هكذا تبخّرت ملايير البنوك في مشاريع وهمية
حاصر قاضي الفرع الثالث لدى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي المديرين المركزيين والجهويين والمحليين لبنك القرض الشعبي الجزائري، بحقيقة التسيير الكارثي وعدم صيانتهم للمال العام، من خلال منح قروض الاستثمار والاستغلال لشركات وهمية، قدمت فواتير مضخمة لاستيراد التجهيزات والمواد الأولوية، كغطاء لتهريب العملة الصعبة إلى الخارج، مما سمح لمالكي شركة “كلورال” الفارين من العدالة بتحويل أموال طائلة للخارج عبر الشركة الفرنسية ” APPITECH ”
وباستهجان خاطب القاضي المتهمين، قائلا: “نستنتج من كل هذا أن البنك أصبح أنسب وجهة للنصب “من خلال منح قروض بالجملة لشركات وهمية بالرغم من عدم توفر الشروط الأولية للقروض، على غرار تقديم مبررات التمويل الشخصي الخاص بالمشروع، ووضعه تحت رقابة البنك، وكذا تقديم الوضعية المالية لمجموعة الشركات التي يملكها أصحاب المشروع، مخالفين بذلك قرارات لجنة القروض”.
كما حمّل رئيس الجلسة ممثلي البنك المتهمين في ملف الحال بعدم تحملهم مسؤولياتهم في تحصين أموال الدولة من خلال منح قروض استثمار واستغلال لمسيري شركات لها العديد من السوابق مع بنوك عمومية، خاصة أنها تحصلت على أموال تحت الاستثمار من دون أن تسدد الأقساط البنكية، بالإضافة إلى العدد الهائل من صكوك قدمت للمخالصة والتي لم يتم تسوية وضعيتها إلى حد اليوم.
بالمقابل، فإن مديري القرض الشعبي الجزائري السابقين أجمعوا على أنهم أدوا مهامهم وفقا لما يمليه قانون النقد والصرف، وأن مسيري الشركة قدموا الوثائق والضمانات اللازمة، مثلهم مثل بقية المستثمرين الذين استفادوا من القروض البنكية، وأن هدفهم الوحيد هو المحافظة على التوازن المالي للبنك وتنفيذ سياسة الحكومة الرامية إلى تشجيع الاستثمار والمستثمرين ودفع عجلة الاقتصاد الوطني إلى الأمام.
حق الامتياز كرهان.. وهكذا بُدّدت الأموال
وقد استأنف قاضي الفرع الثالث لدى القطب الاقتصادي والمالي، الخميس 27 سبتمبر الجاري، مواجهة المتهمين في ملف فساد طال شركة “كلورال” لاستخراج وتحضير وتسويق الملح، حيث أخضع المدير العام المساعد بالمديرية العامة لبنك القرض الشعبي الجزائري المتهم “ب. مصطفى” للاستجواب التالي:
القاضي: أنت متابع بجنح إساءة استغلال الوظيفة والتبديد العمدي للأموال العمومية ومنح امتيازات غير مبررة للغير بمناسبة إبرام عقد أو صفقة مع الدولة بصفة مخالفة للأحكام التشريعية والتنظيمية الأفعال المنصوص والمعاقب عليه بموجب أحكام المواد 26 و29 و33 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته هل تنكر أم تعترف؟
المتهم: لا سيدي الرئيس أنكر هذه التهم.
القاضي: متى بدأت مهامك في القرض الشعبي الجزائري؟ وعدّد لنا المناصب التي شغلتها ؟ ومتى تم تعيينك في اللجنة المركزية للقروض؟
المتهم: تم تعييني في سنة 2010 كرئيس قسم المخاطر المستدامة، ثم توليت منصب نائب مدير عام مكلف بالالتزامات منذ سبتمبر 2019 إلى غاية فيفري 2022، وفعلا كنت عضوا بلجنة القرض المركزية بالمديرية العامة للفترة الممتدة من سنة 2010 إلى غاية سنة 2019.
القاضي: تحدث لنا عن القروض التي استفادت منها شركة ” كلورال”؟
المتهم: ملف طلب القرض لشركة “كلورال” تم إيداعه على مستوى وكالة واد حيدرة ومن ثم إلى مجموعة الاستغلال غرب للقرض الشعبي الجزائري لغرض دراسة الملف وإبداء الرأي سواء بالموافقة أو بالرفض، ثم يصل إلى المديرية العام للبنك التي عقدت لجنتها المركزية للخلاص بالقرار النهائي.
سيدي الرئيس أنا كعضو باللجنة حضرت جلسة واحدة فقط في سنة 2015 التي تم فيها منح الموافقة المبدئية للقرض الاستثماري لفائدة شركة “كلورال”، ولم أحضر جلسة الموافقة النهائية، إذ أنه في الجلسة الأولى يتم فقط مراقبة الشروط والإجراءات والضمانات.
القاضي: ما هو مبلغ القرض بالضبط وموجه لماذا؟
المتهم: 30 مليار سنتيم وموجه خصيصا لاقتناء المعدات والتجهيزات.
القاضي: اللجنة التي منحت القرض الأول المقدر قيمته بـ30 مليار سنتيم، هل كانت الضمانات التي تم تقديمها كافية؟ ولماذا انتهى الأمر في ملف الحال إلى تبخر الأموال؟
المتهم: هناك نظام في بنك الجزائر يتحدث عن المخاطر وهو النظام الحامل للرقم 11 / 08 المؤرخ في 28 نوفمبر 2011 المتعلق بالرقابة الداخلية للبنوك والمؤسسات المالية.. سيدي الرئيس آنذاك كنت عضوا في اللجنة المركزية لدراسة القروض فقط ومهامي تقتصر على إبداء الرأي على غرار باقي الأعضاء.
القاضي: إنجاز أشغال الهندسة المدنية لشركة “كلورال” من قام به؟
المتهم: شركة SARL GIE.
القاضي: كيف تحصلت هذه الشركة على القرض من دون أن يكون لها نشاط فعلي ولا تملك أي عتاد في مجال أشغال البناء وليس لها عمال؟ بينما كانت تعمل على تضخيم الفواتير للحصول على أكبر قدر ممكن من القروض البنكية؟
المتهم: سيدي الرئيس كما سبق وأن قلت لكم، فنحن أعضاء اللجنة المركزية لدراسة القروض، ليس من صلاحياتنا إعطاء الموافقة النهائية على منح القرض من عدمها.
القاضي: التحويلات المالية كيف تمت بين ” SARL GIE ” وشركة “كلورال”؟
المتهم: هذا من اختصاص الوكالة، هناك اتفاقية تم إبرامها من الطرفين وعلى هذا الأساس، فإن هذه الأخيرة هي المخولة بمراقبة شروط وبنود الاتفاقية.
القاضي: هل اطلعت على الخبرة القضائية؟
المتهم: نعم سيدي الرئيس.
القاضي: الخبرة القضائية تضمنت جملة من المخالفات في إيداع الملف في 2015 على غرار مخالفة اتفاقية القرض والتي تشترط على أن دخول القرض حيز الاستغلال لا يكون إلا بعد تقدم نسبة الأشغال في الهندسة المدنية بنسبة 80 بالمائة، إلا أن المعاينة التي قام بها الخبراء إلى غاية 25 جوان 2024، تبين أن الأشغال لم تتجاوز 30 بالمائة ومع هذا تم منح القرض؟
المتهم: البنك بصفة عامة يسوق لجودة الاستثمار، كما أن هناك نوعين من الوثائق، وثائق مسبقة منها رخصة البناء، إذ أن طلب منح القرض على المشروع حظي بالموافقة المبدئية لتمويل جزئي في حدود 3 ملايير دينار، والذي يمثل 65 بالمائة من التكلفة الإجمالية للمشروع، مع إعادة النظر في الملف بعد تقديم أشغال الهندسة المدنية بـ80 بالمائة.
القاضي: وماذا عن الضمانات التي تم تقديمها وهي لا تتناسب مع القرض المطلوب؟
المتهم : سيدي الرئيس، في أي مشروع استثماري هناك ضمانات، والبنك تحصل فعلا عليها.
القاضي يقاطعه: حق الامتياز لعقار كرهن بالرغم من عدم جديته، باعتبار أن عقود الامتياز هي حق انتفاع لمدة محددة.
القاضي: الأخيرة تقول أيضا إن البنك منح موافقته على القروض بالرغم من عدم بلوغ نسبة الأشغال 80 بالمائة حسب الاتفاقية الموقعة بين الطرفين هل احترمتهم هذا الشرط؟
المتهم: الموافقة المبدئية الأولى والثانية، لم أكن فيها سيدي الرئيس، ومع هذا أود أن أقول إن قرار 2015 تم إعادة تكييفه.
القاضي: القرض الثاني بمبلغ 200 مليون دينار هل اشترطتم الضمانات؟
المتهم: نعم.
القاضي: خلال مساركم في لجنة القروض، هل تلقيتم ضغوطات من مسيري الشركات أو غيرهم؟
المتهم: لا لم نتلق أي ضغوطات ولم يتصل بنا أحد.
عندما يصبح البنك أنسب وجهة للنصب
القاضي ينتقل صبيحة الأحد، إلى استجواب المتهم “د. محمد” الرئيس المدير العام السابق لبنك القرض الشعبي الجزائري.
القاضي: أنت متابع بجنح إساءة استغلال الوظيفة والتبديد العمدي للأموال العمومية ومنح امتيازات غير مبررة للغير بمناسبة إبرام عقد أو صفقة مع الدولة بصفة مخالفة للأحكام التشريعية والتنظيمية الأفعال المنصوص والمعاقب عليه بموجب أحكام المواد 26 و29 و33 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، ما قولك؟
المتهم: لا سيدي الرئيس أنكر هذه التهم.
القاضي: تحدث لنا عن مناصبك في القرض الشعبي الجزائري وما هي المهام المنوطة إليك؟
المتهم: كنت موظفا بالبنك من سنة 2012 إلى جويلية 2013، ثم عينت مديرا عاما بالنيابة للبنك إلى غاية أكتوبر 2019 ومن 30 أكتوبر إلى غاية 2021 تم تنصيبي بصفة الرئيس المدير العام للبنك إلى غاية 2 ماي 2021، وقد ترأست اللجنة المركزية للقرض على مستوى المديرية العامة للقرض من 8 جوان 2018 إلى غاية 30 ديسمبر 2018.
أما بخصوص المهام المنوطة به يقول المتهم: “مهامي تتمثل في الحفاظ على مواصلة دعم البنك وتحسين أمنه المالي ورفع نجاعته، وبطبيعة الحال في ظل احترام القوانين، إذ في منح القروض هناك إجراءات صارمة.. سيدي الرئيس أنا لي خبرة في البنوك تتجاوز 32 سنة وطيلة هذه الفترة من المستحيل أني تجاوزت القانون المتعلق بمنح القرض لأي كان، فالإجراءات المتبعة في مسار طلب القرض من الانطلاقة عبر الوكالة إلى مجموعة الاستغلال وصولا إلى اللجنة المركزية لدراسة القروض معروفة ولا يمكن الدوس عليها.
القاضي: وماذا عن القروض التي منحت لشركة “كلورال”؟
المتهم: في عهدتي تم منح قرض واحد فقط وهذا بعد تعييني في منصب الرئيس المدير العام للقرض الشعبي الجزائري، حيث إن الملف تدرج من وكالة واد حيدرة إلى مجموعة الاستغلال وصولا إلى المديرية العامة للبنك، كما أنني خلال اجتماع اللجنة المركزية لدراسة القروض لا أحضر الاجتماعات وذلك تفاديا لأي تأثير على آراء أعضاء لجنة القرض، إلا أنني أبدي ملاحظاتي قبل الإمضاء النهائي على قرارات هذه اللجنة.
القاضي: عندما يتقدم شخص بطلب الحصول على قرض ويقدم لكم حق الامتياز أو ملكية خاصة كيف تتم الموافقة على الضمانات؟
المتهم: نحن نتعامل على أساس القانون “لا أحد حتى لو كان ذلك الشخص هو الرئيس المدير العام للبنك يمكنه خرق القانون”.
القاضي: في القرض الثاني، أين هي الضمانات التي تحصلتم عليها لضمان استرداد الأموال؟
المتهم: سيدي الرئيس أن كمدير لم أطلع على الوثائق الخاصة بطلب القرض كون الملف يتم معالجته بالوكالة ثم على مستوى مجموعة الاستغلال ونيابة المديرية العامة للقروض.
القاضي: لكن شركة “صحراء” تحصلت على قرض على أساس تصدير الملح من خلال نقله وشحنه، ومع هذا فإن الشركة لم تقم بأي عملية تصدير والقرض ذهب في مهب الريح؟
المتهم: سيدي الرئيس مدير الاستغلال للجزائر غرب ومدير القروض بالمديرية العامة للبنك ونائب المدير العامة للقروض هم أكثر إلماما بهذا الملف ولهم كل الصلاحيات لتأكيد ما إذا تم استغلال القرض للغرض المطلوب من عدمه.
القاضي يثور ويخاطب المتهم: في الأخير نستنتج أن البنك هو أنسب جهة للنصب على الخزينة، قراين شريف وقراين جمال قاما بإنشاء شركات من أجل الحصول على الأموال وتحويلها إلى الخارج بتواطؤ من موظفي البنك.
غادرت البنك في 2005 ولا علاقة لي بقروض “كلورال”
ومن جهته، أنكر الرئيس المدير العام لبنك القرض الشعبي الجزائري، “م. الهاشمي” كل التهم الموجهة إليه، وصرح بأنه غادر منصبه منذ جوان 2005، ولا علاقة له بالقروض التي تحصلت عليها شركة “كلورال” المملوكة لـ”قراين” الفارين من العدالة.
القاضي: أنت متابع بجنحة استغلال النفوذ بهدف الحصول من الإدارة على منافع غير مستحقة، وهي الأفعال المنصوص والمعاقب عليها بالمادة 32 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته هل تنكر أم تعترف؟
المتهم: أنكر هذه التهمة جملة وتفصيلا سيدي الرئيس.
القاضي: أنت تشغل منصب الرئيس المدير العام السابق للقرض الشعبي الجزائري، منذ متى ذلك؟
المتهم: شغلت منصب الرئيس المدير العام للقرض الشعبي الجزائري منذ 1997 إلى غاية جوان 2005، حيث تمت إحالتي على التقاعد وبدأت أمارس الاستشارة الحرة في ميدان تحضير ملفات الشركات المعنية بمشاريع الاستثمار، حيث أملك بطاقة جبائية وأزاول مهامي عادة في منزلي.
القاضي: ما هي علاقتك بـ”قراين شريف وجمال”؟
المتهم: سيدي الرئيس تعرفت على قراين شريف خلال سنة 2020، أرسله لي أحد الأصدقاء من أجل تقديم استشارات له ودراسات، كونه كان يعاني من بعض العراقيل من أجل بداية استثماره وتصدير منتوجاته، ولاسيما أن مشروعه كان ذا أهمية اقتصادية وقد استظهر أمامي عقودا أبرمتها شركته مع شركة أجنبية بغرض تصدير مادة الملح إلى دولة كندا.
وأضاف المتهم أنه بناء على ذلك العقد أعد له دراسة لنقل الملح بغرض تصديره، كما تعامل مع قراين شريف سنة 2020، أيضا في عملية مخطط عمل BUSNESS PLAN وهذا من أجل إعطاء صورة عن مشروع الشركة حتى تكون لدى مصالح البنك نظرة عن أهداف المشروع وضمان قروضها، كما تعامل معه أيضا في مخطط الخروج من الأزمة، من أجل إخراج المشروع من أزمته ولإعطاء ضمانات للبنك حول المشروع، وقد قطع علاقته مع المسمى قراين شريف منذ سبتمبر 2021 بعدما طلب مصالح البنك منه ثلاثة مطالب رئيسية، أولها إعادة الطبيعة القانونية للشركة SARLE SPA على أن يكون هو مسيرها.
القاضي: علاقتك هل كانت مع قراين والشخص الطبيعي المتمثل في شركة “كلورال”؟
المتهم: بطبيعة الحال مع شركة “كلورال”.
القاضي: الاتفاقية مع من تمت بالضبط؟
المتهم: مع شريف قراين.
القاضي: أنت متابع بسوء استغلال الوظيفة بحكم منصبك السابق كرئيس مدير عام للقرض الشعبي الوطني، والمتهم “ر.عبد الرحمان” قال خلال تصريحاته إنك بحكم علاقتك بالبنك توسطت لصالح الشركة للحصول على القرض ما هو ردك؟
المتهم: لا سيدي الرئيس هذا غير صحيح..