هذا ما ستربحه الجزائر من إلغاء الصين للرسوم الجمركية
الإعفاء الجمركي سيمنح الحديد الجزائري تفوقًا سعريًّا فوريًّا بـ20 بالمائة
السوق الصيني يمنح الجزائر ورقة سيادية في التعامل مع الشركاء الأوروبيين
قال خبير الشحن البحري وسلاسل التوريد نصر الدين بوغاشيش إن قرار السلطات الصينية بتصفير الرسوم الجمركية مع الدول الإفريقية، ومن بينها الجزائر، يمثل تحولا جوهريا في طبيعة الشراكة القادمة بين الجزائر وبكين، وهو ما يعني ببساطة انتقال الجزائر من مرتبة “زبون مستهلك” للسلع الصينية إلى “شريك صناعي” هام ومورد استراتيجي.
وكما هو معلوم، فقد أعلن الرئيس الصيني شي جينبينغ، السبت الماضي، أن إلغاء الرسوم الجمركية على الواردات من جميع الدول الإفريقية سيبدأ اعتبارا من الفاتح من ماي المقبل، معتبراً أن الإجراء سيوفر فرصاً جديدة للتنمية في القارة السمراء، حيث سيطبق القرار على جميع الدول الإفريقية باستثناء إسواتيني.
في هذا السياق، أوضح الخبير بوغاشيش في تصريح لـ”الشروق” أن الصين اليوم في حاجة إلى موارد أولية ضخمة وهي في حرب طاحنة حولها مع الولايات المتحدة الأمريكية، مشددا على أن بكين في استراتيجيتها لا تطلب المواد الخام فحسب، بل تفتح كل الأبواب عبر الإعفاءات المعلنة، مضيفا أن الرسالة واضحة حول التشجيع على تحويل الموارد محليا وبيعها إلى الصين كمنتج نهائي من دون ضرائب.
وأشار بوغاشيش إلى أن القرار الصيني سيسمح للجزائر بالاستفادة في ثلاثة قطاعات حيوية محتملة، أولها قطاع المناجم والصلب، خصوصا مع دخول منجم غار اجبيلات ومركبات الصلب مرحلة الإنتاج، لافتا إلى أن الإعفاء الجمركي سيمنح الحديد والصلب الجزائري تفوقا سعريا فوريا بنسبة تصل إلى 20 بالمائة مقارنة بالمنافسين الدوليين، مشيرا أن إنتاج الصلب الجزائري يعتبر من النوع “الأخضر” ويلبي المعايير البيئية الصارمة لاعتماده على الغاز الطبيعي في الإنتاج، وذلك على مستوى مركبي الجزائرية القطرية للصلب ببلارة جيجل وتوسيالي بوهران.
وبالنسبة للأسمدة والفوسفات، شدد بوغاشيش على أن مشروع الفوسفات المدمج بتبسة سيكون طريقه مفتوحا لتغطية الاحتياجات الزراعية الصينية الهائلة، مما يجعل الجزائر لاعبا أساسيا في الأمن الغذائي لثاني أكبر اقتصاد في العالم.
أما بالنسبة لفائض الإسمنت ومواد البناء، فقد أوضح الخبير أن القرار سيسمح بتوجيه الإنتاج الفائض نحو مشاريع البناء الصينية في آسيا، محولا إياه إلى مصدر دائم للعملة الصعبة خارج المحروقات.
ولفت بوغاشيش إلى عناصر قوة أخرى تزخر بها الجزائر، مثل “الذهب الأخضر” أي التمور وزيت الزيتون كمنتجات فاخرة لها مكانها في السوق الصينية الضخمة، مؤكدا أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر ستتمكن لأول مرة من دخول هذه السوق الكبيرة، حيث سيمثل إلغاء الرسوم فرصة للانتقال من بيع المنتجات بالجملة إلى تسويق علامات تجارية فاخرة تستهدف الطبقة المتوسطة الصينية المتنامية.
وأكد بوغاشيش أن التحدي الحقيقي الذي يجب رفعه جزائريا يكمن في سلاسل الإمداد (اللوجستيك) وجودة “صُنع في الجزائر”، مشددا على أن نصف المعركة هو إلغاء الرسوم، بينما النصف الآخر يبقى في التحدي الجاد المتعلق بكلفة النقل ومطابقة المعايير الصينية الصارمة في الجودة والمطابقة.
وشدد الخبير على أن نجاح الجزائر في استغلال هذا القرار من الناحية الإستراتيجية يتطلب الاستمرار في تحديث الموانئ التجارية الوطنية وتسريعها، مع رفع كفاءة شبكات السكك الحديدية، موضحا أن غياب الرسوم الجمركية لن ينفع إذا كانت كلفة نقل الحاوية من الجزائر إلى الصين تلتهم الأرباح.
وعرج بوغاشيش على البعد الجيوسياسي للقرار، مبينا أن السوق الصيني المفتوح يمنح الجزائر ورقة ضغط سيادية، ويتيح قوة أكبر في التعامل مع الشركاء التقليديين الأوروبيين، مضيفا أن هذا يرسخ مفهوم “أمن متبادل”، حيث الطاقة والموارد مقابل التكنولوجيا والوصول إلى الأسواق.
وخلص محدثنا إلى أن القرار الصيني يمثل “شهادة ميلاد” للمصدّر الجزائري الجديد إذا تم استغلال الفرصة بشكل صحيح، مبينا أنه ابتداء من 2026، لن يكون مشروع “طريق الحرير” مجرد قناة لعبور السلع الصينية نحو الجزائر، بل سيصبح جسرا تعبر عليه المنتجات الجزائرية نحو قلب القارة الآسيوية، معلنا عن ولادة حقيقية لمرحلة “ما بعد البترول”.