هكذا سحق مقري تيار المشاركة
عاقبت القاعدة النضالية لحركة مجتمع السلم، تيار المشاركة، الذي سيطر على مقاليد الحزب منذ منتصف التسعينيات، بفرض عبد الرزاق مقري، خليفة لسلطاني، بفارق شاسع عن منافسه عبد الرحمن سعيدي، وصل 112 صوت.
وصوّت 177 من أعضاء مجلس الشورى لصالح عبد الرزاق مقري، مقابل 65 صوتا فقط، لرئيس مجلس الشورى المنتهية ولايته، عبد الرحمن سعيدي، ليصبح بذلك مقري هو خليفة أبو جرة سلطاني، بعد أن حاز أيضا على تزكية المؤتمرين.
كما انتخب نعمان لعور، وهو رئيس المجموعة البرلمانية لتكل الجزائر الخضراء، نائبا أول لرئيس الحركة مكلفا بالتخطيط والتنظيم والمتابعة، ووزير التجارة السابق، الهاشمي حعبوب، نائبا ثانيا مكلفا بحقوق الإنسان والعلاقات مع المجتمع المدني.
واختار المؤتمرون أيضا النائب أبو بكر قدودة رئيسا لمجلس الشورى، وقدور علي دواجي نائبا له. وأشارت مصادر من داخل المؤتمر، إلى أن أطرافا دفعت بأبي جرة سلطاني للترشح لرئاسة مجلس الشورى، غير أن أنصار مقري تحفظوا على الفكرة، فتراجع أبو جرة إدراكا منه بصعوبة المهمة، وخاطب الحاضرين قائلا: “إن الآباء لا ينافسون أبناءهم”!
ومباشرة بعد انتخابه رئيسا للحركة، أكد عبد الرزاق مقري أنه سيعمل من أجل “إحداث التجديد المنشود داخل الحركة بما يساعد على النهوض بالوطن”، والتزم أمام المؤتمرين باحترام مؤسساتها، والالتزام بمبدأ الشورى، وطمأن المطالبين بالوحدة قائلا: “سأعمل على جمع وحدة صف حركة مجتمع السلم، ومختلف أطياف الحركة الإسلامية في الجزائر”.
واعتبر خليفة أبو جرة سلطاني الطريقة التي جرت بها انتخاب مؤسسات الحركة في المؤتمر الخامس، “تداولا سلميا على السلطة، يعبر عن وجود تجدد في الرؤى والأفكار”، مشيرا إلى أن “حمس” ستعمل من أجل “الوصول إلى قيادة المجتمع”، بعد ما ساهمت، كما قال، في الدفاع عن أمن الوطن واستقراره، في إشارة إلى الأسماء من أبناء الحركة الذين فقدوا حياتهم بسبب الإرهاب الهمجي.
وفيما بدا رسالة مشفرة لتيار المشاركة المصدوم من نتائج المؤتمر الخامس، قال مقري إن “حركة مجتمع السلم، ستعود لاحقا إلى الحكومة بإرادة الشعب”، لكن بعد أن تفرض نفسها في الانتخابات التشريعية المقبلة، وليس في إطار تفاهمات أصبحت من الماضي.
ونجح أنصار عبد الرزاق مقري في تجنيد مندوبي المؤتمر من أجل إفراز مجلس شورى، لا يسمح بحدوث أية مفاجأة في اختيار الرئيس، ما يؤكد أن خليفة أبو جرة، عرف كيف يستقطب الغاضبين من فترة حكم أبو جرة، ويجنّد أنصاره في القواعد النضالية لغلق الطريق على منافسه، الذي يكون قد أضره خيار المشاركة الذي يتبنّى الدفاع عنه.
وشكل الفارق الكبير في عدد الأصوات بين مقري ومنافسه سعيدي، مفاجأة بالنسبة للكثير من أنصار الثاني، الذين كانوا يعتقدون أن الحظوظ متقاربة إلى غاية ظهور تشكيلة مجلس الشورى، التي أبانت عن انقلاب واضح في موازين القوى لصالح مقري، غير أن الفارق الكبير يعتبره البعض الآخر مؤشرا على أن مقري يحظى بقبول واسع داخل حركته، وهو ما يساعده على الذهاب بعيدا في مشروعه الإصلاحي.
ويعتبر تفضيل أبناء “حمس” لعبد الرزاق مقري على حساب عبد الرحمن سعيدي، استفتاء على توجه الحركة الذي باشرته منذ منتصف التسعينيات، وأبانوا عن توجه جديد ينزع نحو المعارضة، بعد أن اقتنع الكثير منهم بأن النظام “خانهم”، وهو حال، عضو مجلس الشورى، جعفر شللي، الذي انتقد حرمان الحركة من بعض المناصب المؤثرة في الدولة مثل الولاة والدبلوماسيين، واقتصار المشاركة على بعض الحقائب الوزارية غير المؤثرة.
.
بورتري
مقري.. الطبيب الذي ترأس فرع “فريدوم هاوس” وشارك في أسطول الحرية
الرئيس الجديد لحركة مجتمع السلم، من مواليد 23 أكتوبر 1960 بمدينة المسيلة، حاصل على شهادة الدكتوراه في الطب، حيث زاول المهنة بولايته حتى عام 1997، حيث انتخب نائبا في البرلمان إلى غاية 2007.
لذوي العينين الزرقاوين قصة قديمة مع حركة المجتمع الإسلامي حماس ـ التسمية القديمة لحركة مجتمع السلم ـ حيث انخرط في صفوفها منذ تأسيسها وتقلّد المسؤوليات، فمن عضوية المكتب التنفيذي الوطني للحركة الذي استمر فيه إلى غاية وفاة الشيخ المؤسس محفوظ نحناح، ثم مسك منصب نائب رئيس الحركة خلال المؤتمر الرابع، ليحل محل أبو جرة سلطاني كرئيس للحركة.
يعرف عن مقري أنه ذو توجه راديكالي ولا يخشى المواجهة، فقد خاض صراعات كبيرة مع خصومه من التشكيلات السياسية خاصة ضد الأرندي داخل قبّة البرلمان في العهدة التشريعية الأولى 1997 / 2002، وحافظ على ذلك النهج، فقد كان رافضا لخيار مشاركة الحركة في الحكومة ودخولها في التحالف الرئاسي، قوة تأثيره حجته التي غيرت توجه الحركة في وقت لاحق، فسرعان مع فضّت الشراكة مع الأفلان والأرندي في المرحلة الأولى ثم الانسحاب من الحكومة. وينقل في الكواليس أن قيادات حمس كانت تخشى أن تنقلب السلطة عليه، لكن كان يطمئن الكوادر بالقول أنه سيُسخر كل أمواله لإدارة كل تكاليف نشاطات الحركة طيلة خمس سنوات كاملة، كما كانت له مواقف رافضة لمسار الإصلاحات السياسية التي أقرها الرئيس بوتفليقة.
إجادته للغتين الفرنسية والإنجليزية فتحت له باب التواصل مع مراكز الدراسات العربية والغربية، ولكن يحسب على مقري، أنه كان رئيسا لفرع مؤسسة “فريدوم هاوس” الأمريكية المعروفة بعدائها لفلسطين ووقوفها إلى جانب إسرائيل، ورغم رفضه هذه المعلومات، إلا أن كل الشواهد تؤكد أن مقري كان رئيسا لفرع المؤسسة في الجزائر، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الحمسيين، ومقابل ذلك، فلمقري مساهمات كبيرة في سبيل القضية الفلسطينية، أهمها مشاركته في قافلة أسطول الحرية نحو غزة والذي هاجمته إسرائيل، وهو كذلك أمين عام فرع الجزائر.