الجزائر
الدبلوماسي نورالدين جودي يواصل شهادته لـ "الشروق":

هكذا طردت الجزائر سفير “إسرائيل” من نيجيريا

محمد مسلم
  • 4965
  • 0
الشروق
نورالدين جودي

في الحلقة الثانية من هذا الحوار، يتطرق السفير والأمين العام المساعد لمنظمة الوحدة الإفريقية، الدبلوماسي نور الدين جودي، إلى علاقته بالرئيس الراحل هواري بومدين، وتداعيات الانقلاب الذي أطاح بالرئيس الراحل أحمد بن بلة، على علاقة الجزائر بالخارج ولا سيما الاتحاد السوفياتي وبقية الدول الاشتراكية الأخرى وفي مقدمتها كوبا ويوغسلافيا وكذا المستعمرة السابقة التي كانت تنتظر العثرة.

السوفيات انزعجوا من بومدين بسبب انقلابه على بن بلة

ضيف “الشروق” تحدث أيضا عن الدور الذي لعبته الجزائر من خلال دوره كسفير في لايغوس، في طرد سفير الكيان الصهيوني من نيجيريا التي كانت الدولة الإفريقية الوحيدة التي لم تطرد سفير تل أبيب، بسبب الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1973، وكذا المتاعب التي تعرض لها في فترة حكم الرئيس الراحل، الشاذلي بن جديد، بداعي أنه من المحسوبين على فترة حكم الراحل هواري بومدين، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى..

في الحلقة الأولى، كنا قد انتهينا عند عودتك من سفارة الجزائر بتنجانيقا (تنزانيا)، بسبب موقف رئيسها من الإطاحة بالرئيس الراحل أحمد بن بلة.. ما هي المهمة التي كلفتم بها بعد عودتكم من هذا البلد؟
بعد العودة من دار السلام، كلفت بالإشراف على قسم دائرة الدول الاشتراكية في وزارة الشؤون الخارجية، وفي ذلك الوقت، كان السفراء يتهافتون على مقابلة الرئيس الراحل هواري بومدين. وكان سفير الاتحاد السوفياتي حينها، بيغوف، سبّب للرئيس حرجا جراء كثرة تردده عليه، حيث كان يريد مقابلته دون المرور على الإجراءات المعتادة. ونظرا للعلاقة القوية التي كانت تربط الجزائر بالاتحاد السوفياتي حينها، كان بومدين يتحاشى رفض مقابلته.
كان بيغوف عضوا في الحزب الشيوعي السوفياتي. ولما كلفت بإدارة قسم الدول الاشتراكية في وزارة الخارجية، باشرت جملة من الإجراءات التنظيمية، ومن بينها، اشترطت على أي سفير يريد مقابلة الرئيس الراحل أو وزير الخارجية، يتقدم بطلب إلى الدائرة التي أديرها على مستوى الوزارة. وحتى لا يسيئوا فهمي، أتذكر أني قلت لهم أنتم سفراء وأنا أيضا سفير، وأكدت لهم أن الإجراءات المتخذة على صعيد مقابلة رئيس الجمهورية، يتعين احترامها من قبل الجميع.
ولذلك، كنت إذا تطلب الأمر أحيل طلبات السفراء على رئيس ديوان الرئاسة، المرحوم عبد المجيد علاهم، وهو يقرر إن كان سيحوله إلى الرئيس أم ينتهي الأمر عنده باستقباله، وشيئا فشيئا سارت الأمور وفق ما كان مخططا لها، واحتكم الجميع إلى تلك الإجراءات. وبعدها، سافرت مع بومدين إلى الاتحاد السوفياتي، وكان قادته حينها منزعجين من الجزائر.

وما سبب انزعاج قادة الاتحاد السوفياتي من الجزائر؟
طبعا، بسبب الانقلاب الذي قاده الرئيس بومدين على الرئيس السابق، أحمد بن بلة. هذا الأخير كان قد زار موسكو وتم استقباله بحفاوة كبيرة في موسكو، ولذلك لما تمت الإطاحة به في عام 1965، لم ينظر السوفيات بعين الرضا إلى ما قام به بومدين، وحصل سوء فهم بين الطرفين، وعندما زار “الهواري” الاتحاد السوفياتي، تم تسوية هذا الخلاف بسرعة، وعادت المياه إلى مجاريها الطبيعية وربما أحسن من ذي قبل.

لا شك في أن طبيعة علاقة السوفيات بالرئيس بن بلة كانت وثيقة، ولذلك لم يعجبهم ما قام به بومدين.. فكيف تم تسوية هذا الخلاف؟
كان سفير كوبا في الجزائر شابا في مقبل العمر، اسمه بابيتو سيرغيرا، كان صديقا ومقربا من أحمد بن بلة. ولما قام بومدين بالانقلاب على بن بلة، كلم هذا السفير الزعيم الكوبي فيدال كاسترو فاستشاط غضبا مما حصل. وبسرعة، اتصل كاسترو بالمسؤولين في الدولة الجزائرية وعبر لهم عن غضبه، بل والأكثر من ذلك اتهمنا بالرجعية، على شاكلة بعض الجيوش في أمريكا اللاتينية.
ولكن، بعد أشهر من الإطاحة بالرئيس بن بلة، جاء الرئيس اليوغوسلافي الشهير، جوزيف بروس تيتو، في زيارة رسمية إلى الجزائر على رأس وفد كبير. وكان ما قاله أراح المسؤولين الجزائريين وعلى رأسهم الرئيس الراحل بومدين.

وماذا قال الرئيس اليوغوسلافي؟
عندما حل جوزيف بروس تيتو بالجزائر قال أنا ما يهني هو الجزائر وليس الأشخاص، وكان ذلك إيذانا ببداية الانفراج بخصوص تداعيات الإطاحة بالرئيس بن بلة. وعرض على الرئيس بومدين زيارة دولة إلى يوغوسلافيا. وبالفعل، كانت زيارة بوفد كبير يتقدمه الرئيس الراحل بومدين، وكان ضمن الوفد شخصيات بارزة، على غرار الشريف بلقاسم ومدغري والرئيس السابق بوتفليقة وكان يومها وزيرا للخارجية، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من المسؤولين البارزين.
ومعلوم أن يوغسلافيا كانت دولة لها وزنها في القطب الاشتراكي، وكان لموقفها المتفهم من قضية الإطاحة ببن بلة دور في تفهم بقية الدول الاشتراكية الأخرى، وعلى رأسها زعيم هذا القطب، الاتحاد السوفياتي الذي عاد ومعه كوبا إلى تطبيع العلاقات مع الجزائر بعد أزمة وسوء خلاف.

هذا عن القطب الاشتراكي، وماذا عن موقف السلطات الفرنسية من انقلاب بومدين على بن بلة؟

فرنسا لم يكن يهمها الأشخاص، ما كان يهمها هو مصالحها وكيف تحميها من التضرر وكفى. فرنسا كانت جد عدوانية تجاه بن بلة، ولكنها كانت تخشى بومدين أيضا. وبعد الإطاحة ببن بلة، كانت تترقب مسار الأحداث. كان شعارها الوحيد هو أن وجود المجاهدين في سدة الحكم في الجزائر، يعني بقاء العلاقات دون المستوى الذي تأمله، لكن ومع مرور الوقت تم تجاوز سوء الفهم أيضا، وإن بقيت العلاقة فيها حساسية بسبب مخلفات الماضي الاستعماري..
فالرئيس بومدين كان عبقريا ويحسن تدبير الأمور. مثلا، عندما قرر تأميم المحروقات، بدأ في تكوين الإطارات الجزائرية التي يمكنها استخلاف الإطارات الفرنسية بعد مغادرتهم إثر الإعلان عن قرار التأميم. وفي نفس الوقت، كلف مسعود زقار، المعروف بـ “رشيد كازا”، الذي له علاقات وطيدة مع الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش الأب، الذي كان يشغل منصب رئيس المخابرات المركزية الأمريكية حينها، كما له علاقات مع بعض الشخصيات البارزة في الكونغرس الأمريكي، وأقنعهم بضرورة الضغط على السلطات الفرنسية في حال قررت فعل أي شيء ردا على الإطاحة بالرئيس الراحل أحمد بن بلة، وهو ما حصل بالفعل، لأن واشنطن كانت لها مصلحة أيضا في تحجيم النفوذ الفرنسي في الجزائر.
ولما قرر الرئيس بومدين تأميم المحروقات في عام 1973، جن جنون باريس، وبدأ الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو حينها، في الطعن في جودة النفط الجزائري، ومن بين ما قاله إن لونه أحمر، في إشارة إلى توجه بومدين القريب من الشيوعية وما إلى ذلك، فرد عليه الرئيس بومدين بعبارته الشهيرة: “النفط الجزائري أحمر لأنه ممزوج بدماء الجزائريين”.
كان بومدين متوجسا من أن يحصل له ما حصل لرئيس الحكومة الإيراني، حسن مصدق، الذي أطاحت به كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بسبب قراره بتأميم المحروقات في إيران. ولذلك، أخذ احتياطاته جيدا، قبل الإقدام على اتخاذ القرار، حتى لا تتأثر الجزائر بالضغوط التي يمكن أن تسلط عليها، من طرف القوى الغربية.

نعود الآن إلى المهمة التي كلفت بها في الخارجية.. كم استمررت في منصب رئيس دائرة الدول الاشتراكية في وزارة الخارجية؟

شغلت هذا المنصب في الفترة الممتدة من سنة 1966 إلى 1970 تقريبا. فقط نسيت أن أقول لك نقطة مهمة..

تفضل..
هناك نقطة مهمة يتعين الإشارة إليها، وهي أنني كلما عينت سفيرا، جاء القرار من رئيس الجمهورية، بومدين، وليس من وزير الخارجية. والسبب، أن الرئيس بومدين كان يعرفني منذ الثورة التحريرية، وكان يكلفني بالمهمات التي يعتقد أنها مهمة.
في 1970، احتضنت الجزائر مؤتمرا لدول عدم الانحياز، وحضرها الرئيس النيجيري، الجنرال ياكوبو كومان، حينها تقدم من الرئيس بومدين وعبر له عن استغرابه من عدم وجود سفارة للجزائر في نيجيريا بالرغم من متانة العلاقات الثنائية، فتقبل الرئيس بومدين الطلب مباشرة ولم يمانع. ولما أيقن الرئيس النيجري أن طلبه قوبل بالموافقة، أضاف شرطا آخر، وهو أن يكون السفير المعين في لايغوس، يتقن اللغة الإنجليزية جيدا، حينها قرر بومدين على الفور وتم تكليفي بهذه المهمة.

كنتم وراء قطع نيجيريا علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الكيان الصهيوني.. كيف حدث ذلك؟
في عام 1973، اندلعت الحرب بين العرب وإسرائيل، وقطعت كل الدول الإفريقية علاقاتها بالدولة العبرية إلا نيجيريا. والسبب، أن نيجيريا كان لها وزير خارجية سخيف حقا، فيما كانت كلمة السفير الإسرائيلي في لاغوس مسموعة بشكل لا يصدق.
عندما اندلعت الحرب بين العرب والكيان الصهيوني كنت أعالج في ألمانيا، ومن هناك سمعت بأن نيجيريا هي الدولة الوحيدة الإفريقية التي لم تقطع علاقاتها مع الدولة العبرية. وعلى الرغم من أنني لم أتعاف من المرض، قررت العودة على جناح السرعة إلى نيجيريا رغم تحذيرات الفريق الطبي الذي يشرف على معالجتي من خطورة ومضاعفات المرض، والتحقت بعملي في السفارة في لايغوس، جمعت سفراء الدول العربية في لايغوس، وقلت لهم لا بد من مقابلة الرئيس النيجيري من أجل الاستفسار حول عدم قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني، فرد عليّ السفير المصري هناك وبدا يائسا، بأنه حاول معه ولكنه غير مستعد لمقابلة أي أحد بخصوص هذه القضية، وبالتالي لا يمكننا فعل أي شيء. فتدخل السفير العراقي وقال لنظيره المصري، أنت فشلت يا أخي، فاترك الأخ الجزائري يقم بما يراه مناسبا، لعله يأتي بنتيجة.
عندها قررت الذهاب إلى الرئيس النيجيري منفردا، وقلت له بلطف، ماذا يعني أن نيجيريا هي الدولة الوحيدة في القارة الإفريقية التي لم تقطع علاقاتها مع تل أبيب.. تفاجأ الرئيس النيجيري، ثم لم يلبث أن حزم أمره، وقام بتكليف وزير خارجية بلاده بإبلاغ السفير الإسرائيلي في لايغوس بأن أمامه 24 ساعة لمغادرة التراب النيجيري وهو ما حصل، وقد سُرّ السفراء العرب بهذا القرار، وعلى رأسهم السفير العراقي.

وما هي المحطة التي أعقبت مهمتك كسفير في نيجيريا؟
بعد لايغوس، في عام 1974، اقترح عليّ الرئيس بومدين، رحمه الله، الانتقال إلى منظمة الوحدة الإفريقية بصفة أمين عام مساعد بعد تخلي “سي” محمد سحنون عن منصبه هناك، وشرح لي أهمية هذا المنصب بالنسبة إلى الدولة الجزائرية في الوقت الذي يفضل فيه الكثير من الدبلوماسيين التوجه إلى القارة العجوز، فقلت له إنني في خدمة الدولة الجزائرية، ووافقت على الفور.

وكم بقيت في هذا المنصب؟
بقيت تقريبا عشر سنوات في هذا المنصب، إلى غاية عام 1983. وبعد وفاة بومدين، رحمه الله، كان نظام جديد قد أرسى أساساته تحت رئاسة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، فطلب مني الركون إلى الراحة بحجة أنني من المحسوبين على النظام السابق، الذي لم يلبث أن أصبحت رموزه مغضوبا عليهم، وكنت واحدا منهم. للأسف، النظام الذي أعقب مرحلة حكم الراحل بومدين لم يقدم ما كان منتظرا منه للجزائر في وقت كانت البلاد في أمس الحاجة إلى كفاءات ذات خبرة.
ما زلت إلى غاية اليوم أعتقد أن العقيد قاصدي مرباح لم يكن اختياره موفقا، لكن الظروف التي كانت تعيشها البلاد آنذاك من صراع بين القطب الذي يقوده الراحل محمد الصالح يحياوي، وذلك الذي يقوده الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، هو الذي حتم الذهاب إلى الخيار الثالث، المتمثل في الراحل الشاذلي، الذي لم يكن مطروحا في البداية.
وبسبب ممارسات بعض رموز نظام حكم الرئيس الشاذلي، بقيت عشرية كاملة من الزمن وأنا مهمش وبعيد عن الأنظار، إلى غاية وصول الرئيس الأسبق، اليامين زروال، الذي أعاد استدعائي للعمل في تسعينيات القرن الماضي.

… يتبع

مقالات ذات صلة