-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هدايا رمضان لعباد الرّحمن

سلطان بركاني
  • 384
  • 0
هدايا رمضان لعباد الرّحمن

قلوبنا جميعا تتلهّف لاستقبال ضيف عزيز يفد علينا بعد أيام، وكلّنا أمل في أن يكون عونا لنا -بإذن الله- على إصلاح أحوالنا وتنظيم حياتنا وبدء صفحة جديدة من أعمارنا نعمرها بما يرضي مولانا الكريم عنّا، ونجاهد فيها أنفسنا ونزيح غشاوة القسوة عن قلوبنا وغمامة الغفلة عن أرواحنا.. قلوبنا قد طال عليها الأمد فقست وما عادت تتأثّر بالقرآن ولا بموت الأقارب والأقران، وأرواحنا قد أخلدت إلى الأرض واختنقت بهموم الدّنيا التي لا تنقطع عنها بليل ولا نهار!
لو كانت لقلوبنا وأرواحنا ألسنة لسمعنا لها صراخا وبكاءً ونحيبا بسبب اختناقها بالدنيا وضيقها بالهموم الأرضية الفانية.. ورمضان فرصة لنحيي قلوبنا وأرواحنا بالقرآن والصيام والصّدقات والقيام، ونسوق أنفسنا الأمّارة بالسّوء سوقا إلى الطريق الصحيح الذي يجب أن تسير عليه، طريق الجنّة.. أعين قلوبنا هذه الأيام ينبغي أن تتعلّق بالجنّة الفيحاء التي تفتّح أبوابها في أول ليلة من رمضان وتتزيّن لعباد الله المؤمنين المتّقين وحتى للمخطئين أمثالنا التائبين العائدين.. كان الحبيب المصطفى –صـلى الله عليه وسلم- كلّ عام، في الأيام الأخيرة من شهر شعبان، يبشّر أصحابه برمضان، فيقول: “قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها، فقد حرم” (الإمام أحمد والنسائي).. ما أروع أن نتذكّر أنّ أبواب الجنّة ستفتح ليلة الأربعاء أو ليلة الخميس القادمة وتتزيّن لنا! إنّها بيتنا الحقيقيّ الذي يذكّرنا به رمضان. إنّه مسكننا الأصليّ الذي يريد لنا الشّيطان ألا نعود إليه، وتريد لنا أنفسنا الأمارة بالسّوء أن نبدّله بدنيا فانية مليئة بالهموم والعموم!
رمضان فرصة العبد المؤمن ليعود إلى طريق الجنّة، ويطرق أبوابها.. لكنّ هذه الفرصة تحتاج لأن يَتعب العبد قليلا مع نفسه.. النّفس أمّارة بالسّوء ولا تحبّ التعب وتفرّ من كلّ عمل يقلّل وقت نومها ووقت راحتها ووقت لهوها ولعبها.. لذلك فالعبد في حاجة لأن يكون حازما مع نفسه، يقودها في البداية وهي كارهة جامحة، بل ربّما يقودها في بداية رمضان وهي تبكي، لكنّها مع الصّبر والإصرار ستلين وترضخ، ولو صدق العبد سيجد الراحة بعد أيام من رمضان يعيشها مع الصيام والقيام.
القلوب ينبغي أن تتعلّق –هذه الأيام- بالفرص العظيمة والهدايا الثمينة التي يحملها رمضان.. رمضان شهر مبارك، يحمل معه البركة في أرزاق العباد، وأغلب النّاس يجدون سعة في أرزاقهم في الشّهر الفضيل، وحتى المحرومون والفقراء تأتيهم من الإعانات ويطرق أبوابهم من الأعطيات والخيرات ما لا يرون مثله في باقي الأشهر.. هذه بركة، ولكنّ البركة الأعظم لرمضان، هي تلك الفرص الجزيلة التي يحملها لمن يريدون وجه الله والدّار الآخرة: فرصة التوبة الصادقة التي تكون بداية حياة جديدة سعيدة حميدة، إجابةً لدعوة المنادي الذي ينادي في أوّل ليلة من رمضان: “يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشرّ أقصر”.. التوبة واجبة ومطلوبة في كلّ وقت وبعد كلّ ذنب، وهي في رمضان أعظم وأقرب للقبول، وصاحبها إن كان صادقا يعان ويوفّق أكثر من أيّ وقت آخر.. فرصة صيام رمضان عن الحرام قبل الحلال طلبا لرضوان الله: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه”. فرصة قيام ليالي رمضان كلّها تقربا إلى الله: “من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه”، فرصة تحري ليلة القدر: “من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه”، فرصة العتق من النار: “لله عتقاء من النّار في كلّ يوم وليلة من رمضان”، فرصة الدعاء المستجاب: “لكلّ مسلم في كلّ يوم وليلة دعوة مستجابة”.
فأيّ فرص أعظم من هذه؟ ذنوب العمر كلّها تغفر وربّما تبدّل حسنات إذا كانت نية العبد صادقة.. الخطايا والسيئات التي تثقل ظهر العبد وتوهن قلبه وروحه عن السير إلى الله وتبعده عن طريق الجنّة، كلّها تغفر وتمحى. ويكتب للعبد جوار من النّار، ضمان بأن لا يدخل النّار. وفوق هذا وذاك: تفتح له أبواب السّماء ليدعو بما شاء من خيري الدّنيا والآخرة؛ كلّ دعواته التي تخرج من قلبه تجاب، منها ما يجاب في القريب، ومنها ما يؤخّر، ومنها ما يعوّض العبد بما هو خير منه.

رمضان فرصة لكلّ عبد مؤمن يشعر بأنّ عمره غير مبارك، مرّ سريعا من دون أن يحقّق فيه شيئا. يحسّ بأنّه قد أضاع عقودا وسنوات طويلة من عمره من دون فائدة؛ رمضان فرصة ليعيش العبد عمرا كاملا في طاعة الله، يتوّجُ صبيحةَ عيد الفطر ببشرى يجدها في قلبه وروحه. فإذا كان من يحيي ليلة القدر قائما ولكتاب الله تاليا، مستغفرا ولربّه داعيا راجيا، كمن يقوم ألف شهر، كيف بمن يحيي ليالي رمضان كلّها بطاعة الله؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!