نهلة حرطاني: القانون يجب أن يصبح أداة حيّة تخدم الإنسان في العصر الرقمي
أصبح التكيّف مع الرقمنة والذكاء الاصطناعي ضرورة لا مفرّ منها. وفي هذا السياق، كان لنا هذا الحوار مع الدكتورة نهلة حرطاني، باحثة في مجال التحوّل والابتكار القانوني، ومحامية متخصّصة في قانون الأعمال وحقوق الإنسان، المؤسسة لمنصّة “قانونكم” للتكنولوجيا القانونية ومركز الابتكار القانوني “جوريدي لاب”، الحامل لاعتماد رسمي من وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسّسات الناشئة والمؤسّسات المصغّرة. ويُعدّ “جوريدي لاب” من أوائل المبادرات في الجزائر، التي تهدف إلى تطوير منظومة قانونية مُبتكرة تُواكب التحوّل الرقمي، وتُعيد للقانون بعده الإنساني في خدمة الفرد والمجتمع.
كل مشروع ينطلق من فكرة، ما الذي دفعكم لخوض هذه التجربة؟
الفكرة في الأصل لم تكن مجرّد مشروع مهني، كنتُ أرى أنّ القانون في صورته التقليدية لم يعُد قادرًا على مواكبة التحوّلات السريعة التي يشهدها العالم، وأنّ الوقت قد حان لنجعل منه أداةً حيّة وفعّالة، قادرة على التكيّف مع الواقع الرقمي من هنا جاءت فكرة إنشاء منصّتَين تُجسّدان هذا التغيير الأولى” قانون كوم”
وهي منصّة تُعنى بالتكنولوجيا القانونية وبتبسيط الوصول إلى المعلومة القانونية، أمّا الثانية فهي، “جوريدي لاب” مركز للابتكار القانوني يهدف إلى تطوير حلول رقمية وتدريب الجيل الجديد من المهنيين القانونيين على مهارات المستقبل، رؤيتي تقوم على إحياء البُعد الإنساني في القانون، وإعادة ربطه بالحياة اليومية للناس.
فالقانون لا يعيش في المجلدات، بل في ضمير المجتمع، ولا يكتمل دوره إلا حين يصبح وسيلةً لبناء الثقة والوعي، لا أداةً للردع أو التعقيد.
على أي أساس تقوم توأمة النصوص القانونية مع الرقمنة في رأيكم؟
التوأمة بين النصوص القانونية والرقمنة ليست مجرد عملية تقنية، بل هي تحوّل ثقافي وفكري عميق يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والقانون في العصر الرقمي، وتقوم هذه التوأمة على ثلاث ركائز أساسية:
1- الوضوح، بأن تكون المعلومة القانونية مفهومة ومبسطة، تمكّن المواطن من إدراك حقوقه وواجباته دون غموض، وهي التي تُحوِّل القانون من نص جامد إلى أداة حيّة فاعلة في المجتمع.
2- الامتثال الذكي، وهو الانتقال من الامتثال الشكلي إلى الامتثال الواعي الذي يدمج التكنولوجيا بالقواعد القانونية دون المساس بجوهرها، فيحافظ على التوازن بين الكفاءة التقنية والمسؤولية الأخلاقية.
3- حماية المعطيات الشخصية منذ التصميم، أي أن تُؤخذ حماية البيانات الشخصية با عتبارها مبدأ أخلاقي وقانوني يعكس احترام الإنسان وكرامته في بيئة رقمية تُهدَّد فيها الخصوصية يوميًا.هذه الركائز الثلاث تمثّل الأساس المتين لأيّ تحول قانوني رقمي حقيقي، لأنّ الرقمنة ليست فوضى، بل مسؤولية، ولا يمكن أن تُثمر إلا عندما تلتقي القواعد القانونية بالأخلاق المهنية في خدمة الإنسان.
«الرقمنة لا تُحرّر من القواعد، بل تُعيد إلينا مسؤولية احترامها بوعيٍ أكبر.»
ما الذي يُعَدّ إلزاميًّا اليوم على مهني القانون ليواكب التحوّل الرقمي؟
على مهني القانون اليوم، أن يُدرك أن التحدي لم يعُد في معرفة النصوص فقط، بل في فهم كيف تُغيّر الرقمنة طريقة العمل القانوني بذاته.
الواجب الأول، هو الانفتاح على المعرفة الرقمية، والتكوين المستمر ّفي مجال التكنولوجيا القانونية، لأنّ القطيعة بين القانون والتقنية لم تَعُد ممكنة.
ثانيًا، عليه أن يُنمّي مهارات، فالمهني القانوني الذي يرفض التعلّم أو يُغلق على نفسه، سيجد نفسه خارج الفهم، نحن في زمنٍ لم يعُد فيه القانون حكرًا على المكاتب، بل أصبح حيًّا، متحرّكًا، ومتداخلًا مع مجالات أخرى كعلوم البيانات، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي.
وثالثًا، عليه أن يتحمّل المسؤولية الأخلاقية في استخدام التكنولوجيا.
الرقمنة في المجال القانوني لا تُقصي الإنسان، بل تمنحه فرصة جديدة ليُعيد اكتشاف دوره كفاعلٍ في خدمة المجتمع، التحوّل الرقمي لا يطلب من مهني القانون أن يُصبح خبيرًا في التكنولوجيا، بل أن يفهم كيف تُغيّر التكنولوجيا مهنته ومحيطه.
ماذا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم للمهن القانونية؟ وهل يمكن أن تكون له آثار عكسية؟
الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يحقق ثورة في السرعة والدقة والوصول إلى المعلومة القانونية. يمكنه تحليل آلاف الأحكام في ثوانٍ، أو المساعدة في صياغة العقود، بشكل أكثر أمانًا. لكن الخطر يظهر عندما تُستبدل الإنسانية بالآلة. فالقانون ليس منطقًا فقط، بل قيم وأخلاق. إذا غاب الإنسان عن القرار، تفقد العدالة روحها، يجب أن تبقى الآلة في خدمة القرار، لا أن تحل محله.
التغير الحاصل في مجال الرقمنة يفرض على مهني القانون توسيع معارفهم، ما مقترحاتكم في هذا الباب؟
التحوّل الرقمي الذي يشهده العالم لا يمكن أن يقتصر على تحديث الأدوات، بل يجب أن يشمل تحديث الفكر القانوني وأساليب التكوين، وكما أوضحت ذلك السيّدة وزيرة وسموّ المفوّضة السامية للرقمنة “مريم بن مولود” في تقريرها الأخير، “إنّ التحوّل الرقمي في الجزائر يُجسّد رؤية دولةٍ تسعى إلى بناء اقتصادٍ معرفيٍّ قائمٍ على الحوكمة، والشفافية، وسيادة القانون، مع إشراك جميع الفاعلين، وفي مقدّمتهم المهنيّون القانونيون ومؤسسات العدالة، لضمان رقمنةٍ مسؤولةٍ تحترم القيم الأخلاقية والمبادئ الدستورية”.
إنّ مهني القانون اليوم، بحاجة إلى إعادة بناء معارفهم، لا سيّما في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، لأنّ هذه المفاهيم أصبحت جزءًا من الواقع العملي للقانون نحن نعمل على تحقيق ذلك من خلال مبادرات متعدّدة، أبرزها المنتدى الإفريفي للإبتكار القانوني ” ALIF”، الذي يجمع سنويًا خبراء، مهنيين، ومؤسسات من مختلف الدول لتبادل التجارب حول الرقمنة القانونية كما ننظّم ورشات تدريبية وتكوينية من خلال مركز “جوريدي لاب” “ليغال أب”، نهدف عبرها إلى تمكين الطلبة والمهنيين من اكتساب مهارات قانونية رقمية حديثة، تجمع بين الفهم القانوني الدقيق والاستعمال المسؤول للتكنولوجيا.يتمّ تنفيذ هذه البرامج بالتعاون مع الهيئات المهنية، على غرار، مجلس أخلاقيات المحامين، والموثّقين، والمحضرين القضائيين، إضافةً إلى السلطات التنظيمية والوزارات المختصّة التي تواكب هذا التوجّه الاستراتيجي الهدف من كلّ هذه الجهود هو إرساء ثقافة التكوين المستمرّ، وتعزيز التكامل بين الجامعات والممارسين والسلطات المهنية، لأنّ بناء جيل قانوني قادر على مواكبة التحوّل الرقمي لا يتحقّق إلا بالتعاون والتشارك في نقل المعرفة
هل تعتقدين أن الورشات كافية للوصول إلى العامل في القانون ملم بكل معارف الرقمنة والذكاء الاصطناعي؟
الورشات خطوة أولى مهمة، لكنها غير كافية، يجب أن تتحول إلى برامج أكاديمية منظمة ومستمرة، وأن تُدمج في كليات الحقوق مع شراكات بين القانونيين والتقنيين. فالفهم الحقيقي، لا يأتي من التلقين فقط، بل من التجربة المشتركة.
ما المهن التي لها الأولوية في هذه العملية؟ أم يجب الانطلاق من نفس الخط؟
كل المهن القانونية معنية. لكن البداية تكون مع المشرّع، ثم المحامي فالقاضي، المشرّع يضع القواعد، والمحامي يختبرها، والقاضي يطبقها. لكن العدالة الرقمية مشروع جماعي لا ينجح إلا بتكامل كل الفاعلين.
كيف تقيمين هذه التوأمة في الجزائر من خلال ما ترونه واقعًا؟
الجزائر تعيش مرحلة الوعي والتحرك، وهي مرحلة أساسية، فهناك جهود ملموسة من هيئات مثل السلطة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية، ووزارة العدل، ووزارة اقتصاد المعرفة، والمفوضية العليا للرقمنة.
لكن ما نحتاجه هو الربط بين التشريع، والتنفيذ، والتكوين. من خلال “جوريدي لاب” ومنتدى الابتكار القانوني الإفريقي، نسعى إلى بناء الجسور بين الخبراء والشباب وصناع القرار. نعم، الطريق طويل، لكنه يسير في الاتجاه الصحيح.
السيرة الذاتية
الدكتورة نهلة حرطاني، باحثة في مجال التحوّل والابتكار القانوني، ومحامية متخصّصة في قانون الأعمال وحقوق الإنسان، تُعدّ من أبرز الوجوه في مجال تطوير الممارسات القانونية الحديثة في العالم، إذ تجمع في مسيرتها بين البحث الأكاديمي والخبرة المهنية، حاصلة على شهادة الدكتوراه في القانون من جامعة نيس في فرنسا، ومُقيمة بها منذ أكثر من اثنتي عشرة سنة، حيث تعمل على بناء جسرٍ معرفيٍّ ومهنيٍّ بين الجزائر وفرنسا في مجال الابتكار القانوني والتحوّل الرقمي، حازت على جائزة أفضل رائدة في مجال التكنولوجيا القانونية 2022، على مستوى منطقة كوت دازور بفرنسا، وتُعدّ من الأصوات البارزة في ميدان تطوير الثقافة القانونية،و الممارسات القانونية الحديثة، ونشر مبادئ الحوكمة الرقمية.