندي، في الندوة الصحفية التي عقبت المباراة، أن الطاقم الفني كان يدرك مسبقاً صعوبة المواجهة أمام منافس يمتلك خبرة واسعة في هذه المستويات. وأشار إلى أن التشكيلة الوطنية فرضت أفضليتها في بداية اللقاء واستحوذت على الكرة بنسبة أكبر، غير أن المنتخب السويسري أظهر فعالية قصوى واستغل هفوتين لتسجيل هدفيه في لحظات حاسمة من المباراة.
وفي قراءته للمشوار العام للمنتخب، اعترف مساعد الناخب الوطني بالحصيلة الرقمية الثقيلة للخط الخلفي، حيث اهتزت شباك الجزائر تسع مرات في أربع مباريات. ووصف موراندي هذا الرقم بالمرتفع، لكنه برره بمواجهة منتخبات من الصنف الأول عالمياً، معتبراً أن جودة المنافسين صنعت الفارق التكتيكي في الدورة.
واختتم موراندي تصريحاته برفض التشكيك في العمل المقدم من طرف الطاقم الفني واللاعبين، داعياً إلى التركيز على الجوانب الإيجابية وفي مقدمتها عبور الدور الأول، معبراً في الوقت ذاته عن خيبة أمله لعدم تمكن المجموعة من إسعاد الجماهير الجزائرية.
ماندي: الهدف الثاني صدم معنوياتنا
أعرب مدافع المنتخب الوطني الجزائري، عيسى ماندي، عن خيبة أمله الكبيرة عقب الخروج من الدور ثمن النهائي لنهائيات كأس العالم 2026، إثر الهزيمة أمام المنتخب السويسري بهدفين دون رد في المباراة التي أقيمت بملعب “بي سي بلايس” في فانكوفر.
وأكد ماندي، في تصريحاته الإعلامية عقب اللقاء، أن اللاعبين كانوا يطمحون إلى تقديم أفضل مستوياتهم الممكنة للذهاب بعيداً في المنافسة، إلا أن سيناريو المباراة حال دون ذلك. وأوضح المدافع المخضرم أن تلقي شباك “الخضر” للهدف الأول مبكراً ومن أول فرصة سنحت للمنافس، خلط أوراق التشكيلة الوطنية التي حاولت العودة في النتيجة وصناعة بعض الفرص دون استسلام.
وأضاف ماندي أن تلقي الهدف الثاني مع بداية الشوط الثاني مباشرة شكّل ضربة قوية أثرت بشكل مباشر على معنويات اللاعبين. واعترف بصعوبة المأمورية أمام منافس كان الأكثر قوة وفعالية أمام المرمى، مقراً في الوقت ذاته بالعقم الهجومي للتشكيلة الوطنية التي عجزت عن التسجيل أو تشكيل الخطورة اللازمة لتهديد الدفاع السويسري طوال فترات المواجهة.
سقوط تكتيكي وهشاشة دفاعية أطاحتا بحلم المونديال
هكذا أقصي “الخضر” من مونديال 2026
لم يمر الإقصاء المرير للمنتخب الوطني الجزائري من الدور ثمن النهائي لمونديال 2026 أمام سويسرا مرور الكرام؛ فبمجرد إطلاق الحكم صافرة النهاية في ملعب “بي سي بلايس” بفانكوفر، وُجّهت أصابع الاتهام مباشرة صوب الناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش.
واجه المدرب البوسني موجة عارمة من الانتقادات اللاذعة من قِبل الإعلام الرياضي والمحللين، الذين اعتبروا خياراته التكتيكية وإدارته للبطولة سبباً رئيسياً في تبخر حلم المونديال.
في مقدمة المؤاخذات التي رصدها النقاد، تبرز الهشاشة الدفاعية الكارثية التي ظهر بها “الخضر” طوال الدورة. أن تهتز شباك المنتخب تسع مرات في أربع مباريات هو بمثابة انتحار تكتيكي في منافسة بحجم كأس العالم، حيث تُبنى الإنجازات على الصلابة الدفاعية أولاً. وعجز بيتكوفيتش عن إيجاد التوليفة المناسبة لترميم الخط الخلفي، وجعل اختراق العمق الجزائري خطة سهلة التطبيق لمنتخبات الأرجنتين، النمسا، وسويسرا، مما يعكس غياب منظومة دفاعية جماعية قادرة على الصمود في المستويات العالية.
المحور الثاني للانتقادات ركز على غياب التحضير الذهني والنفسي للاعبين، وهو ما تجلى بوضوح في سيناريو “صدمة الدقائق الأولى”. تلقي هدف مبكر في الدقيقة العاشرة من الشوط الأول، ثم السقوط في الفخ ذاته مع انطلاقة الشوط الثاني في الدقيقة 46 عبر دان ندوي، يعكس حالة من السرحان وغياب التركيز البديهي عند دخول أطوار اللقاء. وحمّل المحللون بيتكوفيتش مسؤولية هذا الفشل الإعدادي، معتبرين أنه سقط ضحية قراءة خاطئة للأسلوب السويسري المعروف بالواقعية والضغط المبكر.
ولم تسلم إدارة بيتكوفيتش لمجريات اللقاء من النقد الحاد، حيث وُصفت فلسفته بـ “الاستحواذ السلبي الوهمي”. تباهي الطاقم الفني بالسيطرة على الكرة لم يقنع أحداً، فالاستحواذ الذي لا يصنع فرصاً حقيقية ولا يهدد مرمى الحارس كوبيل هو مجرد فخ ترك السويسريون الجزائر تغرق فيه. كما اعتُبرت تغييرات بيتكوفيتش بمثابة “رد فعل متأخر”؛ إذ انتظر حتى الدقيقة 60 لإشراك غويري وحجام، قبل أن يدفع بالأسماء الشابة كبولبينة وحاج موسى في الأنفاس الأخيرة كقارب نجاة يائس لإنقاذ موقف تكتيكي ضاع مبكراً.
ختاماً، امتدت الانتقادات لتشمل الجانب النفسي وإدارة المجموعة، حيث اعتُبر إعلان القائد رياض محرز اعتزاله فور نهاية اللقاء مؤشراً على غياب التواصل الفعّال بين المدرب وقائد فريقه. يخرج بيتكوفيتش من هذا المونديال ببطاقة تأهل للدور الثاني، لكنه يواجه ورشة عمل معقدة لإعادة ترتيب البيت وإثبات أهليته لقيادة “الخضر” نحو تصفيات كان 2027 ومونديال 2030.
سليماني: بيتكوفيتش سبب الإقصاء… ومحرز تأثر نفسيا
لم تتوقف ارتدادات الإقصاء المرير للمنتخب الوطني أمام سويسرا عند حدود اعتزال القائد رياض محرز، بل امتدت لتشمل تشريحاً فنياً قاسياً قاده الهداف التاريخي لـ”الخضر”، إسلام سليماني. وفي قراءته التحليلية، وضع سليماني إصبعه على الجرح التكتيكي، محملاً المدرب فلاديمير بيتكوفيتش المسؤولية الكاملة عن غياب الهوية الفنية للمنتخب، بالتزامن مع توجيه تحية تضامن لرفيق دربه المعتزل.
ولم يتوانَ سليماني في وضع خيارات بيتكوفيتش تحت المجهر، مؤكداً أن الأزمة لا تكمن في اللعب بمهاجم صريح أو وهمي، بل في غياب آليات واضحة. وأشار إلى أن المنتخب يتنقل منذ سنتين بين نظامي لعب دون جدوى، مكرراً الأخطاء التكتيكية ذاتها. كما تساءل عن مدى تدرب اللاعبين على أسلوب المهاجم الوهمي الذي طُبق أمام سويسرا، واصفاً الاعتماد عليه دون تحركات جماعية بـ”المشكلة الحقيقية” التي رمت بعبء الفريق على الفرديات، ممثلة في انطلاقات ريان آيت نوري ومحيط محرز ومازا، عوضاً عن بناء جمل تكتيكية منظمة. وتتقاطع هذه القراءة مع الانتقادات الجماهيرية الحادة لبيتكوفيتش بسبب استبعاد بغداد بونجاح، والاعتماد الحصري على نذير بن بوعلي كقلب هجوم صريح وحيد.
وفي سياق متصل، أبدى الهداف التاريخي حسرته العميقة على الطريقة التي أنهى بها محرز مسيرته الدولية عقب لقاء فانكوفر. وعبر سليماني عن ألمه إزاء حجم الحملات القاسية التي حاصرته في السنوات الثلاث الأخيرة، مؤكداً أن زميله تأثر نفسياً بما كُتب عنه، وكان يستحق مغادرة الساحة الدولية من الباب الواسع ووسط تقدير يوازي حجم تضحياته منذ 2014. وختم سليماني شهادته بإنصاف تاريخي، واضعاً محرز كأفضل لاعب في تاريخ الكرة الجزائرية على الإطلاق، مناصفة مع الأسطورة رابح ماجر.
بتكوفيتش: “أتحمل المسؤولية الكاملة عن خياراتي التكتيكية”
لم يتنصل الناخب الوطني، فلاديمير بتكوفيتش، من مسؤولياته عقب الإقصاء المرير للمنتخب الجزائري أمام نظيره السويسري بنتيجة (0-2) في ثمن نهائي مونديال 2026 بفانكوفر. وخلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب المواجهة، قدم التقني البوسني تحليلاً للمباراة، معلناً تحمله الكامل للخيارات الفنية والتكتيكية التي خاض بها اللقاء.
واعتبر بتكوفيتش أن المنعرج الحاسم للمباراة تمثل في هدف سويسرا الثاني مع بداية الشوط الثاني، موضحاً أن “الخضر” قدموا مرحلة أولى طيبة لكنهم عجزوا عن تجسيد الفرص المتاحة، قبل أن تهتز شباكهم بالهدف الأول الذي لم يتمكن اللاعبون من التكيف مع صدمته. كما حرص مدرب المنتخب الوطني على تهنئة تشكيلة “الناتي”، معترفاً بتفوق السويسريين في الشوط الثاني بعد بداية محتشمة ومترددة في النصف الأول من اللقاء.
ورغم مرارة النتيجة، أشار الناخب الوطني إلى أن المنتخب لم يكن خارج الإطار تماماً، حيث دافع بشكل جيد، غير أنه افتقد للنجاعة الهجومية اللازمة في مثل هذا المستوى العالي، مستدلاً بأن المنافس سجل هدفين من ثلاث محاولات فقط، في حين عجز لاعبو الجزائر عن استغلال تفوقهم في صناعة الفرص. وعن قراره باللعب دون رأس حربة صريح، أكد بتكوفيتش أنه كان مجبراً على اختيار منظومة تحافظ على طاقة المهاجمين، مجدداً قوله: “أتحمل المسؤولية الكاملة عن خياراتي التكتيكية”.
وفي ختام تصريحاته، دعا بتكوفيتش إلى استخلاص الدروس الإيجابية من هذه المغامرة المونديالية، مذكراً بأن بلوغ الدور ثمن النهائي لأول مرة منذ 12 عاماً يعد إنجازاً تاريخياً. وأكد المدرب على ضرورة تقبل الهزيمة والتعلم من الأخطاء، معتبراً أن الفريق أظهر مؤشرات إيجابية أمام منتخبات النخبة، واختتم كلامه بنظرة تفاؤلية قائلاً: “يجب أن نرى النصف الممتلئ من الكأس، والوقت كفيل بمداواة هذه الجراح”…
صفعة الوفاء الجزائري
خروج رياضي وانتصار سيادي
وضعت صافرة النهاية لمباراة المنتخب الجزائري ونظيره السويسري في دور الـ32 من نهائيات كأس العالم 2026 حدا للمشوار الرياضي لـ”محاربي الصحراء” في هذه النسخة المونديالية، إثر الخسارة بنتيجة هدفين دون رد على ملعب “بي سي بليس” بمدينة فانكوفر الكندية، ورغم أن النتيجة الرقمية للمباراة جاءت مخيبة لآمال الأنصار على الصعيد الكروي، إلا أن المشهد الجماهيري والتلاحم الشعبي الاستثنائي الذي رافق هذا الموعد أفرز انتصارا وطنيا وسياسيا خالصا، وجه رسالة قوية وحاسمة للداخل والخارج على حد سواء، مؤكدا أن اللحمة الوطنية تظل عصية على الانكسار أمام أي مناورات.
لقد عاشت الجزائر، من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، بالإضافة إلى الجاليات المغتربة في مختلف دول العالم، ليلة بيضاء تاريخية توحدت فيها المشاعر والقلوب خلف الراية الوطنية، هذا الاستنفار الجماهيري العفوي، الذي تحولت فيه الساحات العامة والبيوت إلى خلايا نحل للتضامن والالتفاف حول الألوان الوطنية، يعكس عمق الرابطة الوطنية الراسخة التي تجمع الشعب الجزائري بمختلف أطيافه ومناطقه.
إن خروج الآلاف من المواطنين، شيوخا وشبانا، وعائلات بأكملها للسهر حتى الفجر ومؤازرة المنتخب، لم يكن مجرد شغف بلعبة كرة القدم، بل كان تعبيرا حيا وصريحا عن وحدة وطنية راسخة لا تقبل التجزئة أو التشكيك تحت أي ظرف من الظروف.
وفي هذا السياق، تجسد هذا التلاحم بشكل ملموس في الانطباعات الصادرة من مختلف ربوع الوطن، حيث صرح أحد المشجعين من ولاية بجاية عقب اللقاء قائلا: “كنا نعلم أن المواجهة التكتيكية ستكون صعبة أمام سويسرا، لكن الأهم بالنسبة لنا كان الحضور والمساندة… لقد سهرنا جميعا كعائلة واحدة من أجل الراية الوطنية، وخسارة مباراة لن تغير من واقع أننا شعب واحد يلتف دائما حول وطنه ومنتخبه في كل الظروف”، هذا الموقف العفوي يختزل وعيا شعبيا جماعيا يتجاوز حدود المستطيل الأخضر ويرسخ قيم التضامن بين أبناء الوطن الواحد.
إن هذا التلاحم الشعبي غير المسبوق قدم صفعة مدوية ومباشرة لكل الأصوات والأبواق الخارجية التي دأبت، بدعم وتوجيه من أطراف معادية، على الترويج لأطروحات الانفصال الفاشلة ومحاولة ضرب استقرار الانسجام المجتمعي الجزائري، وأثبت الوعي الجماهيري العالي أن المناسبات الكبرى تشكل دائما الصخرة الصلبة التي تتحطم عليها كل محاولات الاختراق أو التقسيم، فالصورة الموحدة التي رسمها الجزائريون في كل بلدية وقرية تؤكد بصورة قاطعة أن الهوية الوطنية تجمع الكل تحت مظلة واحدة، وأن أي محاولة للاستثمار في تباينات وهمية أو صناعة شروخ مجتمعية هي رهان خاسر أمام وعي شعبي يضع المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار.
من الناحية الفنية والرياضية، يغادر المنتخب الوطني البطولة برأس مرفوعة بعد أداء تميز بالندية وعودة قوية إلى المحفل العالمي بعد غياب دام 12 عاما، محققا تأهلا مثيرا من دور المجموعات ووضع الكرة الجزائرية مجددا بين كبار اللعبة في العالم، وسيكون على الجهاز الفني والاتحادية البناء على المكتسبات الرياضية وضخ دماء جديدة لمعالجة الأخطاء التكتيكية والدفاعية المستخلصة من مواجهة سويسرا القوية، لكن المكسب الأكبر والأبرز من هذه المشاركة المونديالية يظل مكسبا سياديا واجتماعيا، إذ أثبت الشعب الجزائري للعالم أجمع أن “محاربي الصحراء” يستندون إلى جدار جماهيري صلب وأسطوري، وأن الأزمات والمواعيد الكبرى لا تزيد هذا الوطن إلا تماسكا وقوة ووحدة خلف شعاره الخالد… “بالشعب وللشعب”.
تحدوا بعد المسافات والاعتداءات
العلامة الكاملة للجالية الجزائرية
تجاوزت مساندة الجالية الجزائرية لمنتخبها الوطني في نهائيات كأس العالم 2026 حدود التشجيع الرياضي المعتاد، لتتحول إلى نموذج استثنائي في التضحية والالتفاف حول الراية الوطنية، فرغم خروج “محاربي الصحراء” من دور الـ32 أمام المنتخب السويسري في مدينة فانكوفر الكندية، إلا أن المشجعين المغتربين استحقوا العلامة الكاملة بفضل حضورهم النوعي والكمي الذي أبهر المتابعين، مؤكدين عمق ارتباطهم العضوي بوطنهم الأم وجاهزيتهم لتلبية ندائه تحت أي ظرف.
ولم يكن هذا الحضور وليد الصدفة، بل جاء ثمرة تضحيات جسيمة تحملها أبناء الجالية الذين توافدوا من مختلف المقاطعات الكندية والولايات الأمريكية، بل ومن عواصم أوروبية عديدة، وقد تكبد المشجعون عناء التنقلات الشاقة لمسافات طويلة قطعت فيها آلاف الكيلومترات بحرا وجوا وبرا، متحمّلين مشقة السفر وفروق التوقيت والإرهاق البدني، رغبة منهم في أن يكونوا السند القوي للاعبين فوق أرضية الميدان.
ولم تقتصر التضحيات على الجهد البدني فحسب، بل شملت أعباء مالية باهظة، حيث واجه المغتربون الارتفاع الجنوني في أسعار تذاكر الطيران وتكاليف الإقامة الفندقية وتذاكر المباريات التي بلغت مستويات قياسية في أدوار خروج المغلوب، ورغم هذه الكلفة المادية المرتفعة، فضّل آلاف الجزائريين استثمار مدخراتهم واقتطاع أوقات من إجازاتهم السنوية والتزاماتهم المهنية في بلاد الغربة من أجل التواجد في مدرجات المونديال، معتبرين أن نصرة الألوان الوطنية لا تقدر بثمن.
ولم تخلُ هذه الرحلة من الصعاب والتحديات الأمنية، إذ تعرض بعض المشجعين الجزائريين في محيط الملاعب وفي وسائل النقل لبعض المضايقات والاعتداءات المعزولة من أطراف حاولت استفزازهم، غير أن رد فعل الجالية تميز بالمسؤولية والوعي العالي، متمسكين بضبط النفس رافعين الأعلام الوطنية بهتافات حضارية هزت أرجاء المدن المضيفة، ومقدمين صورة مشرفة تعكس الوجه الحقيقي والتاريخي للمواطن الجزائري.
إن هذا الالتفاف الأسطوري من مغتربي الجزائر أرسل رسالة سياسية واجتماعية بالغة الأهمية للرأي العام الدولي، مفادها أن البُعد الجغرافي والعيش في الخارج لا يمكن أن يضعف الرابطة القومية والوطنية، وقد أثبتت الجالية الجزائرية في هذا المحفل العالمي، أنها تشكل خط الدفاع الأول والعمق الاستراتيجي للوطن، وأن تلك الحشود الموحدة في الملاعب الكندية والأمريكية قد وجهت صفعة قوية لكل المراهنين على تفكيك اللحمة الوطنية، لتؤكد ليلة فانكوفر أن أبناء الجزائر كتلة واحدة لا تقبل التجزئة أينما حلوا وارتحلوا.
اكتفوا بفوز واحد وتعادل وخسارتين
بيتكوفيتش يفشل دائما أمام المنتخبات القوية
في سيناريو مشابه لما حدث في كأس أمم إفريقيا الأخيرة التي لعبت في بلاد مراكش، في مباراة الدور ربع نهائي أمام نيجيريا حيث حلق النسور بعيدا، بدا المنتخب الجزائري بترسانة من اللاعبين مثل الحمل الوديع أو اللقمة السائغة لمنافسهم، بالرغم من الاختلاف ما بين نيجيريا الغائبة عن المونديال وسويسرا ضيف شرف على المونديال كالعادة.
على الورق ساهم بيتكوفيتش في تأهيل الخضر إلى المونديال، واجتاز الدور الأول، وهي مهمة قامت بها الرأس الأخضر، التي لا يزيد تعداد سكانها عن نصف مليون نسمة ولعبت أول مونديال في تاريخها، كما أن التأهل إلى المونديال لم يعد إنجاز، بعد أن بلغ رقم الأفارقة عشرة، وفي المونديال الحالي اكتفى بيتكوفيتش بفوز عسير أمام الأردن بلاعبيها الهواة الذين لا ينعمون بالمستوى الأوروبي العالي، أما في بقية المباريات فقد كان الخضر بوجه شاحب من دون هوية، إلى أن كشفت مواجهة سويسرا إفلاسا تكتيكيا مريعا، جعل أبسط متابع لشأن كرة القدم يطرح في كل خطة وفي كل تبديل ألف سؤال وسؤال.
خيبة الأنصار لم تكن بسبب النتيجة، ولكن الأداء وأيضا لأن المنتخب السويسري لو عاود مواجهة الخضر في ظروف مغايرة، ما فاز عليهم وما تمكن من السيطرة عليهم كما حدث فجر الجمعة، وإذا كان كثيرون وهم يتابعون المباراة تذكروا بونجاج وقبال وبن ناصر وعوشيش وآخرين، فإن البقية تساءلوا عن غياب ماندي وبن طالب ورياض محرز ذهنيا، في مباراة هم من وعدوا بأن يبذلوا فيها نفسهم ونفيسهم.
ما آلم المناصرين وعددهم بعشرات الملايين أن الخضر افتقدوا في المونديال الحالي كما في مونديال 1986، الروح القتالية وكانوا في شبه نزهة أو استسلام، وحتى المدرب لم يكن قائد أوركسترا كما هو شأن غالبية مدربي كأس العالم، وكل الانتقادات التي تهاطلت على المدرب بيتكوفيتش من الدوليين السابقين مثل مطمور وسليماني في محلها، لأن الخضر بكثير من التركيز والخطط التكتيكية السليمة كان بإمكانه بلوغ الدور ربع النهائي دون أن يصرخ أحد بالمفاجأة المدوية.
سيعود الخضر إلى أرض الوطن، ويعود كل لاعب إلى ناديه وسينزل من طائرة العودة الأسطورة رياض محرز وسيتبعه عيسى ماندي، وربما سيتم اللحاق بهما من آخرين، لكن الأكيد أن مشهد مونديال القارة الجديدة لن يتكرر، فما حدث في حراسة المرمى التي بقيت من دون حارس، والدفاع الذي قدم للمنافسين هدايا لا يحلمون بها حتى مع أندية الأحياء وخط وسط أشبه بالسوق وهجوم لا يهاجم، ومدرب يقتصر دوره الواضح على تقديم تشكيلة هو من اختارها بلغة لم يفهمها سواه.
هل تسرعت الاتحادية الجزائرية في تمديد عقد بيتكوفيتش وهل للمدرب السويسري النفَس وحتى القدرة الفنية لقيادة منتخب جديد، وهل سيصبر المناصرون الذين يتنفسون عشق الكرة، على مزيد من الخيبات التي سيذكرونها في مباراة نيجيريا وسويسرا حيث لعبوا من دون روح، مستسلمين لمنتخبين يوصفان بالقوة وهما منتخبان عاديان.
بأسلحة من صنعه
تلاميذ بيتكوفيتش القدامى ينهون طموح أستاذهم مع “الخضر”
شهدت أرضية ملعب “بي سي بليس” بمدينة فانكوفر الكندية فصلا كرويا مثيرا، مغلفا بالواقعية التكتيكية الصارمة والمشاعر المتباينة، حيث نجح المنتخب السويسري في حجز بطاقة العبور الرسمية إلى الدور ثمن النهائي من نهائيات كأس العالم 2026، عقب فوزه “المنطقي” على نظيره الجزائري بهدفين دون رد، إذ لم تكن المواجهة مجرد محطة عبور في دور إقصائي معقد الحسابات، بل تمثلت في حوار تكتيكي خاص للغاية، واختبار ذهني رفيع المستوى رجح كفة الاستقرار المنظم لمنتخب “الناتي” على حساب حماس وتطلعات “محاربي الصحراء”، في مباراة قد تحمل تبعاتها أبعادا تتجاوز مجرد الإقصاء من بطولة.
القصة الأبرز التي فرضت نفسها بقوة على تفاصيل اللقاء بأكمله، تمثلت في البعد التاريخي والشخصي المرتبط بمدرب المنتخب الجزائري الحالي، فلاديمير بيتكوفيتش، فالرجل الذي تولى مقاليد الإدارة الفنية لمنتخب سويسرا لسبع سنوات كاملة، وصنع جيلها الذهبي الحديث، قد وجد نفسه وجها لوجه أمام الركائز الأساسية التي ساهم هو شخصيا في صقل موهبتها وتثبيت أقدامها على الساحة الدولية، وبدا واضحا أن عناصر الخبرة السويسرية، بقيادة النجم غرانيت تشاكا والمدافع الصلب مانويل أكانجي، وظفوا بدقة كل الأدوات التكتيكية والذهنية التي اكتسبوها سابقا تحت إمرته، ليرتد هذا النضج الكروي الكبير في نهاية المطاف على المدرب البوسني نفسه، ويضع مشروعه مع الخضر أمام مفترق طرق حقيقي ومبكر.
سيرت سويسرا مجريات المباراة ببرود شديد واستندت إلى انضباط دفاعي صارم في الخلف، ممتصة الحماس الجزائري المبكر في الشوط الأول ومتفادية أي اندفاع غير محسوب، وجاء هدف المهاجم بريل إمبولو في الدقيقة العاشرة، إثر مجهود جماعي منظم وعرضية متقنة من الشاب يوهان مانزامبي، ليعزز الثقة السويسرية ويدخل الشك في صفوف الخضر منذ البداية، ومع مطلع الشوط الثاني مباشرة، استغل دان ندوي هفوة دفاعية فادحة ليضيف الهدف الثاني الخاطف، وهو ما تسبب في تعقيد مهمة التعديل تماما، وتحويل بقية المجريات إلى استحواذ عقيم من الجانب الجزائري المقيد بإحكام في وسط الميدان.
ورغم المحاولات الهجومية المتكررة والدفع بأوراق بديلة تنشيطية، عاب الأداء الجزائري غياب النجاعة المطلوبة واللمسة الأخيرة أمام منظومة دفاعية متماسكة للغاية تعرف متى تتراجع وكيف تغلق المساحات بالشكل الصحيح.
لقد أثبتت هذه المواجهة المونديالية أن إرث بيتكوفيتش التنظيمي مع سويسرا لا يزال حيا وفعالا، وأن لاعبيه القدامى أداروا الموقف المعقد بذكاء تكتيكي يفوق حماس المجموعة الجزائرية الحالية، مكرسين بذلك تفوقا يضع الكرة السويسرية في قادم الأدوار الإقصائية، وينهي في الوقت ذاته مسيرة طموحة للمنتخب الجزائري في هذا المحفل العالمي بأقدام وأسلحة كانت يوما من صنع وتشكيل مدربهم الحالي، الذي بات يواجه الآن مرحلة دقيقة ومفتوحة على كل الاحتمالات بشأن مستقبله على رأس العارضة الفنية.
عندما يرتد السلاح على صاحبه
الإعلام السويسري… “الناتي” يلقن أستاذه السابق درسا في الواقعية الكروية
عاش المتابعون لنهائيات كأس العالم 2026 مواجهة كروية استثنائية حملت في طياتها الكثير من الأبعاد الفنية والنفسية، حيث نجح المنتخب السويسري في بلوغ الدور ثمن النهائي بعد تفوقه “المستحق” على نظيره الجزائري بهدفين نظيفين، ولم تكن هذه الموقعة مجرد محطة تنافسية للعبور نحو الأدوار المتقدمة، بل تحولت إلى صراع تكتيكي خالص برهن فيه جيل “الناتي” الحالي على نضج كروي لافت، معتمدا على الأسلحة الفنية ذاتها التي اكتسبها وصقلها تحت إشراف مدربه السابق، فلاديمير بيتكوفيتش، الذي يمر اليوم بمرحلة دقيقة قد تضعه أمام مفترق طرق حقيقي بشأن مستقبله مع العارضة الفنية لـ”الخضر”.
الصحافة الرياضية السويسرية والتقارير العالمية الصادرة عقب اللقاء ركزت بشكل مكثف على الميزة الأبرز التي رجحت كفة السويسريين، وهي “الواقعية الصارمة” في إدارة أطوار المواجهة، فلم يبحث “الناتي” عن تقديم عرض كروي ممتع بقدر ما ركز على الانضباط الدفاعي وتأمين الخطوط الخلفية بقيادة مانويل أكانجي وغرانيت تشاكا، ونجحت المنظومة السويسرية في امتصاص الحماس الجزائري منذ الدقائق الأولى عبر قراءة هادئة للعب، قبل أن تضرب الدفاعات الجزائرية بهجمات مرتدة خاطفة ومنظمة، تجسدت أولاها في لقطة الهدف الأول لبريل إمبولو عند الدقيقة العاشرة، ثم في الرصاصة القاتلة التي أطلقها دان ندوي مع مطلع الشوط الثاني، التي قضت على المعنويات الجزائرية تماما.
الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في التحليلات السويسرية تمثل في المقارنة الحتمية بين طريقة إدارة مراد ياكين للمباراة، والإرث التكتيكي الذي تركه بيتكوفيتش خلفه قبل خمس سنوات، فقد أجمعت العناوين على أن لاعبي سويسرا القدامى وظفوا النضج التنظيمي والهدوء الذهني اللذين زرعهما فيهم مدربهم السابق، ليرتد هذا التأسيس الكروي المتين كأقوى سلاح ضد مشروعه الحالي مع “محاربي الصحراء”، حيث بدا الفارق الشاسع في الخبرة والتعامل مع المواعيد الكبرى واضحا لصالح رفقاء تشاكا، الذين عرفوا كيف يغلقون المساحات ويحيدون خطورة الهجوم الجزائري، ليتحول الاستحواذ الجزائري في الشوط الثاني إلى استحواذ سلبي وعقيم غابت عنه النجاعة اللمسة الأخيرة والحلول الابتكارية.
بهذا الفوز، لم تكتفِ سويسرا بتأكيد عقدتها التاريخية أمام المنتخب الجزائري، بل أثبتت أن استقرار منظومتها وتراكم خبرات لاعبيها قادران على تفكيك أي اندفاع، واضعة المدرب البوسني أمام قراءة نقدية حادة في الأوساط الرياضية، حيث بات طموحه المونديالي مهددا بالتحول إلى نهاية مبكرة لمشواره مع الخضر، بعد مواجهة تفوق فيها التلاميذ على الأستاذ بأدوات من صنعه.