-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"مفاجآت العمر" للمتفوقين وبورصة الهدايا ترتفع !

هبة تضامنية لتكريم المتفوقين في البكالوريا

مريم زكري
  • 685
  • 0
هبة تضامنية لتكريم المتفوقين في البكالوريا

من العطور والورود وعلب الحلوى، إلى رحلات عمرة وسيارات وهدايا فاخرة، تغير مشهد التهاني بنجاح البكالوريا في الجزائر، وتطور مع مرور السنوات، فمشاهد تكريم المتفوقين لم تعد مقتصرة على عبارات “مبروك” وبعض الدنانير، بل باتت فرصة لتنافس العائلات والمؤسسات وحتى البلديات والمحسنين في تقديم الهدايا الفخمة، وتحولت بعض البيوت الجزائرية إلى ساحات احتفال يتعدى فيها الفرح حدود الأسرة ليغمر الحي، لتبقى مظاهر التضامن مع المتفوقين في هذا الامتحان المصيري حالة إنسانية واجتماعية مميزة واستثنائية، تحمل في طياتها التحول الذي عرفه مجتمعنا في نظرته للنجاح والعلم.

صنعت احتفالات البكالوريا “ترندات” على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تمتد جذورها في عمق التقاليد الجزائرية منذ عقود، رغم بساطتها سابقا، وتعكس اليوم تلاحما وتضامنا شعبيا واسعا مع المتفوقين، حتى إنها أصبحت “سنة حميدة” ومناسبة سنوية للاحتفال والاعتراف بالمتميزين، ولفتت التلميذة رونق زاني، الحاصلة على أعلى معدل وطني في بكالوريا 2025 الأنظار، ليس فقط بتفوقها، بل بسيل الهدايا والتكريمات التي انهالت عليها، وقد تم إهداؤها سلسلة ذهبية تحمل اسمها، وعمرة إلى المدينة المنورة، بالإضافة إلى ثلاث عمرات أخرى لها ولوالديها، قدمتها مؤسسة النهضة للقرآن الكريم، ولم يتوقف التكريم عند ذلك، بل حصلت أيضا على جهاز كمبيوتر من آخر إصدار، مع وعود بهدايا أخرى خلال الأيام القادمة ولا تزال الهدايا تتهاطل على التلميذة منذ لحظة إعلان النتائج.

الاحتفال أصبح “سنة حميدة” وتقليدا سنويا للجزائريين

وفي تقليد سنوي بات معروفا من بعض العلامات التجارية الخاصة بالأثاث المنزلي والملابس، تحصلت المتفوقة ذاتها على طاقم أثاث منزلي تبلغ قيمته 90 مليون سنتيم، تعبيرا عن دعمهم للتفوق الدراسي وتشجيعهم للكفاءات.

في السياق ذاته، خطفت التلميذة رونق ذيب قلوب الجزائريين بقصتها الإنسانية المؤثرة، إذ فقدت والدتها خلال امتحانات البكالوريا، ورغم الحزن أصرت “رونق” على مواصلة المشوار، لتتوج بالنجاح والتكريم، حيث أُهديت لها عمرة إلى البقاع المقدسة تقديرا لشجاعتها وصبرها وتضامنا معها.

كما تم تسجيل مبادرات مماثلة في ولايات أخرى، على غرار ما قام به أحد المحسنين بولاية المسيلة، حيث قدم مبلغ 10 ملايين سنتيم للتلميذة زاوي حنين بشرى، صاحبة المرتبة الأولى في الولاية، إضافة إلى منحة شهرية طيلة مشوارها الجامعي، بتمويل من جمعية “كافل اليتيم، وهو الأمر ذاته بمعظم الولايات أين تولت السلطات الولائية بتكريم المتفوقين بدعم من التجار ورجال الأعمال.

تحرير الاحتفالات من الطبقية والبهرجة الفارغة

وبحسب ما يراه الأستاذ مسعود بن حليمة، أستاذ علم النفس الاجتماعي، الذي يؤكد أن التضامن مع المتفوقين في البكالوريا ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لمنظومة اجتماعية قائمة على التقدير الجماعي للعلم والنجاح، لكنه تطور كما تطورت طبيعة المجتمع وتغيراته الاقتصادية، ويضيف قائلا إنه في السابق، كان التضامن يقتصر على مظاهر بسيطة قبل أن يتغير اليوم بطريقة تدريجية، الأمر الذي يعكس انتقال المجتمع من البساطة إلى نوع من البذخ الرمزي المرتبط بالتقدير.

وأضاف المتحدث أنه رغم ذلك لا يمكن إلغاء الاحتفالات، ومن حق كل عائلة أن تفرح بنجاح أبنائها، والعمل على تحرير هذه المظاهر من خلفياتها الطبقية والبهرجة الفارغة، ولا يجب أن تتحول البكالوريا إلى حلبة تفاخر اجتماعي ترهق الأسر نفسيا وماديا.

الاحتفال بالبكالوريا لم يعد بسيطا وأصبح استعراضيا بامتياز

من جهتها، قالت الأخصائية في علم الاجتماع، ليلى أسعد، لـ” الشروق” إن النجاح في البكالوريا أصبح بمثابة نجاح جماعي يخص الأسرة كلها، لدرجة أنه يقال في المجتمع “ولدك جاب الباك” أي إن العائلة بأكملها وصلت إلى بر الأمان على حد تعبير المتحدثة، وهو ما جعل هذه الشهادة تتحول إلى لحظة توتر كبيرة، ليس فقط للتلاميذ بل للعائلات والمجتمع.

وأضافت أن الضغط لا يكمن في اجتياز الامتحان فحسب، بل في ما يتبع ذلك من احتفالات استعراضية تغذيها وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يسعى كل طرف لإبراز نفسه ومكانته من خلال نوعية الهدايا وحجم الحفلات، مضيفا أن الاحتفال بالبكالوريا لم يعد بسيطا كما كان سابقا بل أصبح استعراضيا بامتياز، الأمر الذي اجبر العائلات ذات الدخل المحدود على تقليد الآخرين كي لا ينظر إليها أو لأبنائها بنظرة نقص.

وشددت أسعد على أن مثل هذا الضغط يولد شعورا بالدونية لدى التلاميذ، عندما لا يتمكن أولياؤهم من مجاراة الاحتفالات الفخمة، ويشعرون وكأن فرحتهم ناقصة، رغم اجتهادهم، مشيرة إلى أنه يجب ألا يكون النجاح محصورا على من نال معدلات مرتفعة، بل بإمكاننا أن نحتفي بكل من بذل جهدا، حتى لو لم ينجح في البكالوريا، كما دعت المدارس والأحياء إلى تنظيم حفلات رمزية جماعية، تشمل كل التلاميذ، بمن فيهم الراسبون، لتمكينهم من إعادة بناء ثقتهم بأنفسهم وعدم الشعور بالتهميش أو الإهمال الاجتماعي، ولغرس شعور الانتماء لديهم.

ونوهت ليلى أسعد إلى تسليط الضوء على الأشخاص الذين لم ينجحوا في البكالوريا لكنهم تفوقوا لاحقا، سواء في حياتهم المهنية أم الأكاديمية، وبحسبها تمنح مثل هذه المبادرات الأمل للراسبين، وتساعدهم على كسر الصورة السائدة التي تربط بين الرسوب والفشل النهائي في الحياة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!