الجزائر
الدا مقران يروي ذكرياته في تمرد 1963

هذه قصتي مع الدّا حسين أيام الهروب والاعتقال والتعذيب

الشروق أونلاين
  • 5784
  • 0
مكتب بجاية
سعدي أمقران

بين الحنين والنسيان يعود بنا المجاهد والمناضل “سعدي أمقران”، المكنى نونوح، إبان حرب التحرير، إلى تاريخ بقي ولفترة طويلة طي الكتمان، بسبب الخوف أحيانا والتناسي أحيانا أخرى، رحلة العذاب من حمل ثقل ذكريات تاريخ أمة، ننتزعه من جعبة من عايشوه وصنعوه بشق الأنفس.

لم يكن صعبا الوصول إلى الدا مقران الذي عرفنا بوجوده عند وفاة الدا الحسين وتسابق الجميع من أجل افتكاك ولو جملة واحدة من كل ما تركه وصنعه هذا الزعيم. تفاجأت حينها وأنا أسمع أن الدا مقران رفيق الدا الحسين في المخبإ بعد تمرد 1963. لا يزال حيا وهو شاهد مهم في التاريخ لأنه كان قريبا جدا منه قبل أن يلقى القبض عليهم جميعا في ذلك المخبإ الذي كان مأوى للمجاهدين أثناء حرب التحرير… صحيح لم يبق من ملامح ذلك المنزل الذي احتضنت جدرانه الدا الحسين، إلا أنك تشعر وأنت تدخله بعبق التاريخ يفوح منه.

 وصلنا إلى قرية آيت زلال ببلدية الصوامع التي يقع بها منزل الدا مقران ووجدناه جالسا بمفرده أمام باب بيته وهو غارق في التفكير وعلامة الكبر والمرض بادية عليه. اقتربت منه وحملت بيدي صورة سلمها لي أحد المجاهدين طلب مني أن أحملها إليه تذكارا وأسلمها له كي أكسب ثقته وأتمكن من فتح هذا الصندوق المليء بالأسرار. وما إن رآها حتى قال لي: هذا أنا وهؤلاء أعرفهم لكنني لا أتذكر أسماءهم. بعدها فاتحته في الموضوع وأنني أريد معرفة ما حدث هنا داخل منزله فترة اختباء الدا الحسين فيه. فدخل معي وقال لي: سأحتفظ بهذه الصورة، التي علقها على إحدى الخزانات في حينها وكأنه يواجه التاريخ لأول مرة بعد كل هذه السنين، وبدأ بسرد ما حدث وعاشه مع السي الحسين في المخبإ.

 

تلقينا أوامر من مجاهدين ومناضلين في الأفافاس بإحضار “السي الحسين

أتذكر ذلك اليوم عندما حضر شخصان إلى منزلي وكنت برفقة خالي “زقاوي بوجمعة” وطلبا منا الذهاب إلى “لعزيب الشيخ محمد الحسين ” لإحضار السي الحسين. وفي الغد قصدنا المكان على متن مركبة وذهبنا باتجاه الوادي. بعدها أوقفنا السيارة وواصلنا السير مشيا على الأقدام إلى أن وصلنا إلى المكان المقصود فوجدنا “آيت أحمد” برفقة ابن عمه “آيت أحمد رشيد”. وبعدما سلمنا عليهما طلبنا منهما المغادرة باتجاه المنزل الذي يوجد به المخبأ السري. وبقيا هناك ثلاثة أيام قبل أن يلتحق بهما “ميسيلي علي” الذي حضر على متن سيارة طاكسي. خلال تلك الفترة التي دامت ستة آيام كنت أشاهد الدا الحسن يكتب العديد من الرسائل ويبعثها إلى أماكن مختلفة ولكنني لم أكن أعرف محتواها ولم أكن أسأله عن أي شيء، لأنني لم أكن أفهم شيئا مما يقول فهو سياسي محنك وليس سهلا على أي أحد أن يفهم ما يفعل أو يدور في ذهنه، ولكنني كنت أعيش في ذعر وخوف كبير من اكتشاف أمرنا خاصة أنهم أحضروا مركبتين من الأسلحة الحربية وكنت مراقبا من أفراد جيش التحرير، ما دفعني إلى أن أسأله في كل مرة عن موعد مغادرتهم فكان يجيبني ويقول لي لن نذهب لأن هناك ما يجب علينا القيام به.

 وبعدما اشتد الوضع تحدثت مع خالي وطلبت منه إقناع الدا الحسين بالمغادرة لأن بقاءه مطولا في مكان واحد خطر عليه وسيتم العثور علينا لا محالة. وهذا ما حدث فعلا فبدأ بإجراء عدة اتصالات حيث بعث بالمدعوين “دحماني سعيد” ومحند علوش إلى قرية الساحل للبحث عن “سي واعمر ناث بوتشور” مسؤول تلك المنطقة من أجل أن يؤمن لنا مكانا للاختباء، إلا أنهما عادا وأخبراه بأنهما بحثا عنه ولم يجداه. لنقرر بعدها الخروج والبحث عن مخبإ آخر بأنفسنا لأن الشكوك بدأت تحوم حولي أكثر .

 

غادرنا المنزل… لكننا عدنا إليه بأوامر من الدا الحسين

 خرجنا من المنزل وذهبنا باتجاه “ثاخليجت لغزلي”، وفي طريقنا وجدنا برجا كبيرا يقابله واد، فوقف خالي لاستكشاف المكان وبدأ بالاستماع وإذا به يكتشف أن هناك كمينا فأمرنا بالعودة لأن الوضع خطير ما دفعنا إلى الذهاب باتجاه “آث جناد” ولم نعد إلى المنزل وبقينا مدة من الزمن من أجل دراسة الوضع. وقد كان آيت أحمد جالسا مستغرقا في التفكير، وبعدها تكلم وأخبرنا بأن نعود فقلت له إلى أين؟ أجابني وقال: إلى المنزل، فأخبرته بهواجسي وأنني مراقب من الجيش ومن الممكن أن يلقى القبض علينا، لكنه رفض الاستماع لي وقال سنعود وليكن ما يكون.

عدنا إلى المنزل ومكثنا فيه يوما واحدا وقد عرفت بعدها أن الدا الحسين قد تلقى تعليمات ورسالة بالعودة إلى المنزل. وهذا للقاء شخص ما، لا أعرف من هو، لنتفاجأ في اليوم الثاني بالجيش يحاصر ويطوق المكان، وإذا بي أسمع صوت الضابط ينادي ولكنني لم أصدر أي صوت وهو نفس الشيء بالنسبة إلى البقية، “حسين آيت أحمد، رشيد آيت أحمد، مسيلي علي، زقاوي بوجمعة”. وقد قام خالي بحمل سلاحه من صنف 49، إلا أننا لم نطلق أي رصاصة ولم نقاوم كما أن الدا الحسين كان يحمل سلاح الكلاشنيكوف الذي أهداه له أحد الجنرالات ولكنه لم يطلب منا أي شيء. وبعد مدة خرجت أنا وخالي من المخبإ وأخذونا أولا إلى ساحة في القرية ولم أعرف ما حدث في الداخل وقتها. كما أنهم قاموا بالهجوم على سكان القرية، وبعد مدة أخرجوا آيت أحمد والبقية وأصعدونا على متن شاحنة عسكرية مكبلي الأيدي، لنبدأ رحلة الجحيم مع التحقيق والتعذيب من مسوية مرورا بعزازقة وتيزي وزو وصولا إلى الجزائر العاصمة.

  

سجنت مع خالي… في حين أخذوا الدا الحسين مع البقية وأخفوهم عن الأنظار

كانوا يأخذوننا للتحقيق يوميا، كل منا على حدة، ولم يتدخل أي أحد من المسؤولين الذين أعرفهم. لقد هربوا وابتعدوا منا، لم أر الدا الحسين بعدها. لقد أخفوه عنا، ولم ألتقه بعد ذلك اليوم، كان التعذيب أشبه بالجحيم كانوا يربطون رجلي إلى السقف ورأسي يضعونه داخل الماء الساخن والصابون، أما في الليل فقد كنت أمشي وأنام على المسامير، لا تزال علامات التعذيب إلى يومنا هذا ولن أنساه أبدا إلى يوم أموت. لم أعرف أي شيء بعدها عن آيت أحمد ولا حتى أين أخذوه، سجنت أنا وخالي ثلاث سنوات في سجن وهران دون أن نحاكم.

توقف الدا مقران عن الحديث بعدما ذهب بتفكيره طويلا وهو يقول أنا لا أتذكر شيئا آخر، لقد نسيت ولا يمكنني أن أكذب، أنا لم أعرف ما كانوا يقومون به ولم أشارك معهم، وقتها لاحظت علامات الخوف على وجهه أحيانا وغلق على نفسه مجددا، إلا أنني استفززته بسؤال جعله ينتفض مجددا.

 

لم يشِ أحد بالدا الحسين… لم يعرف أي أحد بوجوده هنا إلا نحن والله

الدا مقران نفى نفيا قاطعا أن يكون هناك من وشى بالدا الحسين، وأخبر الجيش عن مكان وجوده، لأنه حسبه لم يكن يعلم بمخبئه أحد غيرهم، والذين كانوا يأتون لأخذ الرسائل منه، مستبعدا بذلك الرواية التي تشير إلى أن إلقاء القبض على الدا الحيسن كان بفعل فاعل.

سكت الدا مقران، وأخذت زوجته “النا وردية” الكلمة منه، كونها كانت شاهدة أيضا على تلك الأحداث، وكانت أحيانا كثيرة تذكره بوقائع نسيها، النا وردية، صرحت بأنها لم تعلم بأن الضيف الموجود بداخل منزلها هو الدا الحسين وقد كانت تسمع عن تمرده وصعوده إلى الجبل مجددا، ولكن لم يخطر في ذهنها ولو للحظة أن من تطبخ له هو السي الحسين ورفاقه، وهي لم تسأل زوجها يوما، إلا أنها تتذكر أنه في أحد الأيام قد زاره أحد الأشخاص ولما سألت عنه زوجها أخبرها أنه الكولونيل صادق مشيرة إلا أنه والدا الحسين لم يكونا على وفاق ولم يتحدثا مع بعضهما وقد كان كل واحد في غرفة منفردة، وبالعودة إلى اليوم الذي ألقي القبض عليه، عادت بذكرياتها إلى تلك اللحظة التي قالت إنها لن تنساها إلى يوم توارى الثرى، حيث خرج الدا الحسين من المخبإ وقبل أن يأخذوه طلب من معتقليه أمرا وقال لهم: اتركوني أودع أفراد هذه العائلة.. سلم علينا وقال لنا: “تحلوا بالشجاعة… والدنيا ما زالت طويلة”.. بعدها أخذوه ويومها فقط عرفت أنه الزعيم الدا الحسين. 

النا وردية لا تزال تتذكر شكل المخبإ الذي حفر داخل إسطبل الحيوانات ووقتها قالت إنهم أحضروا حمارا وربطوه أمام مدخله وتركوا الروث متراكما هناك للتمويه وإبعاد الشبهات عن المكان، ويوم إلقاء القبض على الدا الحسين تقدم إليها الضابط بعدما حاصروا المنزل وسألها عن زوجها فأخبرته أنها لم تره منذ شهرين، ولكن بعدما خرجوا من المخبإ تقدم إليها الضابط ووجه إليها صفعتين على الوجه جراء كذبها، ليبدأ سيناريو الخوف والذعر حيث صرحت أن أفراد الجيش كانوا يترددون على المنزل لمدة 17 يوما وقاموا بتهديم جدرانه، ما دفعهن إلى الهروب من المنزل عدة مرات، كما قامت رفقة أخت زوجها بإخراج كل الأسلحة التي كانت موجودة بالمنزل، وقامت بحملها بعيدا داخل الغابة وتخلصت منها داخل الأشواك والنفايات كي لا يجدها أفراد الجيش ويكون مصريهن السجن أيضا.

هكذا غادرنا منزل الدا مقران الذي خانته صحته وحتى ذاكرته أحيانا أخرى ليودعنا بعيون مليئة بالحزن، قائلا إنه لا يعرف مصير الأفافاس بعد الآن لأنه لا يعرف كيف يفكر مسؤولوه الحاليون.

مقالات ذات صلة