هكذا سيّر رجال الشرطة المسيرات بالورود والحلوى
أبهر الجزائريون في مسيراتهم منذ 22 فيفري الماضي كل العالم، حتى وقف الإعلام الدولي مشدوها أمام سلميتها وتنظيمها، ولا شك أن تلك الصور المميزة من التآخي والتلاحم والتحضر صنعتها الجماهير التي تدفقت بالملايين على شوارع المدن الجزائرية طيلة أربع جمعات متوالية، لكن في المقابل وفّر لها الأمن والأمان والهدوء والنجاح رجال الأمن بكل أسلاكهم، فهؤلاء تعاملوا بكل احترافية وإنسانية مع الجموع المحتجة، بل إن الكثير منهم لم يتمالك نفسه، وهو يؤدي مهامه النظامية التي تفرض الانضباط والتقيد بالتعليمات، فعبر بطريقته الخاصة عن تأييد مطالب الجزائريين، فضلا عن مشاهد الاندماج والتعاطف مع المتظاهرين.
لأن كل شيء في الجزائر مميز واستثنائي.. بل وغير عادي في خرجات تاريخية لرجال الشرطة الذين فضلوا أن يحتفلوا باليوم العالمي لوقف “تعسف الشرطة” المصادف لـ15 مارس من كل عام، جنبا إلى جنب مع الشعب الجزائري في مسيرات حاشدة، أطلقت فيه قوات مكافحة الشغب الرصاص في السماء، موضحة إلى أية درجة وصلت فيه العلاقة القوية بينه وبين الجزائريين منذ بداية المسيرات، التي لم تخل فيها الورود والأحضان مع رجال الأمن والهتاف لهم وهي الصور التي تداولها العالم كله، فعبروا بطريقتهم الخاصة عن تأييد مطالب الجزائريين.
وبذلك، فإن وقفة رجال الأمن الوطني ومنذ حراك 22 فيفري، حسب المراقبين، قد جب ما قبله من سلوكيات معزولة بعنوان تفرقة المتظاهرين في العاصمة وكبرى المدن الحضرية، وما عاشه الجزائريون سابقا عبر الاحتجاجات الفئوية للأطباء والأساتذة ومعطوبي الجيش.
لا مكان للعنف في مسيرات الجزائريين
اليوم يبدو أن قواعد اللعبة الميدانية قد تغيرت ومعها عدل الجهاز الأمني من طريقة تعامله مع المظاهرات الشعبية وكيّف أساليب التعاطي مع حركة الشارع، وهو ما باركه الجزائريون، وحيّر العالم، وقد سجلت “الشروق” طيلة أربع جمعات متتالية غياب لغة العصي والعنف والغازات المسيلة للدموع التي سلطتها مثلا السلطات الفرنسية ضد المحتجين هناك، حيث لم تجد مكانا في الشارع الجزائري، حيث غلّب المحتجون لغة الورود وظلوا متمسكين بها مقابل قوات الأمن التي ما فتئ عديد عناصرها يتعاطون مع الحراك ويحتفون بسلميته بعد نجاح كل مسيرة تأكيدا على شعار “خاوة خاوة” التي نادى بها الجزائريون منذ أول خرجة لهم.
واللافت أنه كلما استقرت مروحية الأمن الوطني فوق المكان، قابلتها تحية صاخبة، فالجميع يعلم أنها مزودة بكاميرا عالية الدقة، وكأنهم يريدون أن يتم تصويرهم من قبل الأمن، إذ قام عدد من المتظاهرين بساحة أول ماي، برفع العلم الوطني وكانوا ينظرون إلى السماء، حيث تحوم مروحية الوحدات الجوية التابعة للأمن الوطني، وقاموا برفع التحية لهم هاتفين بـ”البيري والشعب خاوة خاوة”.
“وان تو ثري فيفا لالجيري” لشرطيين تصنع الاستثناء
وقد اتسمت التظاهرات التي عاشتها الجزائر منذ 22 فيفري المنصرم بدرجة عالية من السلمية والاحتفالية، وكان لافتا التعامل الراقي بين المتظاهرين والشرطة، وفي مشهدين مميزين، الأول بساحة البريد المركزي، والثاني بساحة موريس أودان، نظم مواطنون ممر شرف، لرجال الشرطة، عند نهاية مهمتهم في تأمين المسيرة والتصدي للمنحرفين الذين أرادوا السطو على الممتلكات، كما قام عناصر مكافحة الشغب، في بادرة لافتة بالاحتفال بما قاموا به، في يوم طويل وشاق، وهتفوا أمام الكاميرا “وان تو ثري فيفا لالجيري”، وهو المقطع والصورة التي تم تدوالها على نطاق واسع فاق كل التخيلات، كونها صنعت الحدث والاستثناء وردود فعل، بل مشاهد لم تسجل في أية مظاهرات إلا في الجزائر.
إلى ذلك، أشاد المتتبعون بالطابع السلمي لمسيرات الشعب عبر كل ولايات الوطن التي أكدت وعي أصحابها بضرورة الحفاظ على نعمة الأمن والابتعاد عن أساليب العنف والتخريب، كما أشادوا بالاحترافية الكبيرة التي تعاملت بها المصالح المختصة من الأمن مع مسيرات الجمعة، علما أنه لم يسجل احتكاك بين المشاركين في المسيرة وعناصر الشرطة التي تكفلت بتأمين الممتلكات العمومية، ماعدا أحداث الشغب التي عرفها عدد من شوارع العاصمة هنا وهناك أدت إلى تسجيل عدد من الخسائر وإصابات في صفوف رجال الشرطة.