هكذا حاول ميتران التكفير عن ماضيه الاستعماري الأسود في الجزائر ؟
لازال الكتاب الذي تحدث فيه المؤرخ بنجامين ستورا والصحافي فرانسوا مالي عن الماضي الاستعماري الأسود للرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، في السنوات الأولى من ثورة التحرير، يثير كثيرا من التعليقات، ليس لما تضمّنه من دلائل جديدة على الأسلوب القمعي خارج كل الأعراف والقوانين…
الذي طبع السياسة الفرنسية في تعاملها مع ثورة التحرير ومطالب الجزائريين الاستقلالية، بل خاصة لأنه يكشف أن الاشتراكي الكبير الذي تزعم من رفعوا مُثُل العدالة الاجتماعية والتفتّح على الآخر واحترامه، وبها أصبح رئيسا لفرنسا وقادها لنحو 14 سنة، هذا الاشتراكي كان جلاّدا بامتياز، خلال إشرافه على وزارتي الداخلية ثم العدل، ما بين سنوات 54 و57، ووقّع بنفسه على إعدام 45 جزائريا في أقل من عام ونصف، وكان يرفض بشكل تلقائي كل طلبات العفو التي يرفعها دفاع المتهمين إليه، وهو من سيقرر فور تولّيه الرئاسة إلغاء حكم الإعدام تماما من قانون العقوبات الفرنسي، في حين غطّى بل قاد التجاوزات الفظيعة التي مارسها ضباط الشرطة والجيش ضد الجزائريين، وكان مقتنعا بأن ذلك هو الحل الوحيد لوأد الثورة في مهدها.
لكن سيد احمد غزالي، الذي التقته الشروق اليومي في بيته مطولا، ومنذ تولّيه حقيبة المالية ثم الخارجية حتى ترؤسه الحكومة وانتهاء به سفيرا للجزائر في باريس، احتك عن قرب بالرئيس الفرنسي وتحدّث إليه مطولا في جلسات رسمية وغير رسمية، خلال العهدة الثانية من حكمه (88 -95) وأواخر سنوات عمره، لينقل صورا عديدة لميتران الرئيس “وكأنه يعيد قراءة ماضيه الشخصي مع الاستعمار الفرنسي في الجزائر، الذي يبدو أنه أصبح يؤلمه أكثر مع مرور الوقت، ويبحث عن الفرصة ليكون متضامنا مع الجزائر بعد أن أصبحت تعيش ظروفا صعبة” وهي الحقائق التي وقفنا عليها في دردشتنا مع رئيس الحكومة الأسبق سيد احمد غزالي.
أين تظهر المؤشرات الحقيقية على هذه الرغبة الشخصية لميتران الرئيس في التخفيف من ثقل تأنيب ضمير ميتران الإنسان؟ وما هي الحدود التي نميز عندها هذه الحالة النفسية عن مؤشرات أخرى مشابهة ومتداخلة معها طبعت جزءا من سياسته خلال وجوده في السلطة، وأفرزتها واقعيته السياسية والاقتصادية ورغبته في تحرير فرنسا من هوس الهيمنة على الآخر، ومن جهة أخرى أيضا تأثيرات عدد من كبار رجاله الاشتراكيين الذين كانوا يراهنون على إقامة علاقات تشاركية إيجابية ومنفتحة على دول العالم الثالث، وفي مقدمتها الجزائر.
سخاء مالي
يعود غزالي إلى الأيام الأولى التي تسلّم فيها رئاسة الحكومة في جوان 91، “كانت الجزائر تمر بظروف اقتصادية وسياسية صعبة، كنّا في حاجة لدعم مالي فوري وكبير لمواجهة تداعيات أزماتنا الداخلية، وانهيار إيرادات الدولة من المحروقات، طلبنا من أوروبا منحنا قرضا بمليار دولار، تدخل ميتران وضغط لأجل حصولنا على القرض، وفعلا اجتمع مجلس الرؤساء ورؤساء الحكومات الأوربيين ومنحونا 500 مليون دولار في ظرف استثنائي، وهو أمر لم تفعله أوروبا لدولة خارج الاتحاد قبلنا، سوى للمجر. حاول البريطانيون ـ كعادتهم ـ عرقلة المسعى، نظرا للمشاكسات التقليدية ما بين فرنسا وبريطانيا، فأرسلت وزير الخارجية الأخضر الإبراهيمي إلى البريطانيين ليطلب منهم رفع تحفّظهم وليقول نحن في حاجة لهذا القرض، لا دخل لنا بخلافاتكم مع الفرنسيين، إذا كانت هناك حسابات تريدون تصفيتها معهم أجّلوها إلى وقت لاحق، وفعلا ذلك ما حدث”.
قبل ذلك بسنتين، كان غزالي وزيرا للمالية في حكومة قاصدي مرباح، في ظروف مالية وسياسية متقلبة مشابهة “كنا بالمعايير الاقتصادية الدولية على حافة الانهيار التام” وتوجهنا لأول مرة لطلب قرض من صندوق النقد الدولي في حدود 600 مليون دولار “لعب ميتران دورا مهمّا في حصولنا في ماي 89 على قرض صندوق النقد الدولي، بدون أي شروط”، في وقت كانت العلاقات الجزائرية الفرنسية خرجت لتوّها من حالة انسداد بدأت في سبتمبر 1986 مع مجيئ حكومة جاك شيراك اليمينية إلى الحكم، ومطالبتها بمراجعة أسعار الغاز المصدر من الجزائر لفرنسا، “تراكمت مبالغ كبيرة من مبيعات الغاز لم نستملها بسبب عدم الاتفاق على السعر، ثم بدأ من كانوا يسيرون قطاع الطاقة في الجزائر باختلاق مشاكل أخرى بعيدة تماما عن أصل الخلاف، مثل تجميد تحويلات الجوية الفرنسية بالعملة الصعبة، وخلق مشاكل لثانوية ديكارت، وفي نهاية 88 عندما استلمت حقيبة المالية، ذهبت إلى فرنسا والتقيت وزيري المالية والخارجية، كانت وضعيتنا المالية عند الخط الأحمر، طلبنا تحرير أموال مبيعات الغاز، كانت في حدود 300 إلى 400 مليون دولار على ما أتذكر، قالوا لنا هناك العديد من المشاكل العالقة، قلت لهم سيتم حلها، وفعلا جاء وزير الاقتصاد بيري غوفوي، في نهاية ديسمبر 88 والتقى مرباح، واستلمنا مبيعات الغاز التي كانت مجمدة”.
اعترافات على مائدة الشاي
برأي غزالي، هذه المواقف الإيجابية التي طبعت تعاطي ميتران مع المشاكل المالية والاقتصادية للجزائريين عكسها أيضا شعور شخصي بالخطإ في حقهم، خلال الحقبة الاستعمارية. ويعود إلى مرحلة تعيينه سفيرا للجزائر بفرنسا بعد خروجه من الحكومة، خريف سنة 92، يقول غزالي: “عندما جئت لأقدم له أوراق اعتمادي سفيرا للجزائر في فرنسا، كان مريضا ولذلك تأخر عن استقبالي لكن دوما قال لي بإمكانك مباشرة مهامك من اليوم، وعندما جاء موعد تقديم أوراق الاعتماد، دعاني إلى غذاء في الإيلزيه، وقال لي أنا أستقبل ثلاثة سفراء فقط مرة كل الثلاثة أشهر لتناول الغذاء معي، البريطاني والألماني والسوفييتي، أرجو ان تكون رابعهم، وإن حدث مرة أني نسيت ذكّرني بذلك، كان يريد أن يقول إنني أرغب أن أكون قريبا منكم في محنتكم” وخلال تلك الجلسات كثيرا ما يعود ميتران لإثارة النقاش حول قضايا تتعلق بماضي الحقبة الاستعمارية لفرنسا في الجزائر “في بعض تلك الدعوات التي امتدت بعد الغذاء إلى جلسة حول الشاي كان يتحدث بنوع من العفوية، ليس بصورة رئيس الدولة إلى سفير أجنبي، بل بصفة فرنسيا يفضي إلى جزائري، عن مرحلة الاستعمار الفرنسي في الجزائر وسنوات ثورة التحرير، سألني “كم كان عدد القتلى فيها” أجبته أن الأرقام الرسمية تختلف ما بين مليون ونصف مليون بالنسبة للجزائريين إلى ما بين 500 إلى 600 ألف بالنسبة للطرف الفرنسي، وقلته له “إذا كانت الحقيقة هي ما بين هذين الرقمين، فإننا نتحدث عن قتيل واحد من كل 9 جزائريين، يعني ما يقابل 7 أو 8 ملايين فرنسي بمعطيات اليوم”، في هذه اللحظة يضيف غزالي: “بدأ ميتران يهزّ رأسه وصمت لنحو 30 ثانية، ثم قال لي مشيرا إلى دوما الذي كان يجلس بجانبنا: أترى هذا، قتل النازيون والده، ولكنه يشتغل اليوم بجد لصالح الصداقة الفرنسية الألمانية”، كان يريد ان يقول هذا أمر مؤلم، ولكن لنعمل لتجاوزه ببناء شيئ مشترك في المستقبل.
حالة تأنيب الضمير التي تحدث عنها غزالي تتطابق مع ما أورده وزير الخارجية السابق، هوبير فيدرين، في كتابه “عوالم فرانسوا ميتران” وينقل فيها قوله عن ماضيه الاستعماري الأسود “في حياتي ارتكبت خطأ واحدا على الأقل، هو هذا”، وسبّب ذلك له عقدة كبيرة يقول عنها بنجامين ستورا إنه “حاول منذ سنة 62 أن يمحو ماضيه الاستعماري القمعي وأصبح أكثر حرصا على ذلك منذ تزعّمه الحزب الاشتراكي سنة 71 الذي سيقوده لرئاسة فرنسا سنة 81 بتحالفه مع الشيوعيين ودعم قوي من التيار الراديكالي في الحزب الاشتراكي بزعامة جون بيار شوفنمان”.
سعر سياسي للغاز لتطبيع العلاقات
حرص ميتران على أن يعطي زخما كبيرا لزيارته الرئاسية الأولى للجزائر سنة 81، دفعه إلى البحث عن أقصر الطرق للوصول إلى اتفاق على الأسعار الجديدة للغاز المصدر لفرنسا، انطلاقا من أن المحروقات كانت دائما المصدر الأول لتسميم العلاقات الفرنسية الجزائرية في العقدين الأولين اللذين أعقبا الاستقلال، ورغبة منه في إعطاء إشارة إيجابية للعلاقات التي يريد نسجها مستقبلا، لأجل ذلك تم اقتراح لجنة حكماء مشتركة للتوافق على سعر للغاز، لكنها لم تصل إلى نتيجة مرضية، فأحيل الملف على وزيري الخارجية، الذي لم يكن في الجهة الفرنسية أحد أكبر أصدقاء الجزائر “كلود شيسون” واضطر الأخير لتكثيف الاتصالات مع نظيره الجزائري محمد الصديق بن يحيى حتى عندما كان الأخير على فراش المرض يعالج في أحد المستشفيات الفرنسية من آثار إصابته في تحطم طائرة كانت تقله إلى مالي ونجا منها بأعجوبة.
نزولا عند رغبة الجزائريين في تثمين أسعار الغاز، وافق ميتران على خطة بقيت سرية حينها، قدمها وزير الخارجية كلود شيسون وكشف بعدها بسنوات طويلة أنها قضت بتقسيم السعر إلى مستويين، الأول اقتصادي تدفع شركة “غاز فرنسا” والثاني سياسي، وهو الفارق عن سعر السوق، تموله وزارة الخارجية من خلال قسم المساعدات الخارجية. حتى وإن كانت هذه التفاصيل لا تهم الجزائريين ولم يسجلوا في حساباتهم السعر الكلي سوى في خانة السعر الاقتصادي الذي أفرزته مفاوضات تقنية بحتة.
بعد نحو شهر فقط على الزيارة التي قادت الرئيس ميتران إلى الجزائر، تعرض العقد لهجوم عنيف في البرلمان الفرنسي، قادته رموز سياسية واقتصادية كبيرة، طعنت في الاتفاق ووصفته بأنه مضر بشكل كبير بالمصالح الفرنسية من عدة زوايا، وتزعم حملة الانتقادات أحد أكبر المفاوضين الفرنسيين السابقين في اتفاقيات المحروقات مع الجزائر، قائلا إن تجربة المفاوضين الفرنسيين في العقد الجديد “كانت مرة ومحزنة” وفشلت في ربطه بمكاسب تعوضه من خلال صفقات جديدة أو امتيازات خاصة للصادرات الفرنسية للجزائر، “في حين أن المتحدث باسم الحكومة الجزائرية أكد منذ اليوم التالي لتاريخ التوقيع على العقد، ان حكومته لم تلتزم بشيء آخر ما عدا ما نصّ عليه النص الحرفي المعلن لصفقة الغاز” واتهمت المعارضة العقد بأنه أضر بكل المنظومة التجارية التي كانت تسير عليها مبيعات الغاز في العالم، وأضر بمصالح دول غربية وشركات الطاقة الأوروبية الأخرى التي كانت في مفاوضات مع الجزائر ودول أفريقية أخرى لمراجعة أسعار الغاز، لأنه فرض مرجعية جديدة في احتساب الأسعار تشكل ورقة للضغط من المصدرين على المستهلكين
في الحقيقة تضمن العقد رفع أسعار الغاز الجزائري المميع المصدر لفرنسا، بفارق يصل إلى ما بين مليار و2 مليار فرنك فرنسي كل عام، عما كانت عليه في العقود السابقة، مع تطبيق الأسعار الجديدة بأثر رجعي خلال السنتين السابقتين، أي منذ جانفي 1980 إلى غاية تاريخ التوقيع على الاتفاق أي ما قيمته 2 مليار فرنك فرنسي، وفي المحصلة أصبحت فرنسا تدفع للجزائر أسعارا تزيد بنحو 25 بالمائة عن الأسعار التي كانت سائدة آنذاك في السوق الدولية، وبعد سنوات طويلة كشف وزير الطاقة الأسبق بلقاسم نبي أن العقد حقق للجزائر مكاسب مالية إضافية تزيد عن مليار و600 مليون دولار إلى غاية مراجعته مجددا سنة 89. وعندما تمت مراجعة سعر الغاز المصدر سنة 89 نحو تخفيضه ليصبح موافقا لأسعاره الجديدة في السوق الدولية، في ظل انهيار أسعار المحروقات، عمل ميتران على تعويضه بتقديم دعم مالي في إطار المساعدات الخارجية قدره 7 ملايير فرنك فرنسي.
يؤكد هوبير فيدرين، أن ميتران “كان يريد أن يجعل من التعاون الفرنسي الجزائري، مثالا للتعاون شمال ـ جنوب، ضمن محور ثلاثي يشمل الجزائر في إفريقيا والمكسيك في أمريكا الجنوبية والهند في آسيا، وكان يريد أن يرقي العلاقات مع الجزائر إلى صداقة وتعاون مقتبس مما هو الحال مع ألمانيا”، لذلك كان يلح على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر ولا تقديم أي تقييم علني لمسار الديمقراطية والحريات فيها، وبعد أن زار الجزائر في سنة 81 استقبل الرئيس الشاذلي بن جديد في باريس سنة 83 ثم عاد لزيارة الجزائر سنة 84 ومنذ ذلك الوقت أصبحت لقاءات ميتران مع الشاذلي تتم بشكل منتظم في أحد البلدين أو خارجهما مثل ما هو حال ميتران مع رؤساء الدول الأوروبية، يخلص غزالي إلى القول: “مع ميتران كان يمكن أن نفعل الكثير، لكننا لم نكن نملك مقاربة واضحة ومنسجمة لكيفية إدارة علاقاتنا مع فرنسا في تلك الفترة”.