الرأي

هدية الدجال الأعور للمصابين بعمى الألوان

حبيب راشدين
  • 6662
  • 10

إذا كانت التضحية ببرجين قد أنتجت حربين، وأخرجت من القمقم “عفاريت” الشيعة، فإن المؤمل من الفيلم المستفز للمسلمين، والتضحية بسفير أمريكي في بنغازي، قد يكون ثمنا بخسا تقبض ديته بتوطين قاعدة “أفر يكوم” بأرض المختار، واستكمال تحرير ”عفريت” السلفية للظفر بإحدى السوءتين: صراع طائفية مع مسيحيي المشرق، أو حرب مذهبية بين السنة والشيعة.

سفير أمريكي يعدم ويسحل، وسفارات أمريكية تحاصر بجموع من المحتجين على الفيلم الاستفزازي الذي أنتجه قس أمريكي، سبق له أن حرق المصحف الشريف، رفقة مجموعة من أقباط المهجر. حدث ذلك في الذكرى الحادية عشر لأحداث 11 سبتمبر، في الوقت الذي كان الأمريكيون يتلون فيه بخشوع قائمة ضحايا الأحداث عند “مستوى الصفر” ويتجاهلون مئات الآلاف من العرب والمسلمين الذين قتلتهم الحروب الانتقامية الأمريكية في العراق، وأفغانستان، ويقتلون اليوم في سورية، في فصل مكمل لحروب آل بوش، ومنشئ لحروب بينية بلا نهاية.

.

   سفاهة   من الغرب وتهافت من المسلمين

قد يكون من الواجب الإنساني الصرف إدانة قتل السفير الأمريكي وسحله، كما يدان قتل أي إنسان، كيفما كان عرقه، جنسه، أو ملته، كما يفترض على الآخر ألا يكتفي بإدانة وشجب عمل استفزازي حقير متواصل لمليار ونصف مليار مسلم، بحجة أن ما اقترفه القس يقع تحت حماية مبدأ حرية التعبير عن الرأي، فلا تزر وازرته الدولة الأمريكية.

التحليل الموضوعي للأحداث يفيد للوهلة الأولى، أنه لا الإدارة الأمريكية، المنشغلة بالانتخابات الرئاسية، ولا المحتجون في دول الربيع العربي، كانوا يرغبون في حصول ما حصل، لأن الأحداث نسفت ما كانت إدارة أوباما قد سوقته للشارع الأمريكي والمسلم، بشأن دعمها لخيار الديمقراطية، المعول عليه للقضاء كما يزعمون على التطرف، ولا شك أن صدور الفيلم الاستفزازي المسيء للرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يكن ليساهم في تحسين صورة الأمريكيين عند المسلمين، وقد يكون هو القاتل الفعلي للسفير الأمريكي، حتى وإن كان الحادث يبقى محاطا بالكثير من الملابسات، وبمناطق رمادية كثيرة.

ومن جهتها، لم تكن -لا حكومات الربيع العربي، ولا الجموع التي حاصرت السفارات الأمريكية- بحاجة إلى ما يجعلها تدخل في مواجهة مع الإدارة الأمريكية، التي كانت سندها الأول في الإطاحة بالأنظمة ثم تفكيكها.

.

“الإساءات التي تصدر عن الغرب، ليست محض تجاوزات من أفراد لا تقوى الحكومات على كبح جماحهم، بل هي من صميم سلوك الدول الغربية تجاه العالمين العربي والإسلامي، وهي جزء من الحرب المفتوحة المستديمة”

تحصين شتيمة الأديان بحرية التعبير

هذا ما يستشف بالمنطق الصرف، لو أن سلوك الدول والشعوب كان يخضع للمنطق، وليس الأمر كذلك بالمطلق.

فقد كان بوسع الإدارة الأمريكية، وهي تظهر الحرص على تحسين علاقاتها مع العالمين العربي والإسلامي، أن تمنع بكل يسر مثل هذه الأعمال الاستفزازية المسيئة لمعتقدات الشعوب، وهي التي تعاقب ما هو أهون من ذلك، حتى أنها جرمت كل إساءة قد تصيب جموع المثليين، وتقمع كل مظاهر الإساءة بالتمييز للمرأة، ونجحت إلى حد ما في محاربة الفكر العنصري تجاه الأقليات الملونة، واستطاعت أن تقمع حرية التعبير بكل صرامة، حين يتعلق الأمر باقتراف أدنى إساءة لليهود، بل حيال أي موقف ناقد للصهيونية ولدولتها الاستعمارية العنصرية في فلسطين المحتلة، ولم يعوقها الدستور الأمريكي -كما تحتج به اليوم- وهي تغض الطرف عن الأعمال العنصرية التي يواجهها العرب والمسلمون من مواطنيها، وعن الإساءات المتكررة في الإعلام، وفي ما ينشر في الكتب، وما يسوق بكثافة في الأعمال السينمائية الرسمية لهوليود.

.

من يسحل قساوسة “نايل سات”؟

على الطرف الآخر، قد ينشأ بعض الشك عند المسلم العادي حيال صدق المشاعر التي حركت الجموع في بنغازي ضد السفير الأمريكي، وبعضهم كان قبل شهور قليلة يشيد بالدور الخارق الذي لعبه السفير الأمريكي في الفتك بالنظام السابق، وقد مكنهم من قبل من قتل وسحل جثة الرئيس الليبي السابق، وكانت السفارة الأمريكية آمنة في القاهرة وصنعاء، حين كان يعول على الدور الأمريكي في لجم المؤسسة العسكرية، وحملها على الوقوف على الحياد في الحد الأدنى، بل كنا نشاهد العلم الأمريكي وهو يرفع في ميادين التحرير.

ربما يكون قد غاب عن المحتجين في مصر، أن ما تبثه على مدار الساعة بعض القنوات القبطية من سموم وإهانات ضد الإسلام، وفي حق الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي حق أمهات المسلمين، وكبار الصحابة، يفوق بكثير ما فعلته مجموعة أقباط المهجر، ولم نسمع أن إدارة “نايل سات” قد منعت بث هذه القنوات، كما لم تمنع كثيرا من القنوات الشيعية التي تسب الصحابة وأزواج الرسول على مدار الساعة، لكن حكومة الإخوان لم تتردد ساعة واحدة في إغلاق القنوات السورية الحكومية والخاصة.

.

التكتيكي والاستراتيجي في استفزاز المسلمين

وكما نرى، فإن ما نعتقد معرفته من المواقف، يحجب عنا عادة رؤية ما ينبغي أن نراه كما يقول عالم اللسانيات غاستون باشلار. فلا الإدارة الأمريكية كانت صادقة في ما ادعته من رغبة معلنة في تحسين العلاقات مع العرب والمسلمين، ولا بعض هذه الطائفة المحتجة يكون صادقا كل الصدق في الدفاع عن رسول الرحمة، وهي التي طالبت من قبل بتدخل قوات النيتو المشركة، لكي تستبيح أرض المسلمين، ورضيت من قبل باستباحة دماء وأعراض العراقيين، ولا نراها تطوق السفارة الإسرائيلية، تطالب بطرد السفير الصهيوني، الذي تمارس دولته يوميا أعظم استفزاز وإهانة للمسلمين، بتدنيس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

وسط هذا التكاذب بالجملة، ينبغي البحث عن المواقف الحقيقية عند الطرفين، لنكتشف أن الإساءات التي تصدر عن الأفراد والمؤسسات قي المجتمعات الغربية، ليست محض تجاوزات لأفراد أو مجموعات متعصبة، لا تقوى الحكومات على كبح جماحها، بل هي من صميم سلوك الدول الغربية تجاه العالمين العربي والإسلامي، وهي جزء من الحرب المفتوحة المستديمة، تبعاتها السلبية على مصالحهم محسوبة، متوقعة، وأحيانا مرجوة، لأنها تخدم مصالح استراتيجية أكبر، وقد كان بوسع هذه الدول أن تجرم الأفعال المسيئة للأديان كما جرمت الأعمال والسلوكات المعادية لليهود، بل جرمت ما هو من صميم حرية التعبير والتفكير، حين تعلق الأمر بالتشكيك في الهولوكوست، أو انتقاد الكيان الصهيوني.

.

مروحة “دايات” بنغازي

وحيث أن الحكومات الغربية لا تحرك ساكنا لوقف مثل هذه الاستفزازات، فلا بد أنها تخدم مصالح لها أعظم من المصالح التي قد تفقدها من هيجان شقشقة الشارع المسلم التي تهدر ثم ترد كالعادة. ويأتي على رأس هذه المصالح الاستراتيجية الإبقاء على الشارع العربي والمسلم في هيجان دائم، غير مستقر، مستفز، منقاد للعواطف، قابل لتتسلل إليه الأفكار المتطرفة، وركوب الجماعات المخترقة استخباراتيا للحراك، وقيادته إلى حيث يراد له أن ينقاد.

ردة فعل الإدارة الأمريكية على حادث مقتل وسحل السفير الأمريكي في بنغازي مثيرة للاهتمام والتدقيق. فقد جاءت تصريحات وزيرة الخارجية ثم الرئيس أوباما، وقد مزج فيها السم بالعسل، فكان أكثرها تعقلا: الإعلان بأن مقتل السفير لن يؤثر على العلاقات مع الدولة الليبية، ولا على تأييد الولايات المتحدة للثورات التي قامت في هذه الدول، وأكثرها كيدا: إرسال بارجتين إلى السواحل الليبية مع فريق من المارينز، بحجة حماية السفارة، في إجراء قد يكون غطاء لإرسال قوات برية أمريكية وأوروبية، مشفوعة بطلب ليبي لمساعدة الحكومة الليبية في مكافحة المجموعات المسلحة، وتجريد ثوار النيتو من الأسلحة بعد أن انتهت المهمة والوظيفة، أو للتغطية على ما بات معلوما، بشأن بداية بناء قاعدة أمريكية ضخمة في ليبيا، وربما توطين “أفريكوم” في ليبيا لإدارة الفوضى التي زرعتها الولايات المتحدة في ربوع الصحراء الكبرى والساحل.

.

“الاستفزاز الغربي للمسلم خيار استراتيجي للإبقاء عليه في حال هيجان دائم، غير مستقر، مستفز، منقاد للعواطف، قابل لتتسلل إليه الأفكار المتطرفة، وركوب الجماعات المخترقة استخباراتيا لحراكه، وقيادته إلى حيث يراد له أن ينقاد”

شرك للأقباط وآخر لسلفية السنة

وحتى لا أتهم مجددا بالعمل بذهنية المؤامرة، فإني أدعو القارئ إلى التفكير في الخبر الذي نشرته الوكالات عن الشركات الصهيونية والقطرية التي مولت الفيلم، وطرح أسئلة حول دواعي سفر السفير الأمريكي إلى بنغازي، الساقطة منذ شهور تحت سيطرة مجموعة “أنصار الشريعة” وتنقله من دون حراسة تذكر.

أما الخبر الثالث فله صلة بالتراخي الذي أظهرته السلطات الأمنية في مصر، مع العلم المسبق بنية مجموعات من المحتجين التوجه إلى السفارة، فلم توجه ما يكفي من قوات الأمن حتى حصل ما حصل، ووثق بالصورة والصوت، علما أن الحكومة المصرية، التي كانت تستعد لاستقبال وفد كبير من رجال الأعمال الأمريكيين، لم تكن لتتراخى في حماية السفارة الأمريكية، لولا أن واحدة من “الحناجر العميقة” كانت قد أوحت لها بما أوحت، حتى يحصل ما حصل.

الوجه الرابع من الحدث، له صلة بسر إشراك أقباط مصر مع هذا القس اللعين في الإساءة والاستفزاز، لأن المتوقع منه إنما هو إنتاج حالة من الغضب الشعبي المصري ضد أقباط مصر، بعد أن فشلت محاولات سابقة في عهد النظام السابق، كما بعد سقوطه، في إشعال جذوة الصراع الطائفي في مصر، ووضع النظام الجديد تحت تهديد مزدوج بالتدخل الناعم أو الصلب، إما تحت غطاء حماية الأقلية المسيحية، أو بحجة محاربة الجماعات المتطرفة، التي زرعت منذ سنين في سيناء، ويراد لها أن تندفع خارج سيناء.

.

توليد قيصري لـ عفريتالسلفية

غير أن المتابعة اللصيقة للسياسات والمواقف الأمريكية في المنطقة، سوف تقود إلى اكتشاف الفكرة القائدة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة، والمتمثلة في فسح مجال للفكر السلفي وتياراته المتعددة، لأداء دور قيادي في الشارع العربي، تدار به لعبة مزدوجة في غاية الخطورة.

الأولى: يضغط بها على حكومات الربيع العربي، كما كان يضغط بالإخوان والإسلام السياسي على النظم الساقطة، والثانية: وهي الأخطر، التمكين لتياراته من قيادة الشارع العربي المسلم السني المعتدل نحو المواجهة الطائفية مع مسيحيي الشرق، والمذهبية مع الشيعة، فالقوى التي تغضب اليوم على إساءة القس الأمريكي وشركائه من الأقباط، وتحرك على هذا النحو الفوضوي، سوف تحرك بسهولة لجهة التصدي للإساءات التي تصدر بالجملة من القنوات الدينية الشيعية، التي زرع أكثرها بعلم وتشجيع من المحتل الأمريكي للعراق.

.

تجديد العقيدة للقاعدة الجديدة

لأجل ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية، التي سمحت بتدبير تفجير برجي التجارة العالمية، وقتل ثلاثة آلاف من مواطنيها، ودبرت من قبل قتل رعاياها في حادث إغراق الألمان لسفينة ركاب، بررت تدخل الولايات المتحدة في الحرب، ودبرت حادث كوشنشن لتبرير الحرب على فيتنام، وقبلها كانت وراء حوادث كثيرة، قتلت فيها مواطنيها، أو دبرت أعمالا ضد مصالحها، لتبرر الحرب كما حصل في الحرب على المكسيك، إن الولايات المتحدة لا تتردد في التضحية بسفير لها، أرسلته طواعية إلى الموت المحتوم ببنغازي، لقضاء حاجة في نفس يعاقبة البيت الأبيض ومؤسسة الحكم، وأنها لن تتردد في تكرار الجريمة، إذا كانت تساعد على تحقيق الهدف الاستراتيجي، بإشاعة الفوضى المطلقة في العالمين العربي والإسلامي، ونقل الصراع إلى الساحة الطائفية والمذهبية الذي يعفيها مؤونة وكلفة الحرب على إيران، كما يريد الكيان الصهيوني، أو مواجهة الطوفان السلفي القادم، الذي تعمل الحرب في سورية على إخراج “عفاريته” من القمقم، بعد أن فشل توليده في العراق، خاصة وأنها قد وجدت في أيمن الظواهري، القائد المرجو لـ “قاعدة جديدة” يتم منذ استشهاد الشيخ أسامة بن لادن تغيير عقيدتها القتالية، وقواعد الاشتباك عند المجموعات المنتسبة إليها، من حركة كانت تنادي بإخراج المشركين من جزيرة العرب، إلى “قاعدة” تعمل على إخراج المسلمين من أرخبيل العروبة، وإن أمكن إخراجهم من دائرة الملة، وحملهم على تكفير السنة بعد الشيعة.

مقالات ذات صلة