الرأي

هذه الفريضة الغائبة

الشروق أونلاين
  • 1230
  • 0

“وليس بعامر بنيان قوم * إذا أخلاقهم كانت خرابا” شوقي.وأنت مسافر، قاصدا عاصمتنا المحروسة، من أي جهة كانت من جهات هذا الوطن الشاسع الرائع، من الشرق أو الغرب، في أي مركبة كنت، على الطريق السيار، ستلحظ دون ريب تلك “المقاطع “الكثيرة التي يُعاد تصليحها وترميمها، بين كل مسافة وأخرى.

 ترى ما يفجعك من اقتلاع كلّي للأسفلت، وإعادة لما يُفترض أنه انتهى العمل فيه، قبل مدة قصيرة فقط. ثم ستلاحظ أيضا في المسافات التي لا أعطاب فيها ظاهرة فيها تلك “الاهتزازات” بسبب المطبات والحُفر والنتوءات… وعموما ستلحظ عدم الاستواء في الطريق السيار على مسافات طويلة نسبيا، فما السرّ في ذلك؟ وهل من المعقول أن يحدث مثل هذا في مشروع ضخم سمّاه البعض “مشروع القرن”، أكل حتى الآن الملايير ولا يزال يحتاج إلى مزيد؟!.

ودون دخول في تفاصيل العمولات والخداع والغشّ، وإسناد الأمر إلى غير ذي أهلية، وكل ذلك صحيح. لكننا نريد أن ننظر إلى الأمر من زاوية أخرى تماما، زاوية تتصل بغياب القيّم التي تصنع الحضارة والتقدم.. فما حدث للطريق السيار إنما ينطبق عليه حكمُنا بـ”غياب الأمان الأخلاقي” المتمثل هنا في غياب فضيلة من أجمل الفضائل المتصلة بالعمل، وهي فضيلة الإتقان.

إن غياب الإتقان أو لنقل “انعدام الإتقان” هو الذي جعل مشروعا كبيرا كمشروع الطريق السيّار بهذه العيوب البيّنة الشائهة، وهو السبب وراء هذه النقائص المتلاحقة الكثيرة، في هذا المعلَم الذي يمثل وجه الجزائر على صعيد الربط بين أقاليمها وولاياتها. ومثل الطريق السيار هناك مئات من المشاريع تشوبها هذه الشائبة القاصمة، هناك الكثير من الأعمال والمشاريع التي تُسلّم على أساس أنها منتهية أي أنها مكتملة من كل الجوانب؛ حسب ما تقتضيه شروط التعاقد الأساسية بين صاحب المشروع (الدولة) وبين المنفذين، أيا كانوا، من المقاولين وطنيين أو أجانب، ثم تظهر “العيوب” تترى عيبا فعيبا، حتى تنكشف الأمور على مزيج مرعب بغيض من النقائص التي تشي كلها بانعدام الخُلق، وغياب الفضائل، ونقص مُشين في حُسن العمل وعدم الوفاء بالالتزامات المطلوبة فيه.

ومثل هذا الأمر (النقص والعيوب) يشيع في كثير من أداءاتنا وأعمالنا وخدماتنا، في كل القطاعات تقريبا، المادي- البنية القاعدية، ومنها: الطرق، والسدود، والبناء والتعمير، والإنشاءات المختلفة، والمعنوي كأداء الطبيب، والصيدلي، والمعلم والأستاذ، والعامل المهني في أي مهنة كانت. وهذا الشائع عند أكثرية الناس، يتحدثون به، ويصفون تلك الأعمال بالمغشوشة والمغدورة والسيئة وبأوصاف كثيرة دالة ومعبرة على انحطاط ووضاعة وخسّة ودناءة، لأنها تدخل في باب الغش والمكر والسرقة، وما يمكن أن تتقدم أمة أو دولة بـ”الغش” والسرقة والخداع.

الإتقان يبقى قيمة أساسية في حياة الإنسان، لا تستقيم الأمور إلا به، أيا كان عمله، وفي أي مجال كان. ولو حرصنا على ترسيخ هذه الفضيلة في أنفسنا وأعمالنا لكنا بلغنا مبلغ الرشاد في النهوض الحضاري.

 ثمّة أمر ينبغي التنبيه إليه هنا وهو أن المخصصات المالية وغيرها المرصودة لتلك الأعمال والمشاريع لو اعتمدنا فضيلة الإتقان لكانت كافية وزيادة، ولكن بالغش “يأكل” المشروع الواحد ـ كالطريق السيارـ المخصّصات المالية لمشاريع كثيرة أخرى، في مجاله أو في مجالات أخرى. وفي هذا هدرٌ وسوء تدبير لمالية وموارد الوطن، وإجحاف وسوء تسيير يرتقي إلى درجة الجناية. ثم إن اعتماد فضيلة الإتقان ستمكّن المشروع الواحد من البقاء في حالة عمل لمدد طويلة نسبيا، فعمر الطريق المنجزة بشكل متقن وكامل يمتدّ عشرات السنين، وعمر بعض الإنشاءات يمتد لقرون كما هو الحال في كثير من البنايات والإنشاءات في كثير من الدول، وفي ذلك ما فيه من خير وأيضا فيه اقتصاد للموارد وتوفير للإمكانات، ويدخل في باب حسن التدبير وحسن التصرّف والتسيير.

إن الأسئلة كثيرة في هذا المجال لكننا نقتصر على بعضها هنا، ومنها:

ماهي أسباب انتشار هذه الكارثة المتصلة بانعدام الإتقان أو سوئه على الأقل في كثير من أعمالنا ومشاريعنا وخدماتنا وفي عموم حياتنا ومناشطنا؟

 وكيف نرضى العمل بهذا الشكل ونقبل أن يكون غير محكم وغير مكتمل؟.

وهل يعود ذلك إلى ضعف رقابة الدولة؟ ولمَ؟ ومسؤولية من بالضبط؟

من يتحمّل المسؤولية أكثر من غيره؛ خاصة في مشاريع كبرى تُنجز بعشرات ملايير الدينارات (ملايير الدولارات)؟

ما السرّ في انتقال عدوى هذه الآفة الخطيرة حتى إلى الأعمال الفردية الحرة؟ فلا تكاد تجد عاملا مهنيا يُتقن عمله أو يكمله على الوجه الجيّد المُرضي؟

وهكذا تمتدّ سلسلة التساؤلات إلى مالا نهاية حول هذا الإشكال الحضاري الذي يعطي انطباعا قويا بالتخلّف، والانحطاط والإهمال، وانعدام النزاهة، مما يمس منظومة الأخلاق والقيّم كلها.

ينبغي أن نتذكّر أن هذه الصفة “إتقان العمل” واحدة من المزايا التي اشتهر بها اليابانيون، إلى جانب حبّ العمل والانضباط وغيرها من الصفات الإنسانية والأخلاقية التي جعلت هذا البلد يُسمى “كوكب اليابان”، وكأن البشر فيه ليسوا مثل البشر الآخرين. وهم بشرٌ ولكنهم “تميّزوا” بهذه الأناقة الأخلاقية في مجال العمل والإحسان والإتقان فيه؛ حتى غدت الصناعة اليابانية في ذاتها “ماركة” معنوية مميزة، تعطي الانطباع بالثقة والقوة والمتانة والدقة والقوة والكمال والإتقان…

دعنا نذكِّر بهذا الحديث: “إن الله عز وجل يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يُتقنه” (الطبراني)، فالإتقان فضلٌ عظيم وقيمة مضافة بتعبيرنا الحالي، وفائض قيمة معنوية وأخلاقية لا غنى عنها. وقد يكون من أسباب تفشيّ هذه الظاهرة المخزية نقص المنسوب الإيماني الأخلاقي، ولكن أيضا التسيّب والإهمال، وغياب العقاب والجزاء أحد الأسباب التي مكّنت له، وما من علاج لهذا الإشكال إلا بعمل منهجي متدرج يغرس من جديد النّبَت الطيب في النفوس والعقول، وهي مسؤولية ضخمة مشتركة بيننا جميعا.

مقالات ذات صلة