هكذا سرقت “النهار” 500 صفحة من سيناريو “الرايس قورصو”
أمَّا.. قبل..
لم أكن أرغب يوما في أن أتحدث عن الأمر قبل مشاهدة “الرايس قورصو” على شاشة قناة الشروق يوما ما، رغم المنع التعسفي الذي طاله وطال المجمع ككل. كما أنه لم يسبق لي أن تجاوزت واجب التكتم الأخلاقي الذي التزمت به بالتزام المدير العام لمجمع الشروق نفسه وهو صاحب الحق الأول والأخير، الأستاذ علي فضيل بعدم الإفصاح عن السبب الحقيقي في توقيف إنتاج العملين (“الرايس قورصو” و”تلك الأيام”) الذي أرجعه إلى “مشكل مالي”، تجنبا لمزيد من المضايقات.
كنت أعلم بما حدث، ليس بالتفصيل ولكن عرفت أن المسألة ليست مالية ولا نيجرية، بل سياسية بامتياز وإن التزام علي فضيل بعدم فضح المسألة، هو موقفٌ أقل ما يقال عنه إنه “شهم” إزاء قضية أفهموه أنها “قضية تمص أمن الدولة”. تحمل الضغط ومحاولة تحطيم المشروع، وكلفه ذلك غاليا على المستوى الشخصي والمالي..
أما وقد وصل الأمر إلى حد التواطؤ السياسي مع “القوى غير الدستورية” من طرف ذراع إعلامي معروف بهذه الأدوار، في الاستيلاء والسرقة الموصوفة مع سبق الإصرار والترصد لعمل.. بل لأعمال تلفزيونية وليس عملا واحدا، يعرف القاصي والداني أنها ملك للشروق، فهذا ما لا يمكن السكوت عنه أخلاقيا. مؤسسة بأكملها، تسلب منها أعمالها ويُجوَّع عمالها لأشهر، بضغط سياسي وأمني وإعلامي، بهدف الاستيلاء على مشاريع مربحة ماليا لها، تُمنح للذراع الإعلامي المتواطئ مع السياسية العصبوية المنبوذة. شيء لا يُصدق ولا يُتصور حتى في تصوير فيلم هندي. إنتاجان ضخمان لم يسبق لهما مثيلٌ في الجزائر، يُمنعان من إكمال التصوير على مسافة أيام من رمضان وبنسبة تصوير تصل إلى أكثر من 70 في المائة.. ثم يستولي الذراعُ الإعلامي للعصابة السياسية المالية الأمنية على عمل بأكمله، فهذا ما لم يحدث لا في التاريخ.. ولا في الجغرافيا..
لهذا أردت أن أوضح الأمر في ما يخصني.. دون التدخل في ما لا يعنيني، لأني لا أمثل إلا جزءا بسيطا من آلة وورشة ضخمة لعمل ضخم هو مسلسل “الرايس قورصو”.
لو حكينا يا حبيبي..
القصة بدأت معي مباشرة مع نهاية رمضان 2016، أي بعد النجاح الذي حققه “عاشور العاشر” على قناة الشروق. اتصل بي الأخ علي فضيل وسألني عن رأيي في المسلسل، فشكرته له. عندها عرض عليَّ فكرة، عرضها على آخرين أيضا، لأنه كان يريد أن يشتغل بذهنية الورشات كما حدث مع عاشور العاشر.. ورشات كتابة السيناريو والحوار.. الفكرة تتمثل في رغبة الأستاذ علي فضيل في إنتاج مسلسلين لرمضان المقبل 2017. لم تكن الفكرة واضحة وكان مطلوبا مني ومن آخرين أن يفكروا في مشروعين أحدهما درامي وآخر كوميدي.. بل إنه في اتصالات لاحقة معي، أوضح لي أنه يرغب في أن أقترح عليه سيناريو لسلسلة (وليس مسلسلا) كوميدية على طريقة الويسترن جزائرية.. ومسلسل درامي يتناول قصة حب في عهد العشرية السوداء.
تفاعلتُ مع المشروع الأول، وكتبت تصورا بسيطا كفكرة عامة لا ترقى إلى سينوبسيس، وأرسلتها إلى الأستاذ علي فضيل، لكن المسلسل الدرامي، تحفظت بشأنه رغم أني فكرت في قصته مبدئيا وكانت بالمناسبة، فكرة جميلة، ولم أرسل إليه شيئا بهذا الخصوص. السبب: كنت أعرف صعوبة وحساسية الموضوع وصعوبة تجسيد ذلك في مسلسل في الجزائر في عز الضغط والسقف الواطئ في حرية التعبير…
كان هذا نهاية جوان 2016، إذ طلبت من الأستاذ علي فضل أن يفكر جديا في الأمر لأنه إذا كلفني بكتابة السيناريو فالأحسن أن يكون ذلك أثناء عطلة الصيف حيث أكون متفرغا.
غير أنه لم يعاود الاتصال منذئذ ولم أسأل عن السبب، واتضح لي في ما بعد أنه كان أطلق ورشة عمل مع الفنان أنس تينا ومجموعته التي اشتغلت في عاشور العاشر. عرفت ذلك في ما بعد، أي في ديسمبر 2017.
قوة التدخل السريع..
بعد كل هذه الفترة، لم أكن ضمن فريق العمل ولا الورشة التي كان فيها أنس تينا وبعض الأسماء الفنية قد توصلوا إلى فكرة مسلسل “الرايس قورصو”.. بعد عملٍ كبير من طرف الفريق، خاصة من جانب أنس تينا الذي اشتغل لأشهر في التفكير والتحضير للمشروع.
اتصل بي من جديد الأخ علي فضيل في نهاية ديسمبر 2017، وكان قلقا جدا ويبدو عليه التوتر: السبب أن المسلسل يعرف تأخرا كبيرا ورمضان لم يبق له إلا أربعة أشهر تقريبا، والمسلسل في حلقاته الثلاث الأولى.. كتبها أنس تينا. طلب مني أن أعمل مع أنس تينا من أجل التسريع في عملية إعادةكتابة السيناريو وتكييفه وخاصة الحوار، لكون القصة كان يغلب عليها الدراما، وهو كان يريد مسلسلا كوميديا بلهجة جزائرية ساخرة، لكن يختلف عن “عاشور العاشر”. لماذا؟ لأن عاشور العاشر، كان شديد الانتقاد وبشكل مباشر، وكلفه ذلك ضغوطا لم يكن يرغب في أن يقع ضحيتها من جديد. لهذا، طلب مني أن أترأس أنا ورشة العمل التي تشرف على كتابة الحوار وجزأرة السيناريو والتعامل مباشرة مع أنس تينا الذي سبقني في التحضير للعمل، لكن الحوار كان في حدود 4 حلقات فقط.
بقي الاتصال بيني وبين الفنان أنس تنيا عبر الفايبر ثم لبضعة أيام بالعاصمة، كل هذا من أجل وضع خطة عمل لتسريع الكتابة.. كتابة الحوار على النحو الذي كان المدير العام لمجمع الشروق يريده، خاصة أنه كان يتابع كل صغيرة وكبيرة ويقرأ حلقات السيناريو والحوار كلها ليقدم ملاحظاته وآرائه. كان علي فضيل يريد مني أن ألتحق بالعاصمة لمدة لا تقل عن شهر لكتابة الحوار مع الفريق، لكني أفهمته أني لا أستطيع أن أشتغل إلا في بيتي وحدي وفي مكتبي وعلى حاسوبي ولوحة مفاتيحي ولي طقوسٌ في هذا الجانب: أغلق على نفسي وأشتغل أكثر من 10 ساعات… تفهّم الأمر، وعدت إلى وهران للعمل من هناك بالتنسيق معه ومع أنس تنيا بوسائل الاتصال المتعددة: هاتف، فايبر، مايل..
وقفت خلال الأيام التي قضيتها في العاصمة على خلاف وقع مع مخرج مفرنس اختير في البداية كمساعد للمخرج، لكنه ترك العمل بعد شهر، لأنه كان يريد تغيير السيناريو وكتابته من جديد بالفرنسية ثم ترجمته إلى العربية ثم إلى الدارجة… والوقت يمرّ وهو يضيع الوقت لحاجةٍ في نفسه.. أقول هذا لأني عملت معه لثلاثة أيام.. فيما أنس تنيا اشتغل معه مدة أطول.
الوقت يمر بسرعة ورمضان يقترب ومسلسل الصعوبات لا يزال يتسلسل تباعا..
عندها قرر المدير العام للشروق المرور إلى السرعة القصوى: اتصل بي وطلب مني أن أعيد كتابة حوار الحلقات الأربع الأولى التي كتبها أنس تينا.. وكان بالمناسبة طرفٌ ثالث قد أوكلت إليه كتابة بعض الحلقات وهو الأخ عبد الكريم محجوب الذي كتب 3 حلقات وقام مشكورا بمراجعة البقية مع أنس تينا.
قلت للصديق علي فضيل، إني أفضِّل أن أكتب الحوار من جديد، لأن كتابة الحوار بطريقة جماعية غير مجدية ومضيعة للوقت الذي نعمل جميعا على ربحه. وافق على ذلك على أن أرسل إليه الحلقة الأولى لقراءة الحوار الذي سأقترحه.. للتذكير، كان عليّ أن يكون الحوار كوميديا بنسبة تتجاوز 80 في المائة، مع أن القصة درامية وحركية بالأساس، لم تكن الكوميديا فيها تتجاوز 05 في المائة.. وهو عملٌ ليس بالسهل.
مقترح أنس تينا كان قويا ونقدا مباشرا، يشبه طريقة الحوار في عاشور العاشر، وهو ما لم يكن الأستاذ علي فضيل يحبِّذه للسبب المذكور سلفا.
وهكذا، بداية جانفي، وفي نفس اليوم الذي كلفني فيه علي فضيل بكتابة حوار الحلقات الثلاث الأولى من جديد، أنهيتُ كتابة حوار الحلقة الأولى على الخامسة صباحا من يوم الغد بعد 12 ساعة من العمل المتواصل. أرسلتها إلى علي فضيل للاطلاع، فاتصل بي صباحا فرحا حدَّ الانبهار بالحوار والسرعة القياسية: حلقة في اليوم.. عندها أعطاني الضوء الأخضر للمواصلة في كتابة حوار الحلقات الـ19 المتبقية التي سيرسلها إلي تباعا، مع العلم أن أنس تينا كان قد أرسل إلي الحلقات الأربع التي كتب حوارها على طريقته. إذن، علي فضيل هو من كان حلقة الوصل المباشرة بيني وبينه، ثم أحول الحوار إلى أنس تينا للمراجعة.
20 حلقة في 20 يوما
في ظرف 20 يوما، كان المسلسل قد انتهى على مستوى كتابة الحوار: 12 ساعة يوميا: عمل مضن وشاق.. كل يوم إلى غاية 5 صباحا.. هذه هي طريقتي في العمل لما أنكبُّ على مشروع ما.. وهكذا أفهمت علي فضيل: أنا أعمل بالسرعة القصوى. كنت أسابق الوقت: أرسل كل يوم حوار حلقة واحدة، نسخة إلى الأستاذ علي، وأخرى إلى أنس تنيا للمراجعة.
بعدها كان عليّ أن أنتقل إلى العاصمة بطلب من علي فضيل، لألتقي بالمخرج المصري الأستاذ عادل أديب الذي اشتغلت معه أسبوعا على النسخة النهائية للحوار الذي تمت مراجعته من طرف أنس تينا، الذي لم يواصل العمل في المشروع، لأسباب هو يعرفها، وتأسَّفت لذلك، خاصة أنه كان سيمثل الدور الثاني في المسلسل وهو من اختار اسم الشخصية التي كان يريد أن يؤديها “فليشة”. للتذكير، الفليشة التي رُميت من طرف مجهول في نهاية آخر حلقة من عاشور العاشر، هي التي ألهمت أنس تينا هذا الاسم الذي كان يريد أن يجسده، لكن هبَّت الرياح بما لا تشتهيه السفن.. وتأسفتُ على ذهاب جهده وعمله سدى.. من فنان قدير.
أنا من أعطيت عنوان “الرايس قورصو” للمسلسل
الأيام التي قضيتها في العاصمة في مقر المنتجة المنفذة أمال جبروني مع المخرج عادل أديب وبعض الممثلين الذين كانوا يحضرون إما لتوقيع العقود مع مجمع الشروق أو لأخذ مقاسات ألبسة التمثيل أو للاتصال بالمخرج المصري، سمحت لي بأن أقترح أنا شخصيا عنوان “الرايس قورصو” الذي كنا نبحث له عن عنوان معبِّر، جزائري وله دلالة ومعنى. عنوان المسلسل سقط عليَّ هكذا فجأة وأنا منهمكٌ في تغيير حوار وإدخال مشاهد جديدة في الحلقات الوسطى والأخيرة التي اقترحها للتو المخرج..
عندها، سقطت الفكرة: بما أن القصة تتناول قصة قرصان على طريقة “قرصان الكاراييب”، ونحن كنا نسمي القراصنة الجزائريين “الرايس” جمع رياس، فلماذا لا نسمي المسلسل باسم أحد كبار رياس البحرية الجزائريين.. لكون بطل المسلسل بطلا وملكا وأميرا رُمي في البحر صغيرا لكي لا يصبح ملكا، قبل أن ينتشله القراصنة ويتحوَّل معهم إلى قرصان لكن بأخلاق الملوك؟ إذن ليكن العنوان “الرايس قورصو”.. ثم إن كلمة ولقب “قورصو” يعني Corsaire… أي القرصان.. بيرات..
تركتُ مكتبي ودخلت فورا على عادل أديب المخرج وهو منهمكٌ مع مساعده داخل مكتب أمال جبرون ورحت أقول له: أستاذ عادل.. وجدتها.. هههه.. وجدت العنوان.. “الرايس قورصو” (طبعا بعد مقدمة نظرية تاريخية له عن رياس البحر في الجزائر.. الرايس مراد، الرايس حميدو، الرايس قورصو.. وأفهمته معنى كلمة ولقب قورصو التي هي القرصان.) عادل أديب المرح الضاحك المتحمس.. طار بالفرح: يالله لقد وجدها عمار… هاااا.. فرح بالعنوان أيما فرح.
لم تمض ساعة، حتى دخل الأستاذ علي فضيل. وأول ما قاله له المخرج عادل أديب: أستاذ علي.. عمار قد وجد عنوان المسلسل الذي كنت تبحث عنه. عندها قلت لعلي فضيل: “الرايس قورصو”. ابتسم علي فضيل وبدا عليه الارتياح، لكن بالفعل كان يركز على اختيار عنوان جميل ومؤثر وجزائري وله دلالة وحمولات تاريخية وطنية كبيرة.
مخرج الخروج إلى الإخراج
… بعدها، كان عليّ أن أعطي أسماء محلية لشخوص المسلسل.. اقترحتُ البعض على المخرج وعلى الأستاذ علي وأيضا على أنس تينا الذي شاركني في الاختيار.. وللتنويه، اخترت اسم “أنشوا” للممثل الذي لعب دور “رجلاوي”، إلا أن علي فضيل قال لي: أحسن سمّيه “سردينة”، لأن السردين سمكٌ شعبي.. وفعلا بدَّلت اسمه إلى “سردينة” والآن المسلسل صور صاحب هذا الدور باسم “سردينة”.
كما أنه كان من المفترض أن يمثل في المسلسل الممثل التركي مهند، فاخترت له اسم “الروجي”، مع بقاء اسمه الثاني لشهرة اسم مهند.
شيء آخر: في الأسبوع الموالي، انتقل الفوج الأول إلى تركيا للتصوير. لم أسافر معهم رغم إلحاح المخرج بقوّة على ذلك، وطلبت أمال جبروني مني إرسال صورة جواز سفري، إلا أني اعتذرت لارتباطاتي بالتدريس في الجامعة وقتها وكنا على أهبة الامتحانات.. لكن بقيت أتعامل مع الفريق في إسطنبول ومع أمال جبروني أكثر من 15 يوما أخرى: إعادة كتابة مشاهد، حوار جديد، إضافة مشهد، نقل مشهد من حلقة إلى أخرى… وهذا كله كان يتمّ بيني وبين مساعد المخرج في إسطنبول عن طريق الإيمايل.
آخر ما طُلب مني، كان من المنتجة المنفذة أمال جبروني التي طلبت مني إمكانية مساعدتهم في ترجمة الحوار من العامية إلى الفصحى لكي يفهمه المخرج المصري حين يكون في التصوير.. وأيضا ليمكن استعماله في العنونة السفلية إذا عُرض في قنوات عربية.. SOUS TITRAGE..
وبدأت العمل من جديد.. ترجمتُ تقريبا حواري من جديد إلى الفصحى.. أي عمل مضاعف.
الحصيلة نحو 500 صفحة من الحوار..
بعد أكثر من أربعين يوما من التصوير، أفاجأ بخبر توقيف مسلسل “الرايس قورصو” وأيضا “تلك الأيام” الذي كان لي فيه مشاركة في مراجعة الحوار… وبيان الأستاذ علي فضيل يقول فيه إن العملين قد أوقفتهما الشروق لـ “أسباب مادية”. عرفتُ أن السبب ليس ماديا، فهمت ولم أفهم.. اتصلت أكثر من مرة به للاستفسار… لا يجيب.. الرجل كان يعيش تحت ضغط رهيب.. سُحب منه جواز السفر.. ومضايقات على المجمع بأكمله ويُمنع من الإشهار ومن سحب “الشروق اليومي”…
بعد نحو عام.. نفيق فجأة على خبر.. “الرايس قورصو” صار ملكا لمؤسسة إنتاج في دبي صاحبها هو نفسه عينه صاحب القناة الذراع الإعلامي لزمرة زرالدة.. الذي.. هو المؤلف وصاحب حقوق المؤلف والملكية… وتعال وافهم.. أو اضرب رأسك في الحيطان يا شروق ويا كتاب ويا فنانين.. من عملوا وتعبوا لأشهر.. يا عمال الشروق اتخذوا…