هزلهن جدّ!
ألا يُمكن أن ينخرط في هذه المرحلة الحسّاسة الشرفاء والحكماء والنزهاء، لصناعة الأمل، ومحاربة اليأس وتفريخ الخوف والشعور بالقنطة والقنوط؟ لماذا كلّ هذا الصمت؟ ولماذا كلّ هذه الثرثرة؟ أين هي هذه الطبقة السياسية التي لا تظهر إلاّ لصبّ البنزين على النار، ولا تهرع أبدا لإطفاء الحريق وتجنيب البلاد والعباد ألسنتها؟
الجزائريون ليسوا بحاجة إلى من يزرع بذور اليأس، وإنـّما هم بحاجة إلى من يزرع الأمل ويبدّد المخاوف ويُحافظ على المكاسب ويصحّح الأخطاء ويُبعدنا عن المصائب والعياذ بالله.
قوّة الجزائريين أنهم يجتمعون في “الأزمات” ولا يتفرّقون في المحن، وفي البداية والنهاية يتفقون حول ما يخدمهم ولا يضرّهم، ومهما اختلفوا وتخالفوا، فإنهم سيلتقون لحماية الجزائر.
على الطبقة السياسية، سلطة ومعارضة، أن لا تلعب بالنار، وأن تبتعد عن الهزل عندما يتعلق الأمر بالجدّ، وليتفق الجميع، أن ثلاثة جدهنّ جدّ، وهزلهن جدّ: الأمن والاستقرار والطمأنينة.
لقد دفع الجزائريون الفاتورة باهظة، خلال سنوات المأساة الوطنية، وصدق شيخ عندما قال: تلك السنوات العجاف “ما سلك فيها غير طويل العمر وڤاسح الكبدة”، وذلك في تعليقه وتحليله على ما واجهه كلّ الجزائريين في مرحلة مازالت ذاكرتها تؤلم وتـُدمع الذاكرة الجماعية والفردية.
على الطبقة السياسية أن تجتمع وتلتقي وتتحاور، تتنازل وتتفاوض، تقترح الحلول والبدائل، تحلّل وتناقش، تتصارع بالأفكار بدل التكسار، لكن عليها أن تسلك طريق الخير بدل طرق الشرّ، وذلك خدمة وقربانا لجزائر تستحقّ كلّ الولاء والوفاء والشعور بالانتماء.
كم هي هذه الطبقة السياسية في حاجة إلى وئام وأخوّة واصطفاف وتوافق، حتى وإن كان في الاختلاف رحمة، وكم هي هذه الطبقة في حاجة إلى أن تضع مصالحها جانبا وحساباتها في الرّف وتـُخرج قلوبها وعقولها من ثلاجة التجميد، حفاظا على الحكمة والتعقـّل الذي يُحافظ على وحدة الرأي والصفّ في المنعرجات الأخيرة والحاسمة.
لعلّ صوت الأغلبية الساحقة والمسحوقة، لسان حالها يردّد كلـّما جدّ الجدّ: يا أيها العقلاء ويا أيها الحكماء توحدوا وضمّوا صوتكم، وضعوا أيديكم في أيدي بعضكم، وابتعدوا عن الاصطفاف وراء سؤال: من الغالب ومن المغلوب، ومن الرابح ومن الخاسر.
صدق أحد الحكماء القدماء عندما قال لابنه: أصعب شيء هو أنك تخاف من خطر غير موجود، وأسهل شيء هو أنك تخاف من خطر موجود.. وبين “الخطرين” تبعا لهذه الحكمة، على الطبقة السياسية أن تبتعد عن التأويل والتهويل حتى تتفادى “التبهديل” والعويل!