نهب 1000 مليار من أموال دعم الحليب
خلص تحقيق أجرته المفتشية العامة للمالية، بأمر من الوزير الأول، إلى اتهام عدد كبار من منتجي حليب الأكياس بجمع أموال طائلة تقدر بمئات المليارات من خلال تحويل أموال دعم الحليب التي تخصصها الدولة منذ سنوات وتهريب جزء منها للخارج بالعملة الصعبة.
-
نتيجة التحقيقات تضمنها تقرير للمفتشية العامة للمالية، رفعته إلى الوزير الأول أحمد أويحيى، واطلعت عليه “الشروق”، خص مسيري شركة “ليكو مونلي” المتخصصة في انتاج الحليب ومشتقاته، ويقع مقرها في الدار البيضاء بالعاصمة، حيث كانت الشركة موضوع تعليمة خاصة من الوزير الأول أحمد أويحيى وجهها إلى وزير المالية تأمر بفتح تحقيق مالي وضريبي في حقها، وانتهى المحققون إلى اتهام مسيري “ليكو مونلي”، “بتهريب” نحو 30 مليون دولار من المساعدات التي توجهها الدولة لدعم سعر الحليب، إلى حسابات بنكية في سويسرا، على عدة دفعات، هي جزء من مبالغ مالية طائلة جمعها مسيرو الشركة “بطريقة غير شرعية” من خلال إعادة بيع مسحوق الحليب المدعم الذي تشتريه بكميات كبيرة من الديوان الوطني للحليب، في السوق السوداء، لمنتجي مواد دسمة ومشتقات الحليب الأخرى، مثل الياغورت والجبن وغيرها، وكان المسحوق بعاد بيعه على حالته الأصلية مناقضا بذلك القوانين التي تلزم المستفيدين من مسحوق الحليب المدعم ماليا من الدولة تحويله إجبارا إلى سوق الاستهلاك في شكل حليب أكياس.
-
وقدر تقرير المفتشية العامة للمالية الضرر الذي ألحقته نشاطاتها بالاقتصاد الوطني بنحو 1000 (ألف) مليار سنتيم، تشمل أموال الدعم المحولة والتهرب الضريبي والجمركي وتهريب العملة الصعبة، ووسّع التقرير دائرة الاتهام لتشمل أيضا مسؤولين كبار في إدارة الضرائب في الحراش والرويبة ووكالة بنك التنمية المحلية في حسين داي، حيث كانت توجد حسابات الشركة وتتم التسوية المالية لعمليات الاستيراد، كما وجهت التهمة لمسؤولين وإطارات في الجمارك، قال أنهم جميعا تواطأوا وسهلوا لشركة “ليكو مونلي” إتمام عملياتها “غير المشروعة” وتتهم مفتشية المالية صراحة مسؤولي الضرائب بعدم إخضاع القسم الأكبر من من رقم أعمال الشركة المتهمة للرسوم الضريبية المنصوص عليها قانونا، وكذا التماطل في تجميد حساباتها المالية مباشرة بعد اكتشاف أمرها، ما سمح لمسيريها بإفراغها، فصلا عن عدم التبليغ في الوقت المناسب عن تجاوزات الشركة لأجهزة الرقابة والتفتيش ومنها خلية الاستعلام المالي.
-
الاتهامات الموجهة لشركة “ليكو مونلي” تقول أن مسيريها ركبوا عمليات استيراد “وهمية” للتغطية على تحويل الأموال التي جنوها إلى الخارج، من خلال تضخيم سعر المنتجات المستوردة ليصل أحيانا إلى 6 آلاف مرة سعرها الحقيقي في السوق، ولأجل ذلك أسس مسيرو “ليكو مونلي” شركتين يصفهما التقرير بالوهميتين، تولت الأولى “طونيماكس” بيع مسحوق الحليب المدعم لمنتجي الياغورت والجبن، وضخ الأموال المحصلة في حسابات الشركة الثانية المسماة “بيضا لي” التي تتولى بدروها “تهريبها” إلى الخارج بالعملة الصعبة من خلال عمليات استيراد “وهمية بفواتير مضخمة” حسب ما جاء في تقرير المفتشية العامة للمالية.
-
والذي يضيف أن هذه العمليات بدأت سنة 2007 واستمرت طيلة ثلاث سنوات متتالية، وتعددت واردات الشركة التي يصفها مفتشو المالية بالوهمية للتغطية على تهريب العملة الصعبة، من الزبدة والجبن ومسحوق الحليب إلى المادة الأولية لصناعة الأكياس وتجهيزات صناعية أخرى، وتفيد المعلومات ان أويحيى بع ما استلم تقرير المفتشية العامة للمالية، أمر وزير المالية كريم جودي باتخاذ إجراءات تحفظية وعقابية في حق الشركات الثلاث، وفي حق مسؤولي وكالة بنك التنمية المحلية في حسين داي، ومسؤولي مصالح الضرائب والجمارك المتهمين بالتواطؤ.
-
غير ان تنفيذ هذه الأوامر توقف بعد أن رفع المدير العام للضرائب، عبد الرحمان رواية، تقريرا بدوره ينفي فيها الاتهامات الموجهة لمصالحه ويدافع عن مسؤولي الضرائب الذين وردت أسماءهم في تقرير مفتشية المالية، الذي وصفه المدير العام للضرائب بغير الموضوعي، وطعن في كفاءة المفتشين الذين أعدوه، لكن المفتش العام للمالية يعود في تقرير ثان رفعه لوزير المالية، ولا يعلم إن كان قد وصل إلى الوزير الأول أم لا، ليؤكد صحة الاتهامات والنتائج التي خلص إليها عمل المفتشية العامة للمالية، ويزيد عليه بالقول لو ان مسؤولي الضرائب أخضعوا حسابات الشركة للإجراءات المنصوص عليها في وقتها لأمكن وقف تحويل عشرات المليارات إلى الخارج، هربت في اللحظات الأخيرة، ويدعو وزير المالية صراحة إلى اتخاذ التدابير الانضباطية والعقابية اللازمة في حق كل المسؤولين المتواطئين.
-
كلام المفتش العام للمالية وجد سندا له هذه المرة في تقرير ثالث للمدير العام للجمارك رفعه لوزير المالية يتهم مسيري الشركات الثلاث بالتزوير والتصريح الخاطئ والتحويل غير المشروع لمبالغ طائلة بالعملة الصعبة، مستشهدا لتأكيد موقفه بأن مسيري “ليكو مونلي” كانوا حولوا ملايين الدولارت تحت غطاء عمليات استيراد إلى حساب مالي واحد في سويسرا بالرغم من أن الصفقات تمت مع ممونين أجانب مختلفين ويوجدون جميعهم خارج سويسرا، ويعطي مثالا على ذلك أن تجهيزا صناعيا استوردته الشركة تمت فوترته بأزيد من 3 ملايين و700 ألف يورو، في حين أن قيمته الحقيقية لا تزيد عن 57 ألف يورو، مصادر اطلعت على الملف أكدت للشروق أنه إلى غاية شهر سبتمبر الماضي لازالت أيا من الإجراءات العقابية المنصوص عليها في تعليمة الوزير الأول لم تطبق في حق أي من المسؤولين الذين وجهت إليهم تهمة التواطؤ.