هذا ما استطاع ماكرون تقديمه للجزائر في عيد استقلالها!
أكثر ما استطاعت أن تقدمه “فرنسا ماكرون”، للجزائر بمناسبة الذكرى الـ 55 لعيد الاستقلال، مجرد تذكار يخلد أرواح ستة من الجزائريين قضوا برصاص الشرطة الفرنسية في مظاهرات جرت بباريس في 14 جويلية 1953.
التذكار تم تدشينه يوم الخميس المنصرم، بـ “ساحة الأمة” في قلب العاصمة الفرنسية، من قبل نائب رئيس بلدية باريس المكلف بشؤون الذاكرة، كاترين فيو شاريي. وسقط هؤلاء الشهداء بينما كانوا طرفا في المظاهرات التي اعتاد أنصار حركة انتصار الحريات الديمقراطية (حزب الشعب)، تنظيمها بباريس منذ العام 1953، حسب المؤرخين الفرنسيين.
هذا كل ما حصدته الجزائر في عيد استقلالها في عهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حتى الآن، وهو الذي قال ذات فيفري من العام الجاري من الجزائر العاصمة، بينما كان بصدد التحضير لحملته الانتخابية للرئاسيات الفرنسية، إن “الاستعمار الفرنسي جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية”.
وجاءت هذه “الالتفاتة” الفرنسية “البسيطة” والتي لا تعد الأولى من نوعها على هذا الصعيد، بعد يوم واحد فقط من الرسالة التي وجهها الرئيس بوتفليقة لنظيره الفرنسي، مذكرا إياه بالوعد الذي قطعه على نفسه عندما كان مرشحا للانتخابات الرئاسية الفرنسية، فهل هي رسالة من ماكرون على أن هذه “الالتفاتة” هي أقصى ما سمحت به التوازنات داخل الدولة الفرنسية العميقة؟
وكان بوتفليقة قد طالب في رسالة وجهها للجزائريين بمناسبة عيد استقلالهم، باعتراف باريس بما وصفها “المآسي” التي سببها الاحتلال الفرنسي للجزائر والجزائريين عل مدار 132 سنة، واعتبر هذا المطلب حقا من حقوق الجزائريين ومظهرا من مظاهر “الحفاظ على الذاكرة”، مشددا على أن هذا المطلب لا يدعو إلى “البغضاء والكراهية”، بل يزيد الشراكة القائمة بين البلدين “صفاء وتوثبا”، كما قال.
واللافت في الأمر هو أن الحادثة المعنية بالتخليد ليست من أحداث الثورة، بل تعود إلى ما قبلها، كما أن الشهداء الذين سقطوا فيها، ليسوا من جبهة التحرير التي قادت الحرب ضد الاحتلال الفرنسي، بل من أبناء النسخة الثانية من حزب الشعب (حركة الانتصار)، الذي كان يرأسه الراحل مصالي الحاج..
وتكشف المعطيات المسربة أن الساسة في باريس وبالاستعانة بالمؤرخين الفرنسيين، اجتهدوا في البحث عن حادثة ما، ترمز للجزائر في عهد الثورة التحريرية، فوجدوا أن جميع الأحداث التي وقعت أثناء الثورة على التراب الفرنسي تم تخليدها بشكل أو بآخر، مثل أحداث نهر السين بباريس، التي وقعت في 17 أكتوبر 1961، وقضى فيها المئات من الجزائريين غرقا بعد تكبيلهم ورميهم من قبل شرطة موريس بابون وغيرها.. فما كان عليهم سوى إرسال إشارة للطرف الجزائري تتعلق بالذاكرة، في موعد ذكرى تاريخية ليس كغيرها.
وبات واضحا أن ماكرون، هذا السياسي الشاب، لم يكن يدرك حجم التعقيدات التي تطبع العلاقات الجزائرية الفرنسية، عندما أطلق ذلك التصريح غير المسبوق عن الاحتلال الفرنسي للجزائر، فها هو قد عجز ـ حتى الآن على الأقل ـ عن تجسيد ما وعد به، واكتفى بالتوقّف عند الخطوط التي رسمت لسابقيه هولاند وساركوزي، اللهم إلا إذا كان استهدف من وراء تصريحه المثير هذا، استمالة الجالية الجزائرية لربح أصواتها، وهذا ما كانت قد حذرته منه أطراف سياسية في حينها.