-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
التواصل المستمر عبر الإنترنت فتاك

هل نحمل في جيوبنا سلاحا يدمر صحتنا؟

نسيبة علال
  • 206
  • 0
هل نحمل في جيوبنا سلاحا يدمر صحتنا؟

لم يعد الاتصال رفاهية، وإنما ضرورة يومية. فقد تحول الهاتف الذكي من مجرد وسيلة للتواصل إلى رفيق دائم، لا يفارق اليد ولا الجيب، ويوضع على السرير، ليكون آخر ما نلمسه قبل أن ننام، وأول ما تمتد إليه أيدينا حين نستيقظ، نتصفح الرسائل الفورية، الإشعارات المتواصلة، منصات التواصل الاجتماعي، والمكالمات التي لا تنتهي، حتى أصبحنا عرضة للإرهاق النفسي والجسدي بسبب هذا الاتصال المستمر.

لطالما كان الإنسان في الماضي، يختار متى يتواصل ومتى ينعزل، أما اليوم، فقد اختفت الحدود بين العمل والحياة الخاصة، وبين الراحة والانشغال. وأصبح الكثير تحت سطوة وضغط الرد الفوري، متابعة الأخبار باستمرار، ومراقبة كل جديد على المنصات الرقمية.

هذا النمط، بحسب الأخصائية النفسية، نادية جوادي: “خلق حالة تعرف نفسيا بـ “التيقظ الرقمي المستمر”، أي إن الدماغ يبقى في حالة استعداد دائم للتفاعل مع إشعار أو رسالة جديدة، ما يمنعه من الدخول في حالة راحة حقيقية، والنتيجة غالبا ما تكون: إجهادا نفسيا مزمنا، وتوترا متصاعدا، وشعورا مستمرا بالاستنزاف”. فقد أظهرت دراسة نشرتها American Psychological Association أن الأشخاص المرتبطين بشكل دائم بأجهزتهم الرقمية أكثر عرضة للتوتر والقلق، مقارنة بغيرهم، خاصة مع كثرة الإشعارات وتدفق الأخبار السريع. كما كشفت دراسة من Harvard MedicalSchool أن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية يرتبط باضطرابات النوم، ضعف التركيز، وارتفاع مستويات القلق، دراسة أخرى نشرت في مجلة Computers in HumanBehavior توصلت إلى أن الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بارتفاع معدلات الاكتئاب، العزلة، وانخفاض الرضا عن الحياة. كل هذا يجعلنا أمام واقع مريب، أننا نحمل بين أيدينا واحدا من أكثر الأسلحة التي تدمر جهازنا العصبي، ونستعمله بمتعة ولهفة متواصلة.

أمراض نفسية وأخرى جسدية

تأثيرات الإنترنت تهدد صحة البشرية

تؤكد الخبيرة النفسية والاجتماعية، كريمة رويبي، أن هناك عددا هائلا من الأمراض النفسية الناتجة عن التواصل المفرط عبر الإنترنت، “فالانتظار المستمر لوصول رسالة، أو الخوف من تفويت خبر أو منشور جديد، يخلق حالة قلق دائمة تعرف باسم FOMO أو الخوف من فوات شيء مهم، هذا القلق يجعل الشخص عاجزا عن الاسترخاء، حتى في أوقات الراحة، كما أن التعرض لمشاهد من حياة الآخرين المثالية على مواقع التواصل يخلق لدى البعض شعورا بالنقص، المقارنة، والفشل، خاصة لدى الشباب والنساء.

يجب الاعتراف بأن الهاتف لم يعد مجرد جهاز تكميلي، بل تحول عند البعض إلى إدمان سلوكي حقيقي، يفتحه عشرات أو مئات المرات يوميا دون سبب واضح، فقط بدافع قهري يقود إلى ضعف التركيز والتشتت الذهني. فالإشعارات المتكررة تدرب الدماغ على الانتقال السريع بين المهام، ما يقلل القدرة على التركيز العميق. ولهذا، أصبح الكثير يعانون من النسيان والتشتت وضعف الإنتاجية، وزادت مظاهر العزلة الاجتماعية.

المفارقة المؤلمة، أن التواصل الرقمي المفرط بدأ يؤدي إلى تراجع التواصل الإنساني الحقيقي، بحيث قد يمتلك الشخص مئات العلاقات الافتراضية، لكنه يشعر بوحدة شديدة في الواقع، ناهيك عما بات يسببه الهاتف من الأمراض الجسدية المرتبطة بإفراط الاستخدام، كاضطرابات النوم الناتجة عن تأثير الضوء الأزرق المنبعث من الشاشة، الذي يقلل إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم، ما يؤدي إلى الأرق والنوم المتقطع والاستيقاظ مرهقا في الصباح، بالإضافة إلى مشاكل الرقبة والظهر الشائعة جدا في السنوات الأخيرة، أو ما يعرف بظاهرةText Neck “رقبة الهاتف”، وتحدث جراء الانحناء المستمر نحو الشاشة، ما ينجر عنه آلام الرقبة، تشنج الكتفين، آلام العمود الفقري…

ما الحل؟

الخبراء لا يدعون إلى هجر التكنولوجيا، بل إلى الاستخدام الواعي، كإغلاق الإشعارات غير الضرورية، تخصيص أوقات بلا هاتف ومنعه من دخول غرفة النوم، تقليل وقت مواقع التواصل العودة إلى التواصل الواقعي المباشر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!