منوعات
"الشروق" تزور بيت الموسيقار وتنقل نقاط ظله

نوبلي فاضل.. لهذا السبب لم يتزوّج وهذه علاقته بنحناح والشاذلي

الشروق أونلاين
  • 17320
  • 0
يونس أوبعيش
نوبلي فاضل

بعد ساعة ونصف من السير وصلنا شرشال، حيث يقيم الموسيقار نوبلي فاضل، وجدنا أخاه عماد في انتظارنا قرب منزل العائلة، وبعد دردشة قصيرة دخلت “الشروق” بيته واستقبلتنا العائلة “إخوة فاضل” بحفاوة كبيرة، وقبل أن نجلس قدم الفنان والملحن نوبلي فاضل ورحب بنا بابتسامته المعهودة، التي اختصرت كلّ كلام لسانه العاجز عن التعبير بسبب المرض.

يحارب “الزهايمر” بالابتسامة وإشارات اليد

على عبير باقة الورد التي أهدته إياها “الشروق” حاولنا في بداية الحديث مع إخوته “عماد وخالد” أن نسرق كلمات من ملحن “العرب” نوبلي فاضل، لكن عجزه ومرضه “شفاه الله” لم يدرّ علينا إلا ببضع مفردات ترحيبية وسلام بإشارة يد، فاكتفينا بجلوسه معنا، حيث أغنى صمته وإشاراته وابتساماته أحيانا أخرى عن الأسئلة التي كنّا بصدد توجيهها له، بل وأجاب بتعابير وجهه عن كلّ شيء حامدا الله تعالى على نعمه وامتحاناته، هنا يتدخل أخوه عماد قائلا لنا ممازحا: “لو يستطيع الكلام لما كنت أنا هنا ولما احتجتم إلينا”، هناك أدركنا أنّ نوبلي فاضل يملك إخوة بررة يفعلون المستحيل من أجل رسم الضحكة على وجه أخ أكبر يعتبرونه بمثابة الأب، يمازحونه بكلمات لطيفة ويحاولون تذكيره بأشياء جميلة.

وبعد مكوث الموسيقار نوبلي فاضل معنا لقرابة نصف ساعة، بدا عليه التعب، فقام أخوه خالد وأخذه إلى غرفة مجاورة ليستريح، واصلنا الحديث مع عماد في شتى الجوانب التي عرفتها مسيرة الفنان نوبلي فاضل، الذي كرّم أخيرا في بلاده الجزائر من خلال مهرجان أيام الفيلم المتوج بقسنطينة ديسمبر الفارط بحضور نجوم الغناء العربي على غرار أنوشكا، محمد الحلو، سارة فرح، فلّة عبابسة، وممثلين كصفية العمري، عباس النوري ومادلين طبر وغيرهم، فقال عماد: “منذ مجيئنا إلى هذه الأرض الطيبة، في سنة 1972 ونحن نسكن هنا والحمد لله، والمنزل “سكن وظيفي” للوالد الذي كان مفتشا في التعليم، وتخرج من جامعة الزيتونة حيث تحصل على الشهادة العالمية وكان ذلك في عام 1951.

أوامر بإتلاف أرشيف نوبلي.. والفاعل سيفضحه كتاب عن حياته

وبالنسبة لأخينا فقصته معروفة، وهو الآن مريض الله يشفيه، لقد زاره منذ فترة وزير الثقافة عز الدين ميهوبي، مساء في حدود الساعة السابعة، وقصد المنزل لوحده دون بروتوكول، لأنّه يعرف فاضل ويعرف قيمته، وأراد ردّ الاعتبار له، وعلم بأنّ فاضل همّش بطريقة صعبة ومؤسفة لا يتحملها بشر، حتى أنّك تطرح الأسئلة ماذا فعل أخي حتى يعامل بهذا الأسلوب “الانتقامي”؟، ويضيف عماد متحسرا:” لم يكن أخي في منصب سياسي ولم يكن يوزع الأراضي ولم يكن يملك المال حتّى تمارس عليه هذه الضغوطات، وهذا الإقصاء المرّ، فتسجيلاته مهمشة والاستوديوهات التي كانت تمنح له كانت حالتها كارثية ومهترئة، كما أنّ البعض في السابق ضيّع له أرشيفه بشهادات حيّة لعمال أعطيت لهم أوامر بتضييع أرشيف فاضل، وسيحملها الكتاب المرتقب نشره عن أخي.

لمين بشيشي هو من أمضى على قرار فصل نوبلي

وبخصوص المتسبب في فصل نوبلي فاضل من الإذاعة ردّ عماد: “الإذاعة ومديرها العام والإدارة في وقت الأستاذ لمين بشيشي”، ويؤكد بصريح العبارة: “أنا لا أتهّم لمين بشيشي مباشرة، لكنه كان مديرا والإمضاء على قرار الفصل إمضاؤه، والآن بسبب أو بغير سبب فالفصل غير مقنع، لأنّ نوبلي فاضل كان في فرنسا وفي زمن العشرية السوداء، وأرسل لهم عطلة مرضية، لكن قيل من طرفهم أنّه غياب غير مبرر وأنّ “العطلة المرضية” وصلتهم متأخرة وكأنّ القانون كان يطبق وقتها بحذافيره، فنحن نعرف بلدنا وهناك أشخاص يتقاضون الرواتب ولا يعملون، فلا “نغطي الشمس بالغربال” كما يقال.

ميهوبي زاره بدون بروتوكولات..تومي همشته ولعبيدي وعدت

يواصل عماد في هذه الجلسة سرد حكاية نوبلي مع وزارات الثقافة، حيث صرّح أنّ الوزارات السابقة ويقصد فترتي “خليدة تومي ونادية لعبيدي” أنّه لم يراهما تقفا إلى جانب أخيه نوبلي فاضل وقال:” الوزيرتان السابقتان لا أشكرهما، أمّا الوزارة الحالية فترة ميهوبي، فأتقدم بخالص شكري لها”، وتابع: “عائلة نوبلي تشكر ولا تنسى جميل الوزير عز الدين ميهوبي، لكن الوزيرتين السابقتين خليدة تومي ونادية لعبيدي، فلم نراهما، وهو الحال بالنسبة للديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة فلا علاقة لنا معه، باستثناء مصالحها الاجتماعية التي تسأل عنه كل أسبوع، حيث عرضت علينا خدماتها كأن يأخذوه إلى الحمام والطبيب وغيرها، غير أننا رفضنا والحمد لله، أمّا منحة التقاعد قيمتها 15 ألف دينار جزائري وهي راتب عمله في الإذاعة.

بوشامة وحمراوي والمناعي ومحبوب زاروه ..ولا سياسي دخل بيته

 من بين الشخصيات التي زارته الوزير السابق كمال بوشامة (ابن شرشال)، عبد الرزاق دكار صحفي سابق وإطار سامي في “سوناطراك” الوزير الأسبق حمراوي حبيب شوقي، إضافة إلى رئيس دائرة شرشال ورئيس بلديتها، إلى جانب وجوه فنية جزائرية منها دنيا، عبد الله مناعي، خالد محبوب، محمد الخامس شاعر العرب، تواتي عبد الكريم، منشد الشارقة كمال رزوق، إضافة إلى أصدقائه الجزائريين الذين درسوا معه في مصر “أساتذة في الجامعة ومسؤولين”، أّمّا السياسيين الذين زاروه في البيت يكاد ينعدم باستثناء زيارة رئيس الدائرة له ورئيس البلدية، لكن البقية يسألون عنه عن طريق أخي صلاح.

أسرار “سفينة نوح”،…الشيخ نحناح ونوبلي فاضل وقصة “المصروف”

تشعب الحديث حتى وجدنا أنفسنا مع أشقائه نعود إلى البدايات الفنية لنوبلي فاضل، حيث يقول عماد عن شقيقه: “في سنة 1973 نجح في البكالوريا بمدينة سعيدة، تخصص فلسفة، ثم التحق بجامعة باب الزوار ودرس علم النفس ثم شارك في ألحان وشباب وفاز”، وأتذكر وقتها أنّ الناجحين تمنح لهم منحة دراسية بيداغوجية إلى الخارج، فكان أخي من بينهم وأرسل إلى مصر لدراسة التأليف الموسيقي، وهو الوحيد من بين زملائه محمد بوليفة الذي توجه إلى روسيا، وأتذكر أنّه في تلك الفترة كنّا نرسل له مبلغا ماليا كل شهر “مصروف” بواسطة أصدقائه منهم الدكتور بن نعمان والمرحوم الشيخ محفوظ نحناح لأنه كان يدرس في مصر، ويلتقيه بين الحين والأخر، وبالرغم من أن أخي فاضل درس التأليف الموسيقي فبعد 5 سنوات كرّم بمصر كأحسن عازف على العود في المعهد العالي للموسيقى العربية، ولم تخلو الدردشة من الحديث عن الذين درسوا مع الملحن فاضل، منهم محمد الحلو درس معه خمس سنوات”، وأرشيف فاضل ضخم وكل ما نبحث نجد أغاني أخرى لأنّه لم يكن باستطاعته التسجيل نظرا “للمونوبول” الذي كان يحكم في تلك الفترة، وحينما نجد الأغنية يقع الاتفاق عليها من طرف العائلة وشقيقنا صلاح ينفذ فقط فلا يختار لوحده، وحتى الفنان لا يختار، فهذا البيت نسميه “سفينة نوح” ونجلس في سرير الحاجة “والدتهم” ونتفاهم على كل شيء بخصوص أغاني أخونا فاضل ومن الفنان الذي سيؤديها والأغنية التي ستصدر قبل أغنية أخرى، حيث بلغنا الآن 120 لحن منها من نشر في قناته على اليوتوب، وتنازلنا للقناة بإمكانية إذاعتها”.

تؤكد عائلة فاضل أنّها لا تبحث عن الجانب المادي لكن تسعى لحماية تراثه الثري، فأغاني كثيرة شهيرة منذ سنة1975  تم عرضها مرّة واحدة فقط في التلفزيون الجزائري، منها أغاني أداها كبار المطربين العرب، لكن تعرض مرة واحدة، أمّا الأغاني القديمة فتم عصرنتها وتطويرها… اليوم خزانة نوبلي فاضل ممتلئة بتراث جزائري عريق كلما بحثت بداخلها تجد أشرطة أخرى، وكأنّك في منجم ذهب حتى أن الكثير من الأغاني المكتوبة لم يعرف كتابها وبما أنّ مرض “الزهايمر” فعل فعلته لا يتذكر فاضل كم أغنية مكتوبة لحنها ومن هو مؤلفها، وتتمنى أن يتقدم إليها الكتاب الذين تعاملوا مع فاضل ولكلّ ذي حق حقه لأنّ المهم الحفاظ على اللحن والتراث.

لم يتزوج و”قرار الفصل” هو السبب

نوبلي فاضل درس في السوربون بفرنسا واختير من بين 12 طالبا، حاول العمل بهذا البلد واتصل بالمركز الثقافي الجزائري بباريس، لكن لم يستجب لنداءاته، فاجتهد وصبر وكونّ نفسه بجهوده، عمر فاضل اليوم 65 سنة وهولم يتزوج، فعندما استعد لدخول القفص الذهبي جاءه قرار الفصل، وأثناء نشاطه الفني كان يقول أنّ زواجه يعني الإجحاف في حق المرأة، لكن بإقناع من الوالد وافق على الزواج، أمّا المرض فعلى حدّ تصريحات الأطباء فإنّ الضغوطات التي تعرض لها كانت نتيجتها ” الزهايمر” الذي اكتشفت العائلة أنّه أصيب به في سن الـ57سنة، ولكن متى تسلسل إليه الله وحد أعلم، وقد بدأت أعراض الزهايمر بالكلام فأصبح لسانه يتلعثم.

الشاذلي أنصفه بحضور ياسر عرفات ومنحه سيارة رئاسية

ربما النجمة المضيئة في حياة نوبلي فاضل في الجزائر، التي رصّعها له المسؤولون هي إشرافه على تدشين قصر الثقافة مفدي زكريا في عهد الرئيس المرحوم الشاذلي بن جديد بحضور ياسر عرفات.

عماد: “طلبنا الفيديو من التلفزيون لكن البيروقراطية حالت دون ذلك”، وكان ذلك في سنة 84، بحيث وضع الشاذلي لمدة ثلاثة أشهر سيارة رئاسية تحت تصرف فاضل، وبما أن قصر الثقافة تحفة فنية ومعلم وحضر كل الفنانين أعطاه الضوء الأخر.

جنرال وضع تحت تصرفه سيارة مرسيدس لمدة 3 سنوات

ما يحسب للمرحوم الشاذلي أنّه فتح بابا لنوبلي، وحسب العائلة أنّ تسخير سيارة رئاسية لملحن يعدّ شيئا عظيما بالرغم من أنّه وقتها كان يسكن في شقة من غرفتين، كما يحسب أيضا لأحد الجنرالات أو العقداء “لا تتذكر العائلة اسمه وتطلب السماح منه وتدعوه لزيارة نوبلي” الذي خصص سيارة مرسيدس مدة ثلاث سنوات للفنان نوبلي فاضل من أجل تدريس طلبة الحرس الجمهوري ببني مسوس، حيث كانت تقله ثلاث مرات في الأسبوع، هذا الضابط العسكري توجه له العائلة اعتذاراتها “لنسيان اسمه” فقد كان أشقاء فاضل صغارا ولم يكونوا مهتمين بتلك الأمور.

وبينما كان فاضل يتوسطنا يحضر لنا شقيقه خالد شهادة شرفية يقول عنها عماد مازحا: “منحت له ولم تظهر جيدا في التلفزيون”، ليتحدث عن موضوع أخر يتعلق بشكره لجماعة الوادي مدينة الأصل، وجماعة المشرية وعنابة لأن فاضل درس هناك وولد في تونس ودرس فيها الكشافة ومن كان يحكمه الجنرال بكوش، وبعدها عادت العائلة إلى عنابة، حيث تعلم رياضة “الجيدو” من عند أستاذه لعزيزي، ثمّ انتقل إلى مدينة المشرية وهناك لحن أول لحن، ثمّ شرشال التي عاش فيها العشرية الأخيرة.

يوميات نوبلي قبل “الزهايمر”

يسأل الناس والجمهور عن نوبلي فاضل وليس كما يفعل السياسيين، فنوبلي كان مواظبا على صلواته في المسجد، وذلك قبل المرض الذي أفقده القدرة على الحركة بنسبة60 بالمائة، وذهابه إلى الصلاة يسمح له بلقاء الناس ومحبيه من مدينة شرشال، يتجاذب أطراف الحديث معهم وهم بدوره يسألون عن صحته وعن عمله، الرجل الذي أفنى عمره في خدمة الفن الجزائري والعربي لا يحب المقاهي ولا يتردد عليها كما يفعل فنانون آخرون لحاجة في نفسه، فقبل خمس سنوات أي قبل المرض غالبا ما يستغل خروجه إلى الصلاة لزيارة أصدقاء “التقاعد” وهم “الحاج الزوبير” أو “منصف” صاحب المكتبة أو عبد اللطيف الصيدلي.

أغنية “سراييفو” التي سحرت الرئيس بيقوفيتش بصوت بوشناق

من جمل التهميش التي تعرض له نوبلي فاضل، هناك أغنية رائعة له طالتها أيادي الرفض، هي أغنية “سراييفو” التي لحنّها نوبلي فاضل ولم تؤت حقها في الجزائر، كما قال عماد في حواره مع “الشروق”، بالمقابل حينما سمعها الرئيس البوسني “يوغسلافيا سابقا” عزت بيجوفيتش بصوت لطفي بوشناق أدوت الأغنية التي عرضتها كافة قنوات العالم وتناسها التلفزيون الجزائري للأسف؟ أرجاء الملعب وأعطى بيجوفيتش جائزة وجواز سفر شرفي للطفي بوشناق وشكر الطاقم المنجز للأغنية “كاتبها التونسي أدم، الملحن فاضل والمغني بوشناق”، خاصة وأنّ مداخيل الحفل والأغنية المذهلة عادت إلى شعب البوسنة.

اليوغا، حزام أسود في الجيدو وكرة الطائرة

لم يمنعه الفن من ممارسة الرياضات وما يحب، حيث حمل نوبلي فاضل في الجيدو الحزام الأسود وبلغ نصف نهائي من كأس الكرة الطائرة، ووقتها ما يزال طالبا في الثانوية ومنخرط في صفوف فريق “المشرية”، لكن لم يسعفه الحظ للمشاركة في النهائي مع فريقه بسبب عدم وصول الاستدعاء، أمّا في رياضة الجيدو فحسب العائلة فقد كان جيدا “لمزية ماراهش هنا وإلا ضربنا… يضحك الجميع”، ومارس اليوغا من خلال كتبه حول الفلسفة والميتافيزيقا، وهنا يتذكر عماد أنّ فاضل علمهم المطالعة وكان يسألهم عن الكتب التي يطلب منهم قراءتها، ولم يخف المتحدث أنّ شقيقهم يتقن “الشطرنج” والرسم من خلال لوحات فلسفية يقدمها بقلم الرصاص تدل على أنّه فنان.

عمار العسكري وأبواب الصمت في الفيتنام

تلحينه لموسيقى فيلم “أبواب الصمت” جعله يسافر مع المخرج المرحوم عمار العسكري إلى الفيتنام لتصوير”أبواب الصمت” الذي حاز على جائزة أحسن موسيقى في مهرجان عنابة المتوسطي أثناء إطلاقه قبل سنوات وجوائز أخرى عالمية، وفي أخر اللقاء تذكر الشقيقان عماد وخالد أنّ فاضل يحب كثيرا المرحوم العسكري وأسد السينما الجزائرية سيد علي كويرات ويوسفي توفيق والعراف الذي عاش معه لفترة في شقته بالعاصمة، إضافة إلى معرفته الوطيدة بالمفكر والكاتب الراحل الطاهر بن عيشة خاصة وأنّه كان زميل الوالد.

مقالات ذات صلة