جواهر
"الشروق" تقضي يوما مع أول سائقة مترو في الجزائر:

هكذا تم توظيفي وتقلقني نظرات الإزدراء من بعض الرجال

روبورتاج: حكيمة حاج علي
  • 11760
  • 0
الشروق

“أردت أن أصنع الاستثناء” هكذا استهلت أول سائقة للمترو بالجزائر حديثها إلينا بالرغم من نظرات الازدراء التي يرمقها بها بعض المسافرين إلا أن وجودها كسائقة بين 40 رجلا زادها إرادة وتحديا لمجتمع لا يؤمن بالمرأة عندما تقتحم مجالات كانت حكرا على الرجال، الشروق قضت يوما معها في قمرة القيادة وعادت بالوجه الآخر لأول سائقة تقود مترو الجزائر.

اسمها “سميرة مرزقان” أم لأربعة أطفال، تحاول أن توفق بين تربيتهم والاعتناء بهم وبين عملها كسائقة مترو، الذي تضطر لقضاء ساعات طويلة فيه، استقبلتنا في قمرة القيادة بحي البدر وروت لنا حبها لهذه المهنة التي تكسبها متعة كبيرة عندما تشتعل أضواء أزرار طاولة التحكم.

 

هكذا يتم توظيف سائقي المترو

أول سؤال تبادر إلى ذهننا ونحن نتحدث إلى سميرة هو كيف تم تعيينها في هذه الوظيفة، وعلى أي أساس يتم انتقاء سائقي المترو، خاصة وأن هذا الأخير يبدو معقدا جدا من خلال الأزرار الكثيرة التي تحملها لوحة التحكم المتواجدة بقمرة القيادة، حيث كانت الكثير من الأضواء مشتعلة، فأجابت أن أغلب سائقي المترو هم موظفون مسبقا في محطات المترو إما أعوان مراقبة أو أعوان الشبابيك، حيث كانت هي تعمل في شباك التذاكر، وبعد إعلان مسابقة توظيف سائقي المترو تقدّمت للاختبار الذي يعتمد فيه على توضيح الأزرار ودور كل منها في القيادة، إضافة إلى اختباري التركيز والدقة، وبعد نجاحها فيهما مكثت مدة 45 يوما تخضع للتكوين حتى عينت رسميا كسائقة لمترو الجزائر.

 

التركيز والانضباط أهم مواصفات سائق المترو

بما أن قيادة وسيلة نقل عصرية على غرار المترو يحتاج النباهة والفطنة، فإن أهم اختبار يخضع له المترشحون لقيادته هو الاختبار النفسي الذي يشمل أهم عنصر وهو التركيز، حيث يخضع المترشح لاختبارات تكشف عن حدة تركيزه وتحكمه في عدة مهام في آن واحد، حيث قالت سميرة إن عليها أن تتحكم في لوحة التحكم وتركز نظرها في نفس الوقت في المرايا الموجودة في محطة المترو عندما تتوقف في كل محطة حتى تلاحظ دخول المسافرين وتنتبه لأن لا تتسبب في حادث عند غلق الأبواب، وهذا الأمر يحتاج الكثير من النباهة التي من الضروري أن تتوفر لدى سائق المترو، كما أكدت محدثتنا على الانضباط حيث أنهم يجب أن يلتحقوا بعملهم على الساعة الرابعة لمعاينة كل الأزرار في قمرة القيادة والتأكد من سلامتها لينطلقوا على الساعة الخامسة صباحا.

 

رجال يرمقونني بازدراء ونساء يشجعنني

بالرغم من مرور أكثر من ستة أشهر على توظيفها كسائقة مترو، إلا أنها لازالت تصادف نفس النظرات من الكثير من المسافرين، حيث يرمقها البعض بنظرات تحمل الكثير من الازدراء والاستغراب أيضا، في حين يسارع البعض الآخر لالتقاط صور لها وتحيتها، وهي حال الكثير من النساء والعجائز اللواتي قالت إنهن يقمن بقرع باب القيادة ليحيينها بابتسامة عريضة، فيما تعبر أخريات عن أمنياتها أن تقتحم إحدى بناتها هذا المجال مثلها، وهي تشجيعات تزيدها إرادة وتحديا لمجتمع لا يرحم المرأة مهما كانت وظيفتها فما بالك كسائقة للمترو، قائلة “أنا أستمتع في قمرة القيادة ولا يهمني ما يعتقده الآخرون، فهذا حلم لطالما راودني وحققته أخيرا”.

 

ممنوع التأخر وحسابات المترو بالثواني

“لا يجوز التأخر عن موعد العمل عندما تختار أن تكون سائق مترو”، بهذه العبارة تحدثت سميرة عن ضرورة أن تحترم مواعيد انطلاق عمل المترو وكذا توقفه بين المحطات، حيث قالت إنه لا يحق لهم أن يتجاوزوا 15ثانية عندما يتوقفون في المحطة فهنالك نظام يسيرون وفقه حتى لا يحدث اصطدام بين المترو المتوقف والمترو القادم، فإذا تأخر الميترو في الإقلاع لخمس ثوان فقط يمكن أن ينجر عن ذلك كارثة في تصادم المقطورات وتداخلها ويفقد السائق وظيفته.. كما أنهم يبقون على اتصال مع المصلحة الخاصة بالأعتاب والتوجيه في حال حدوث مشكل ما، وهذه المصلحة تسهر على توجيه السائق كيف يتصرف في بعض المواقف، لذلك يجب عليهم التركيز جيدا، لأن عليهم القيام بأكثر من عمل في آن واحد، قائلة إن المسافر “يتنرفز” في حال تأخر المترو بعض الشيء في المحطة، دون أن يعلم أن هذا الأمر راجع لحسابات تتعلق بترك المسافة المناسبة بينهم وبين بقية عربات المترو الآخر الذي يكون قادما في نفس السكة أو سبقهم.

 

سائقون احتياطيون لتعويض السائق في حال تغيبه

أوضحت محدثتنا أن المترو لا يجب أن يتوقف أبدا وحتى لو اضطر أحد السائقين للتغيب يجب عليه الاتصال ليلا لإعلام إدارة المترو لتعويضه بسائق آخر في قائمة الاحتياط التي تضم ثلاثة إلى أربعة سائقين احتياطيين يوميا، وهذا لضمان الخدمة الدائمة للمواطن، كما يلتزم معظم السائقين بالحضور في الوقت المحدد، حيث يعملون أسبوعا في الفترة الصباحية ابتداء من الساعة الرابعة صباحا لمدة سبع ساعات، وأسبوعا آخر في الفترة المسائية حتى منتصف الليل.

 

مواقف غريبة تحدث معنا يجب أن نتصرف

أهم موقفين غريبين وقعا معها طيلة فترة ستة أشهر هو دخول طفل صغير في عمر خمس سنوات وحده إلى عربة المترو دون والده، حيث أن الطفل سبق أباه عندما بدأ يركض في السلالم وتركه متأخرا ليدخل بمفرده وانطلق المترو، ليقوم أحد المسافرين بإمساكه عنده، وعندما وصلوا إلى إحدى المحطات أخبروها بما حدث فقامت بالاتصال بإدارة المحطة التي توقفت فيها ليتصلوا بدورهم بالمحطة التي مكث بها الوالد، لينتظر ابنه هناك.

أما الموقف الثاني فحدث قبل أسبوع فقط حيث علق رجل امرأة في الفراغ الموجود بين المدخل والمحطة، فتعالت الصيحات والصراخ وبدأ الجميع في الدق على الأبواب، إلا أنها كانت تشاهد الحادث في المرايا العاكسة المنصوبة في المحطة، فاضطرت للتوقف حتى تم إنقاذ رجل المرأة، التي أصيبت بهلع شديد معتقدة أن السائق لا يرى ويمكن أن ينطلق دون أن ينتبه لها.

مقالات ذات صلة