الرأي

هكذا تُبنى المجتمعات..

صالح عوض
  • 3149
  • 0

ما هو موجود في ميادين مصر اليوم، ليس عبثا في حركة التاريخ ولا قصّة عابرة، بل حدث كبير له ما وراءه.. إنها واحدة من التحولات الكبرى في التغيير الاجتماعي، بل في بناء المجتمعات وقد توفرت لها كل الشروط الفاعلة في ذلك..

الذين يظنون أن المجتمعات تُبنى هكذا دونما مكابدة وعناء وتمحيص واهمون بلا شك، وهم فقط يضيّعون الجهود ويبددون الطاقات.. فطريق بناء المجتمعات ليس رؤية فقط أو مشروع نظري إنما هو روح تسكن طلائع المجتمع، وخطوات عملية محسوبة يكون الصبر سلاحها، هكذا بنت الحضارات القديمة والحديثة مجتمعاتها..

عدد كريم من مفكري الأمة أثاروا الموضوع.. قرأت لهم حول كيفية تكوين المجتمع، سيد قطب في كتابه “معالم في الطريق” ومالك بن نبي في “ميلاد مجتمع” والإمام الخميني في “الحكومة الإسلامية” والرجال الثلاثة اتفقوا على العناصر الأساسية لبناء مجتمع شخّصوا بعمق الخلل، ووصفوا طبيعة المعركة الحضارية، وحددوا الخصوم وذكروا بشروط الميلاد الطبيعية للمجتمع.. وتميز كل من هؤلاء الكبار بطريقته الخاصة، فلقد تناول مالك بن نبي، العملية بشرح يستند إلى علم الاجتماع وبطريقة هندسية مبدعة، لكنها لخصوصية لغتها ظلت حبيسة النخبة الإسلامية المثقفة. وتناولها سيد قطب، بلغة أدبية ساحرة جنحت بالأشخاص قليلي المدارك والمعرفة إلى التطرّف والتشدد وحرق الخطوات والمراحل، فأصبح من يلتزم نهجه محاصرا من قبل البوليس والجهلة، حتى تمكن هذا الجيل من الإنعتاق مؤخرا لبناء مجتمع حضاري.. أما الخميني، فلقد تناول الموضوع بلغة فقهية محددة أُسست على العلم والعمل، فاستطاعت أن تبني مجتمعا حسب المصطلح القرآني: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}، وصل به الأمر أن فرض واقعا جديدا تمام الجدّة مجتمع يمتلك الوحدة المنهجية في الفكرة والهدف والتماسك وشبكة العلاقات، وجمع عناصر القوة في محصلة جعلت من إيران دولة قوية مقتدرة، ونموذجا متحررا من هيمنة السياسات الغربية.

قال مالك بن نبي، إن الموجود اليوم إنما هو تجمعات بشرية وليست مجتمعات، فالمجتمع لكي يوجد لابد له من فكرة توحد همه، وهدف يوحد مقصده، وإن يحدث فيما بين أشخاصه تآخ وشبكة علاقات اجتماعية محمية بمنظومة قيم، وهكذا تتحول الخطة إلى برنامج عملي يسكنه التصميم والإرادة والإبداع، وهكذا يصبح المجتمع حقيقة كائنة تفرز أفكارا حضارية وواقعا حضاريا، وتكون محصلة القوة فيه مجموع القوى بل مضاعفات لمجموع القوى.. وهذا هو بالضبط ما يتفاعل في ميادين مصر وشوارعها.. المجتمع الحضاري في مصر يولد من بين حناجر المعتصمين منذ شهر ونصف في الميدان، متآخين متحابين يصنعون مستقبل مصر بمجتمع يعرف هدفه، وقد انعتقت أرواحه من الخوف من أمريكا وإسرائيل، ليضاف بذلك مجتمع جديد للمجتمع الإيراني في الكتلة الإسلامية، فتتعزز بذلك قوة الأمة ومنعتها..

 

فهل تكتمل عملية البناء وهي في مرحلتها الصعبة، يقول تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا وإنّ الله لمع المحسنين}..

مقالات ذات صلة