الشروق العربي
من موظفة محرجة إلى سيدة أعمال

هكذا أعادت المرأة صياغة قيمة العمل في المجتمع

نسيبة علال
  • 100
  • 0

لطالما قوبلت بعض المهن النسائية بالرفض الاجتماعي، فالمرأة التي تعمل في تنظيف المنازل، أو تبيع داخل متجر، تقود وسائل نقل عمومية، أو تطهو الطعام للآخرين وترقع ثوبهم مقابل أجر… يعتبر الناس أنها تمارس عملا لا يليق بأنوثتها، أو إنها اضطرت إليه بسبب ظروف مادية قاسية، وكانت هذه المهن، في المخيال الشعبي، مرتبطة بالفقر أكثر من ارتباطها بالإنتاج، وبالحاجة أكثر من ارتباطها بالاحتراف، لكن المشهد تغير بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة.

المهن هي ذاتها، بقيت كما هي تقريبا، غير أن أسماءها، وطرق ممارستها، وآليات تسويقها، وطريقة تقديمها للناس تغيرت بالكامل في عصر التكنلوجيا، فتحولت من أعمال ينظر إليها البعض باستخفاف وباستغراب لممارستها من قبل المرأة، إلى مشاريع ريادية تحظى بالاحترام، وتمنح صاحباتها مكانة اجتماعية واقتصادية.

المشاريع الصغيرة تغير وزن المهن النسائية البسيطة

الحديث اليوم لم يعد عن “عاملة تنظيف”، بل عن خبيرة تنظيم المنازل أو مختصة في ترتيب المساحات، ولم تعد المرأة التي تطهو الطعام للناس “طباخة”، وإنما أصبحت صاحبة مشروع للتموين والحفلات أو شيف منزلي، أو منظمة أحداث. أما البائعة في متجر، فأصبحت مستشارة مبيعات أو مديرة متجر أو حتى صاحبة علامة تجارية… وكذلك الأمر بالنسبة لجميع المهن الأخرى، قد يبدو الأمر مجرد تغيير في المسميات، لكنه في الحقيقة يعكس تحولا عميقا في الثقافة الاجتماعية، فبتحول العمل من خدمة بسيطة إلى تخصص أو مشروع، تتغير نظرة المجتمع تلقائيا إلى صاحبته، وهو الموقف الذي عايشته إكرام 36 سنة، “لم أوفق في دراستي، فعملت في العديد من المجالات منها تنظيف المنازل ومصانع التدوير ومن ثم جاءتني فكرة إنشاء مؤسسة للتنظيف والترتيب، أعمل غالبا مع المكاتب والشركات وأصحاب المنازل الفاخرة، ما اضطرني إلى الالتزام بلباس كلاسيكي موحد مع فريقي، واستخدام أسلوب خاص في الحديث…” تضيف: “المهام لم تتغير كثيرا، فالتنظيف واحد، لكني أصبحت اليوم مقاولة بدل منظفة”.

من غير موازين الهيبة الاجتماعية؟

ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في هذا التحول بشكل كبير. فآلاف النساء بدأن بنشر يومياتهن في التنظيف الاحترافي، أو إعداد الحلويات، أو الطبخ، أو ترتيب المنازل، وتحولت هذه المقاطع إلى محتوى يحصد ملايين المشاهدات. ولم يعد الجمهور يرى امرأة تنظف أرضية منزل، بل يشاهد خبيرة تقدم نصائح في التنظيم، وتستعرض أدوات حديثة، وتشارك تجاربها، بل وتبيع منتجاتها الخاصة، وهكذا أصبح المحتوى الرقمي يمنح المهنة بعدا احترافيا لم يكن ملحوظا سابقا. في السياق تشير الخبيرة النفسية والاجتماعية مريم بركان إلى أن: “التقدير الاجتماعي كان يرتبط بالوظيفة الحكومية أو بالمهن الأكاديمية، أما اليوم فأصبح الدخل والاستقلال المالي والقدرة على بناء مشروع خاص من أهم معايير النجاح والهيبة، فالمرأة التي تحقق دخلا مرتفعا من مشروع منزلي لإعداد الحلويات، أو من شركة صغيرة للتنظيف، أو من متجر إلكتروني، قد تنال احتراما اجتماعيا يفوق احترام موظفة في وظيفة تقليدية ذات دخل محدود”.

التسويق في ظل الوضع الاقتصادي والاجتماعي

الهوية البصرية التي باتت تقدم ضمنها المشاريع النسائية البسيطة، مثل إعطائها شعارا، وصفحات على مواقع التواصل، وبطاقات تعريف، وخدمات للحجز الإلكتروني، وآراء العملاء، رفع عنها الحرج، وأخرجها من دائرة الممارسة السرية، إلى محاولة نشرها على أوسع نطاق. أضف إلى ذلك عوامل مثل ارتفاع تكاليف المعيشة، وزيادة مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي، وانتشار ثقافة ريادة الأعمال، التي ساهمت في تقبل المجتمع لهذه الأنشطة.

التجربة الاجتماعية خلال العقد الأخير أثبتت أن قيمة الإنسان لا يصنعها اسم المهنة، بل جودة الأداء، والاستقلال المالي، والقدرة على تحويل المهارة إلى مصدر رزق، فالتنظيف، والطبخ، والبيع، والخياطة، والحلاقة، وغيرها من المهن، لم تتغير في جوهرها، وإنما تغيرت الطريقة التي ينظر بها المجتمع إليها.

مقالات ذات صلة