-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
أكاديميون يشخّصون النقائص والتحديات ويؤكدون لـ"الشروق":

هذه أولويات قطاعيْ التربية والتعليم العالي على أجندة مرشحي الرئاسة

صالح سعودي
  • 2340
  • 0
هذه أولويات قطاعيْ التربية والتعليم العالي على أجندة مرشحي الرئاسة
أرشيف

يترقب الوسط التربوي والجامعي مقترحات ميدانية هامة من طرف المرشحين الثلاثة لرئاسيات السابع من سبتمبر المقبل، خاصة في ظل التحديات والرهانات التي تنتظر قطاعين حسّاسين يصبّان أساسا في تكوين الفرد تربويا ومعرفيا، ما يجعلهما في حاجة للاهتمام اللازم، مع ضرورة وضع مجموعة من الأولويات في برامج مرشحي الرئاسيات لإصلاح وترقية المنظومة التربوية والجامعية، وفق مقاربات وإجراءات تصب في هذا الجانب.
يجمع الكثير من المتتبعين بأن قطاع التربية وقطاع التعليم العالي يكتسبان أهمية كبيرة، ما يتطلب حسبهم ضرورة منحهما القيمة اللازمة في برامج المرشحين الثلاثة لانتخابات السابع سبتمبر المقبل، خاصة في ظل الآمال المعلقة لتحسين الوضع وفق تصورات وخطوات نوعية يأمل الكثير في تجسيدها مباشرة بعد الانتخاب من الرئيس الجديد للجزائر، وهذا بالشكل الذي يسمح بمنح إضافة نوعية للتعليم العام والتعليم العالي، وبالمرة أخذ العبرة من النقائص المسجلة بغية تداركها، ومواكبة التحديات التي تعرفها الجزائر في عالم أصبح يعيش على وقع الرقمنة والخطوات المتسارعة التي ساهمت فيها وسائل الاتصال والتواصل مختلف التكنولوجيات الحديثة التي صنعت الفارق بين الدول المتقدمة المنتجة والدول التي تعاني التخلف والتبعية.

مشاكل كبيرة ترهق قطاع التربية
ويجمع الكثير من العارفين بقطاع التربية بأنه يعاني متاعب بالجملة تثقل كاهله، ما يتطلب إجراءات وتدابير فعالة تساهم في تحسين وضعيته. وفي هذا الجانب يؤكد الأستاذ عيسى بلخباط، في حديثه لـ”الشروق” بأنه مع انطلاق الحملة الانتخابية للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها يوم 7 سبتمبر 2024 يسعى كل مرشح من المرشحين الثلاثة إلى استمالة الناخبين من كافة الشرائح عبر برامج تتضمن حلولا أو تصورات تمس مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والثقافية، إلا أنه حسب محدثنا “ما يمكن ملاحظته منذ أزيد من أسبوع عدم التركيز على إبراز تصور متكامل لدى المرشحين لإصلاح قطاع التربية وتطوير المدرسة الجزائرية بما يتماشى مع متطلبات العصر من جهة وتعزيز القيم الوطنية لدى أجيال المستقبل”.
وقال عيسى بلخباط بأن من بين الجوانب التي تستدعي الإصلاح في هذا المجال هي إصلاح المناهج وتطويرها لضمان استجابتها للعصر بإشراك الكفاءات الوطنية من مختلف الميادين مع حسن الاستفادة من التجارب العالمية الرائدة في هذا المجال، وهذا شريطة تكييفها مع خصوصيتنا الثقافية والجغرافية. إضافة إلى توفير هياكل تربوية بهدف القضاء على الاكتظاظ الذي تشهده مؤسساتنا التربوية وضمان تحصيل معرفي يكون في مستوى التطلعات. فضلا عن التعجيل بإصدار قانون أساسي شامل وعادل طال انتظاره من موظفي القطاع، زيادة على انشغالات كثيرة طالما أثيرت من قبل نقابات القطاع.
وفي السياق ذاته، عدّد الدكتور إبراهيم بوزيد الأولويات في تحسين نوعية وجودة التعليم العالي، من خلال تحسين ظروف التكوين والحياة الطلابية، مع فتح المجال للأستاذ لتلقي تكوين مستمر حيث يستفيد هو الآخر من تجارب الدول والجامعات العريقة من خلال تربصات دورية بالخارج، فضلا عن تحسين المستوى المعيشي له وتوفير كل ما يشعره بالاستقرار ويحفزه على الإبداع.
وأشار كذلك إلى تفعيل دور النخبة وتثمين اقتراحاتها في كل المجالات، حيث تصبح تشعر وترى كل مقترحاتها تجسد في إطار مسؤوليتها تجاه وطنها ودولتها وهو ما يضمن مشاركتها في التنمية الشاملة، حيث تخدم وتبني الفرد الجزائري وفق مقاربة سوسيو ثقافية تخدم وتحافظ على طبيعة المجتمع وخصوصياته بما يتواكب مع متطلبات العصر.
أما الدكتور نوري خذري، فقد ركز في حديثه مع “الشروق” على ضرورة تقليص عدد التلاميذ في القسم بمعدل 15 تلميذا على الأكثر؛ والحرص على تسطير البرامج بعد الاستقراء والاستبانة، مع ضرورة صياغة مقررات تربوية تبني الإنسان، والتوسيع من صلاحيات الأستاذ حتى تكون عنده الهيبة، وتوحيد اللباس وسط المتمدرسين، مشددا على أهمية استحداث طبيب نفساني في مؤسسات التعليم حتى يتسنى ضمان المتابعة النفسية للتلاميذ.

بين تشجيع البحث العلمي وتفادي الإرهاق الإداري
من جانب آخر، تأمل أسرة التعليم العالي في تجسيد وعود نوعية خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة، حيث يؤكد البروفيسور ميلود مراد من جامعة باتنة بأنه على الوافد الجديد على قصر المرادية خلق بيئة مشجعة للبحث العلمي والاهتمام بالعنصر الأساسي فيها وهو المكون “الأستاذ الجامعي وطالب دكتوراه” وعدم إرهاقهم بالإجراءات الإدارية، مضيفا أن التعليم عامة والتعليم العالي خاصة هو الركيزة الأساسية لوضع خطط واستراتيجيات التنمية بكل مناحيها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في أي بلد متطور من العالم، كما يعتبر التعليم العالي المحرك الرئيسي لتقدم الأمم وازدهارها.
ويضيف الدكتور ميلود مراد في سياق حديثه لـ”الشروق” أنه على الرغم من أن الجزائر تمتلك ما يقارب 100 مؤسسة جامعية تسهر على تقديم تكوين كمي لطلبة غير أن هذا التكوين يفتقد إلى النوعية في كثير من الأحيان، إذ أن النظام يعتمد على التلقين والتراكم المعرفي، بمعنى أن الطلبة يتلقون العلوم من الأساتذة طوال المراحل الجامعية وفقط. مع العلم أنه مع الثورة الهائلة في مجال تكنولوجيا الإعلام والاتصال أصبح من السهل الوصول لأي معلومة بضغطة زر في خلال وقت لا يتعدى ثوان محدودة. كما أن نظام التعليم العالي لا يزال يعتبر الطالب وعاء لا غير”.
وأوضح الدكتور ميلود مراد بأنه إذا أردنا توصيفا لقطاع التعليم العالي بالجزائر فهو التركيز الكبير على الإنجازات اللحظية من خلال نجاح الطلبة في الاختبارات الجامعية وفقط ، مشيرا إلى أن هذا النمط أثبت فشله في عملية تقويم مكتسبات الطالب، خاصة في ظل إهمال التقويم المستمر الذي أصبح ناجعا حسب قوله في كثير من الدول المتطورة.
كما يعيب محدثنا على قطاع التعليم العالي قصور الربط الحقيقي والناجع للجامعة الجزائرية بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي، من خلال تثمين نتائج البحث العملي والملتقيات والندوات العلمية لجعل الجامعة قاطرة حقيقية للاقتصاد الوطني.
وأهم خلل يشوه قطاع التعليم العالي بالجزائر، حسب الدكتور ميلود مراد، هو عدم الاهتمام بالعنصر البشري المكون والمتكون، الجوانب اللوجستية والمعنوية المشجعة على العطاء في البحث العلمي، والبيئة المحفزة والمشجعة التي تجعل الباحث ينتج ويرى ثمار جهده في الميدان لا الرفوف، أي الجهد المثمن ماديا ومعنويا، ليخلص إلى القول بأن قطاع التعليم العالي ينتظر من الوافد الجديد على قصر المرادية الاهتمام بالعنصر البشري المكون ليس ماديا بقدر ما يكون لوجستيا، وترك مجالات واسعة لهم من أجل العطاء الفكري وتثمين بحوثهم على أرض الواقع وعدم إرهاقهم بالإجراءات الإدارية.

الجامعة بين التغيير ورهان المستقبل..
ولم يتوان الدكتور وليد بوعديلة من جامعة سكيكدة في القيام بتشريح عام لقطاع التعليم العالي حتى يضع جميع الأطراف المعنية في الصورة في عز الحملة الانتخابية، مطالبا بتقديم رؤية دقيقة وبديلة عن منح التكوين قصيرة المدى، خاصة أنها حسب محدثنا قد خرجت غالبا عن أهدافها بسبب عدم وجود الرقابة الفعلية، وبسبب تطور الرقمنة وتوفر المصادر والمراجع البحثية إلكترونيا، مقترحا تقديم منح التكوين والتواصل الداخلي بين الباحثين وإطارات المؤسسات وجامعات الوطن، أي يتجه الأستاذ أو طالب الدكتوراه من جامعة عنابة إلى جامعة وهران، ومن باتنة إلى تلمسان، ومن ورقلة إلى بلعباس، من تمنراست إلى العاصمة وهكذا، ما يسمح بتحقيق بعض الأهداف، كضمان تواصل الباحثين في التخصص الواحد، والاطلاع على أعمال المخابر ومنتجاتها، والمشاركة في الملتقيات والندوات الوطنية، والاطلاع على المخطوطات في تخصص الآثار والتاريخي والأرشيف والتوثيق، وكذلك الاطلاع على التجارب والطرق في التكوين والبيداغوجية والبحث”.
كما طالب الأستاذ بوعديلة بضرورة الاهتمام أكثر بنشر اللغة العربية، والحرص على الترجمة إليها، وتشجيع الباحثين على تقديم أعمال علمية بها، وعلى الدولة أن تكرم الطلبة المبدعين في الفنون بالعربية، وتقديم الأطروحات بها، فمن غير المعقول أن نتجه نحو الإنجليزية وننسى العربية.. تدريسا وكتابة ومجلات وغيرها. مضيفا بالقول: “أتمنى أن يبادر أهل الحقوق والعلوم السياسية بإضافة مادة اللغة العربية للبرنامج، في الليسانس والماستر والدكتوراه، ونحن نعلم أهميتها ودورها في فهم القوانين وصناعة شخصية المحامي والقاضي وكل فاعل في ميدان القانون والإدارة والعلوم السياسية”.
كما ثمن المتحدث الاستمرار في عمليات تكوين الناجحين في مسابقات الدكتوراه، عبر تدريسهم الفلسفة والتعليمية والانجليزية، لكن يمكن إضافة مادة المواطنة إلى جانب الفلسفة، أي مادة “فلسفة ومواطنة”، لتقديم أفكار وممارسات المبادرة والتطوع والدفاع عن الوطن، وغرس قيم الوطنية والمواطنة عند كل الباحثين… كما أعطى محدثنا أهمية لتطوير وترقية المجلات الجزائرية، وهذا يتطلب حسب رأيه دعما ماليا وماديا للمسؤولين عليها وللخبراء الذين يتابعون المقالات، حيث قال في هذا الجانب “شخصيا عملت محكما وعضوا للتحرير بصفة المتطوع، ولذلك يجب تثمين المهام، ووضع منح لرؤساء التحرير وأعضاء هيئة التحرير وللخبراء المحكمين، لكي لا تتعطل عملية التقييم والنشر، ولكي تواصل المجلات تألقها وإبداعها..”.
فيما يبارك ويشجع مجهودات الوزارة في الرقمنة والمقاولاتية والمؤسسات الناشئة والابتكار والاختراع والرياضة الجامعية والنشاط الثقافي.. وغيرها من الأفكار والمشاريع التي منحت الجامعة حيوية وربطتها بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي.
بالمقابل، طالب بفتح النقاش حول أخلاقيات الحرم الجامعي، وتقديم الحلول والمبادرات والتشريعات لتجاوز بعض الآفات الاجتماعية التي دخلت للحرم، وهذا بمساهمة كل الأسرة الجامعية. مثلما سلط الضوء على العمل الليلي في الجامعات، متمنيا التراجع عن هذه الفكرة، لأنها حسب قوله قد لاقت رفضا من الأسرة الجامعية، ولم تحقق أهدافها، في ظل صعوبات مرتبطة بالمؤسسات والمحيط الاجتماعي، متسائلا بالقول “هل من المنطق أن تتم مناقشات أطروحات دكتوراه في غياب الطلبة أو في وقت ليلي، ثم يعود المناقشون إلى منازلهم ويدخلونها بعد منتصف الليل، كما وقع لزملاء ناقشوا بعنابة وعادوا إلى سكيكدة… وقد يقول القائل لماذا لا توفر الجامعات الإقامة في الفنادق، نرد هذا: سيضيف أعباء مالية كبيرة على الخزينة، ويمكن تجاوز الأشكال ببرمجة صباحية للمناقشة للمدن المتقاربة في المسافة، وتخصيص الإقامة للمدن البعيدة مثلا. والتي تكون متعبة في السفر”.
ومن جهته، يذهب البروفيسور نور الصباح عكنوش من جامعة بسكرة في تشريحه لوضع التعليم العالي إلى القول بأن الأولويات يجب أن ترتبط بالآليات وليس الأدبيات، من خلال 3 مستويات التخطيط والتنبؤ والتنفيذ في إطار سياسة عامة مبتكرة لقطاع استراتيجي وليس بيداغوجيا فقط يحدد آفاق التنمية ومحددات الحوكمة للمستقبل.
ولهذا حسب عكنوش يجب أن نضع الموضوع في إطار دولة كقطاع سيادي وليس في إطار وزارة فقط، مشيرا أن الآباء المؤسسين للتعليم العالي في الجزائر على غرار الراحل محمد الصديق بن يحيى كانوا يفكرون في هذا المنظور الشامل، من خلال إصلاح هيكلي وقيمي للقطاع مطلع سبعينيات القرن الماضي، وهو المنظور الذي يمكن تجديده والبناء عليه من خلال إرادة سياسية مستدامة تضع النخبة في صلب النسق السياسي بما يدعم استقراره واستمراره بشكل إيجابي.
ولهذا كان يجب، حسب محدثنا، أن تنطلق الحملة الانتخابية من الجامعة وليس من القاعات والمقاهي والملاعب حتى تقود الجامعة الديناميكية الجديدة في هندسة الوعي وتأطير المجتمع وبناء إدراكات جديدة للسياق الذي تمر به البلاد داخليا وخارجيا وفق معايير موضوعية وليست شعبوية، لأن السابع سبتمبر حسب محدثنا لا يمثل عملية انتخابية كلاسيكية بل آلية للعبور نحو الحداثة معرفيا وثقافيا وحضاريا نحو عقد اجتماعي جديد بين الحاكم والمحكوم يؤسس لجمهورية ذكاء وسط تحديات تكنولوجية غير مسبوقة تهدد قيمنا وفكرنا ووجودنا بشكل مباشر، وهو ما يجب على المترشحين التركيز عليه في ظل جيل جديد من الأفكار والمعايير تتطلب عقلا سلطويا برؤية و منهجية بعيدة المدى، على حد تعبيره.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!