هجومٌ مادي على معلم روحي
هناك بعض الناس، من حاملي السهام، من يظنون بأن سواعدهم قد اشتدت، ومن حقهم أن يرموا متى شاءوا وأينما شاءوا، كثيرا ما يخطئون أهدافهم، تماما كما حدث مع جامع الجزائر العاصمة العظيم، الذي نال من الهجوم ومن الانتقاد وكأنَّ الجزائر قد أنجزت معبد أمون، وليس صرحا إسلاميا يتماشى مع حضارتها وانتمائها لأمة الحق. ويكمن خطأ هؤلاء الرماة في كون غالبيتهم ربطوا انتقادهم بالفائدة المادية المرجوّة من هذا الجامع، وراحوا يعدّون الملايير التي التهمها وسيلتهمها هذا الجامع في كل سنة، ما بين صيانة واستهلاك للكهرباء والماء ومرتَّبات العاملين فيه، من دون أن يمنح للبلاد دينارا واحدا، وخلصوا إلى أن الجامع لن يضيف إلى الجزائر شيئا، وبالعكس سيثقل كاهلها. ومثل هذه الحسابات غير المنطقية ولا العلمية هي التي ضربت الفكر والثقافة وحتى الدين والتربية والتعليم في الجزائر في الصميم.
عندما تقول مؤسسة مثل سونلغاز إنها تسجِّل خسائر كبرى سنويا وهي التي تمتلك أكثر من أربعين مليون زبون يستهلكون ما تنتجه، وتقول وزارة الأشغال العمومية إن الجزائر أنفقت قرابة عشرين مليار دولار في إنجاز طريق سيّار لم يُدخل للخزينة نصف دينار إلى حد الآن، وتقوم وزارة الثقافة بإلغاء كل المهرجانات الدولية والعربية بحجَّة الخسائر التي أثقلت كاهلها من العملتين الصعبة والوطنية، وتعلن وزارة الشباب الرياضة عن خسائر بآلاف الملايير على لعبة كرة القدم العاجزة من ضخِّ لاعب واحد في مستوى المنتخب الجزائري، وتعلن شركاتٌ كبرى وأخرى صغرى إفلاسها… فإننا نتساءل كيف يريد هؤلاء لجامع مهمّته روحية وحضارية أن يتحوّل إلى شركة منتجة تُدخل الأموال للخزينة أو على الأقل لا تأخذ منها، بينما تعجز تظاهرات كبرى ومنشآت عظمى عن تفادي الإفلاس؟
يقول بعض الأتاتوركيين العلمانيين من الذين أخذوا من ماركس ماديته ومن آدم سميث انتظار الثمرة المادية من أي عمل، بأنَّ أيا صوفيا عندما كان متحفا كان يدرّ على الخزينة التركية قرابة مليار دولار سنويا، ولكنه الآن لن يمنح تركيا أكثر من “أذان وسجود وتسليم”، والحقيقة أن هذه الحسابات المادِّية غير موجودة حتى في ثقافة اليهود والمسيحيين والبوذيين والوثنيين، ولا ندري كيف عشّشت في عقول بعض المسلمين، الذين لا ينتقدون الشركات الصناعية والفلاحية والتجارية الكبرى التي لا تخلق مناصب العمل ولا تُنتج أي شيء وتتكئ على إعانات الدولة فقط، ويجدون الجرأة لانتقاد صرح علمي وروحي وتاريخي وحضاري وظيفته الأولى بناء الإنسان، ويتمنُّون لو استهلكت أموال إنجازه في تشغيل الشباب البطال أو بناء مساكن للمواطنين على حد زعمهم.
نعلم جميعا بأن مقام الشهيد أو دار الأوبرا في العاصمة وقاعة الزينيت في قسنطينة، وتظاهرات عاصمة الثقافة العربية والإسلامية ومختلف المهرجانات الدولية والملتقيات العلمية والفكرية وحتى أداء مختلف الجامعات العلمية والإسلامية، دون طموح الجزائريين، ولكن هذا لا يعني بأن نطالب بهدم هذه المسارح والدور وتحويلها إلى مساحات تجارية أو منشآت إنتاجية، فالإنسان لم يُخلق ليُنتِج، ثم يأكل وفقط، فوظيفته إنتاج القيم والتطعيم بها، وإذا ساء حال السلف فقد يستقيم حال الخلف.