هذه شروط تعويض الناجحين المتخلفين عن مناصبهم
فصلت المديرية العامة للوظيفة العمومية والإصلاح الإداري في مسألة منح رخصة استثنائية لقوائم احتياط “مشرف تربية”، لشغل رتبة “مربي متخصص في الدعم التربوي” بالمدارس الابتدائية، مبرزة في هذا الشأن بأن الأمر غير قابل للتجسيد على أرض الواقع، على اعتبار أن استبدال مترشحين ناجحين في مسابقات وطنية “تخلفوا عن الالتحاق” بمناصب عملهم بآخرين، يتم في نفس الرتبة التي فتح من أجلها التوظيف، بناء على قوانين الجمهورية ساري العمل بها.
وفي ردها على سؤال كتابي للنائب بالمجلس الشعبي الوطني، سمير أوربي كودة، بناء على الإرسال الوارد بتاريخ 07 سبتمبر 2025، قدمت مديرية التطبيق والتدقيق بالمديرية العامة للوظيفة والإصلاح الإداري، شروحات واضحة، مرفقة بمبررات قانونية عن قضية منح رخصة استثنائية لاستغلال القوائم الاحتياطية لرتبة “مشرف التربية”، لشغل رتبة مربي متخصص في الدعم التربوي، وهي رتبة جديدة تم استحداثها ضمن القانون الأساسي الجديد.
الوظيفة العمومية: صلاحية القوائم الاحتياطية محدودة زمنياً وتخضع لنصوص دقيقة
ولفتت مصالح الوظيفة العمومية إلى أن أحكام المادة 28 من المرسوم التنفيذي رقم 12/194، المؤرخ في 25 أفريل 2012، المحدد لكيفيات تنظيم المسابقات والامتحانات والفحوص المهنية في المؤسسات والإدارات العمومية واجرائها، قد فصل في المسألة بشكل صريح، لا يترك مجالا للاجتهاد.
وعليه، فإن عملية استبدال مترشحين ناجحين في مسابقات وطنية، معلن عن تخلفهم أو لشغل مناصب مالية أصبحت شاغرة (محررة)، خلال الفترة الممتدة بين مسابقتين أو فحصين مهنيين، تجرى في نفس الرتبة التي فتح من أجلها التوظيف وفقط، ما يجعل الأمر غير قابل للتجسيد على أرض الواقع.
ومن هذا المنطلق، أشارت نفس المديرية، في إرسال صدر عنها بتاريخ 23 سبتمبر الجاري، تضمن ردا صريحا، إلى أن تطابق الرتبتين لا يستند فقط إلى تصنيفهما، بل ثمة معايير أخرى تعتمد للتمييز بينهما، وذكرت على سبيل المثال لا الحصر، المهام ومكان العمل لأدائه، المسار المهني لشاغلي ذات الرتب والمنصوص عليها بالتحديد ضمن أحكام المرسوم التنفيذي رقم 25-54 المؤرخ في 21 جانفي 2025، المتضمن القانون الأساسي الخاص بالموظفين المنتمين للأسلاك الخاصة بالتربية الوطنية.
وبناء على ذلك، أوضحت المديرية أنّ صلاحية القوائم الاحتياطية محدودة زمنياً وتخضع لنصوص تنظيمية دقيقة، وأن أي تمديد أو استغلال خارج المدة القانونية يعد مخالفة صريحة للقوانين السارية.
أما فيما يتعلق باستناد النائب البرلماني في سؤاله الكتابي إلى الحجة المتعلقة بالإدماج، بعد استفادة أصحاب عقود ما قبل التشغيل من التسوية النهائية لوضعيتهم المهنية والمالية، عن طريق توظيفهم بالمدارس الابتدائية وتعيينهم في رتبة تحت تسمية “مشرف التربية”، أكدت المديرية ذاتها على أن الإجراء يبقى استثنائيا وظرفيا، تم بعد موافقة السلطات العمومية.
وعليه، فإن القرار المتخذ أنذاك كان يهدف إلى تسوية وضعية منتسبي جهازي المساعدة على الإدماج المهني والإدماج الاجتماعي لحاملي الشهادات، والذين كانوا قيد النشاط عند صدور المرسوم التنفيذي رقم 19-336 المؤرخ في 08 ديسمبر 2019، المتضمن إدماج المستفيدين من جهازي المساعدة على الإدماج المهني والإدماج الاجتماعي لحاملي الشهادات.
وفضلا عن ذلك، أبرزت المصالح نفسها أن العلل المقدمة من طرف النائب البرلماني، وهي سد الشغور المطروح، التكافؤ في الصنف والمهام المسندة لكل من مشرف التربية ومربي متخصص، إدماج فيما سبق أصحاب عقود ما قبل التشغيل في الطور الابتدائي تحت مسمى مشرف التربية، عدم صدور القانون الأساسي المعدل، قرب الدخول المدرسي، وما تستغرقه عملية تنظيم مسابقة توظيف جديدة من وقت، وكذا لضمان جودة التعليم، تعد كلها عللا غير كافية من الناحيتين التنظيمية والقانونية، لتعويض منصب مالي شاغر أو محرر برتبة مغايرة تماما للرتبة التي فتح من أجلها التوظيف.
ومن ثم، وجب احترام القانون الأساسي للوظيفة العمومية والقوانين الخاصة بموظفي قطاع التربية، لأنها الضامن الوحيد لتكافؤ الفرص بين جميع المترشحين، وأن منح رخص استثنائية لاستغلال القوائم الاحتياطية سيفتح الباب أمام خرق النصوص القانونية ويؤدي إلى فوضى إدارية يصعب التحكم فيها لاحقاً.
وبالتأكيد لما سبق، أنهت المديرية إلى علم الجميع أن مثل هذه الطلبات ينبغي توجيهها إلى الوزارة الوصية عن قطاع التربية الوطنية، بحكم صلاحياتها، والتي يرجع لها تقدير مصالحها المختصة لمدى امكانية استغلال القائمة الاحتياطية التي تتم بصفة استثنائية.
وفي سياق ذي صلة، أفادت مصادر “الشروق”، أنه رغم التبريرات القانونية، إلا أنّ القرار أثار موجة استياء وسط الكثير من المترشحين المدرجين في القوائم الاحتياطية، والذين كانوا يأملون في استدعائهم لشغل المناصب الشاغرة التي تعرفها المؤسسات التربوية في هذه الرتبة.
ذلك أن رتبة “مشرف التربية”، تعتبر من الوظائف الجوهرية داخل المؤسسات التعليمية، حيث يضطلع أصحابها بمهام أساسية تشمل متابعة حضور التلاميذ، ضبط النظام الداخلي، المساهمة في تنظيم الامتحانات، وتسيير مختلف الأنشطة البيداغوجية والإدارية. ومع اتساع حجم المؤسسات وارتفاع عدد التلاميذ، تضاعفت الحاجة إلى هذه الفئة، في وقت ظل فيه عدد المشرفين بعيداً عن تلبية الاحتياجات الفعلية.
ومن جهتهم، عبر مديرو مؤسسات تعليمية ومفتشو إدارة عن امتعاضهم من مضمون المراسلة، معتبرين أنّ التمسك الحرفي بالنصوص القانونية من دون مراعاة خصوصية الميدان يعمّق من الأزمة، فيما دعو إلى ضرورة مراجعة النصوص التنظيمية الخاصة بالقوائم الاحتياطية، بما يسمح بمرونة أكبر في استغلالها، خصوصاً في القطاعات الحساسة مثل التربية والصحة.
وحسب ممثلي مشرفي التربية، فإن الكثير من المؤسسات تعاني من نقص حاد في التأطير التربوي والإداري، ما يجعل حياة التلاميذ الدراسية، مؤكدين أنّ استغلال القوائم الاحتياطية لا يمس بمبدأ المساواة، بل يساهم في سد العجز بطريقة شفافة، باعتبار أنّ هؤلاء المترشحين قد اجتازوا مسابقات رسمية، وثبتت كفاءتهم عبر الامتحانات الكتابية والشفوية.
وفي هذا الصدد، يرى متابعون أنّ القوائم الاحتياطية تمثل في الأصل آلية مرنة وُضعت لتغطية المناصب الشاغرة من دون الحاجة إلى تنظيم مسابقات جديدة في كل مرة. وبالتالي فإن تعطيل استغلالها بحجة النصوص القانونية يحوّلها إلى مجرد إجراء شكلي عديم الجدوى، بدل أن تكون أداة فعالة في خدمة المرفق العمومي.
حلول للتوازن بين القانون وتلبية حاجة الميدان
وعليه، يقترح خبراء في التسيير الإداري والتربوي جملة من الحلول التي يمكن أن توازن بين احترام القانون وتلبية حاجة الميدان، أبرزها: مراجعة آجال صلاحية القوائم الاحتياطية، إلى جانب تمديد المدة القانونية لاستغلالها بما يتناسب مع خصوصية قطاع التربية.
بالإضافة إلى إصدار نصوص تنظيمية خاصة ومراسيم تنفيذية تسمح باستثناء قطاع التربية من بعض القيود، بالنظر إلى حساسيته وحاجته المستمرة إلى التأطير، فضلا عن التوظيف الدوري، عن طريق فتح مسابقات توظيف منتظمة بمعدل سنوي أو نصف سنوي لتفادي تراكم العجز.
علاوة على استغلال الموارد البشرية الداخلية، من خلال إعادة توجيه موظفين يشغلون مناصب إدارية ثانوية لشغل مهام مشرفي التربية مؤقتا، مع فتح حوار اجتماعي موسع بإشراك النقابات في صياغة الحلول حتى تكون أكثر واقعية وقبولاً لدى مختلف الأطراف.
واستخلاصا مما سبق، فإن القضية تسلط الضوء على التباين القائم بين القوانين الصارمة واحتياجات الميدان، فمن جهة، تسعى الوزارة والوظيفة العمومية إلى فرض احترام النصوص وتفادي أي خرق للقانون. ومن جهة أخرى، يعيش الميدان التربوي ضغطاً متزايداً نتيجة العجز البشري، خاصة في الرتب الإدارية والتربوية المساندة، ما يجعل التمسك الحرفي بالنصوص غير منسجم مع متطلبات الواقع.
ليبقى الرهان الأكبر اليوم هو في إيجاد حل تشريعي وتنظيمي يضمن احترام النصوص من جهة، ويمنح في الوقت نفسه مرونة كافية لاستغلال الكفاءات المتوفرة في القوائم الاحتياطية. فالأمر لا يتعلق بمجرد أرقام أو مناصب مالية، بل باستقرار المدرسة الجزائرية وضمان جودة التعليم للتلاميذ الذين يشكّلون مستقبل الوطن.