الجزائر
نادي بارادو يشكل الاستثناء.. مدارس ضاعت وسياسات لم تستمر

هكذا عبثت الأندية بالمواهب الكروية وفضّلت صفقات “البرّانية” لأغراض مادية

الشروق أونلاين
  • 1229
  • 0
ح.م
نادي بارادو

أجمع العارفون بالواقع الكروي الجزائر على حالة الفساد والتسيب الذي تعرفه الكرة أندية البطولة الوطنية، في ظل إهدار المال العام من أجل اللاعبين يصنفون بالنجوم لكنهم في النهاية فاشلون في أداء دورهم في الدفاع والهجوم، لكنهم يقبضون الملايير، من خلال صفقات تبرهم في ظروف تصوف بالغامضة وتثير الكثير من التساؤلات، في الوقت الذي باتت سياسة التكوين من آخر اهتمامات الأندية، مع تسجيل بعض الاستثناءات وفي مقدمة ذلك نادي بارادو.

يتأكد من يوم إلى آخر، بأن السياسة التي يتم بها تسيير الأندية الجزائرية بعيدة كل البعد عن متطلبات ومستقبل الكرة في بلادنا، خاصة وأن البطولة الوطنية أصبحت مرادفة للعنف وشراء وبيع المباريات، مع غياب واضح للأداء الراقي الذي يجلب المتعة للأنصار الذين يقصدون الملاعب بغية الوقوف على الجانب الفني والاستعراضي، قبل أن يصدموا بممارسات سلبية فوق المستطيل الأخضر، وكأن مباريات الكرة تحوّلت إلى حلبات للملاكمة والتصرفات السلبية والممارسات المشبوهة بطرق خفية وأخرى مكشوفة، يحدث هذا في الوقت الذي أجمع الكثير من المتتبعين على الإهمال الواضح بخصوص سياسة التكوين التي باتت بعيدا عن الأولويات، بل أصبحت في آخر اهتمامات الأندية، ما جعل أغلب رؤساء الفرق يلجأون إلى الإعانات العمومية، من خلال صرفها في الميركاتو الصيفي لجلب لاعبين يكلفون الملايير، ليتكرر المشهد نفسه خلال فترة التحويلات الشتوية دون أن يلمس الجمهور الكروي أي تحسن في الأداء الفني، ما يجعل الكثير منهم يتساءل عن سر رحلة الشتاء والصيف التي بات يمارسها اللاعبون، من خلال تنقلهم من فريق إلى آخر دون أن يمحوا الإضافة المرجوة.

خزّان المدارس الكروية أصبح من الماضي

لم يتوان الكثير في التأكيد على الفروق الجوهرية التي باتت تميز الكرة الجزائرية حاليا، مقارنة بعشريات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات وحتى مطلع التسعينيات، وهذا في ظل الممارسات القائمة حاليا، والتي باتت بعيدة عن متطلبات الكرة الجزائرية، خاصة في إطار تفعيل سياسة التشبيب والاعتناء بالمواهب الكروية التي يفترض أنها تعد مستقبل الكرة الجزائرية، إلا أن الواقع يؤكد بأن الجميع يسعى إلى الاعتماد على اللاعبين الجزائريين مقابل أموال باهظة وصفقات تثير الكثير من التساؤلات، في الوقت الذي كانت الكرة الجزائرية تتسم في العشريات السابقة على منح الأولوية لأبناء الفريق واللاعبين المنحدرين من الولاية الواحدة أو ما جاورها.

 ولا يزال عشاق الكرة الجزائرية يشدهم الحنين إلى الإنجازات النوعية التي حققتها بعض الأندية الجزائرية التي كان يطلق عليها اسم المدارس الكروية، على غرار نصر حسين داي التي أنجبت لاعبين بارزين سجلوا حضورا نوعيا في السبعينيات والثمانينيات، في صورة رابح ماجر وقندوز ومرزقان وبلومي والقائمة طويلة، حتى أن النصرية في مونديال 82 كانت الأكثر تمثيلا بلاعبيها في تعداد “الخضر”، كما لا يمكن نسيان الدور الذي لعبته مدرسة رائد القبة التي أنجبت سرباح وقاسي السعيد وشعيب وأسماء أخرى، مثلما لا يمكن الاستهانة بدور مدرسة جمعية وهران ووفاق القل وموولدية باتنة وترجي قالمة وشبيبة سكيكدة وجمعية عين مليلة وغيرها من الفرق التي كانت تولي أهمية كبيرة للمنتوج المحلي، من خلال الاعتناء بالمواهب الكروية التي يتم ترقيتها في مختلف الفئات الشابة وصولا إلى صنف الأكابر، قبل أن تشد طريق النجومية نحو المنتخبات الوطنية أو في أندية أخرى.

صفقات “البرّانية” لمصالح شخصية ومالية

والواضح أن سياسة تسيير الأندية الجزائرية قد تغيرت بصورة جذرية خلال السنوات الماضية، وهذا منذ منتصف التسعينيات، لتسير نحو الانتشار في ظل السخاء المادي الذي تقوم به الجهات الوصية، دون أن يصحب ذلك رقابة واضحة حول كيفية صرف المال العام، ما جعل لرؤساء الأندية يلجأون إلى الحلول السهلة، وهو انتداب لاعبين من أندية أخرى مقابل صفقات مالية باهظة، مصحوبة بوعود على اللعب من أجل اللقب أو الصعود، وفي النهاية تكون الصدمة كبيرة لدى أغلب الجماهير، بسبب نوعية المردود المقدم والذي لا يتوافق مع طبيعة الصفقات المبرمجة.

 والمشكل أن أغلب رؤساء الأندية لا يزالون يواصلون السير وفق هذا الاتجاه رغم اعترافهم في أكثر من مناسبة على فشلهم بشكل صريح، خاصة وأنهم لا ينتجون في نهاية الموسم سوى تضخيم الفواتير وإيقاع فرقهم في أزمة الديون بسبب صفقات غامضة وأخرى مشبوهة، بسبب الاعتماد شبه الكلي على اللاعبين “البرانية” من أجل مصالح شخصية ومالية، في وقت كان يفترض أن يتم الاعتماد على أبناء الفريق، في ظل وجود مواهب كروية في حاجة إلى من يهتم بها ويحفزها على البروز، بدليل أن سياسة جلب لاعبين يوصفون بالنجوم أثبتت فشلها على أكثر من صعيد، كيف لا، وهم أثبتوا فشلهم في أداء دورهم اللازم في الدفاع والهجوم، والنتيجة أن أغلب العناصر المشكلة للمنتخب الوطني هم من المغتربين والمحترفين، مقابل غياب شبه كلي للاعب المحلي في تعداد “الخضر”.

تجارب نوعية مع “الموك” و”البوبية” لم تعرف الاستمرارية

وإذا كان واقع الأندية الجزائرية يدفع إلى التشاؤم حول مستقبل البطولة الوطنية التي لا تزال محترفة على الورق فقط، فإنه يمكن تسجيل بعض الاستثناءات القليلة لفرق تحرص على إنجاح سياسة التشبيب، وفي مقدمتها نادي بارادو الناشط في الرابطة المحترفة الأولى، والذي حرص مسيروه على منح الأولوية للمواهب الكروية، ما جعل عناصر بارادو تبدع وتتألق في عقر الديار وخارج القواعد، وتجمع بين الفعالية والأناقة الكروية، سواء من الناحية الفردية أو الجماعية، حتى أن بعض التقنيين اعترفوا بأن لاعبي الأواسط فرضوا أنفسهم وافتكوا مناصب أساسية مقابل إرغام بعض عناصر الخبرة على البقاء في مقعد البدلاء، ما جعل المتتبعين للكرة الجزائرية يدعون بقية الندية إلى السير على خطى نادي بارادو الذي أعطاهم دروسا في التكوين والاعتناء بالمواهب الشابة التي فرضت نفسها بعيدا عن الأضواء.

 والأكثر من هذا فإن بعضهم أتيحت له فرص الاحتراف في بطولات أوروبية، على غرار بن سبعيني وعطال وآخرين. وعلى ذكر سياسة التشبيب في السنوات الأخيرة، فقد لجأت إليها بعض الأندية، لكنت بصفة اضطرارية، ولم تكن وليدة سياسة تسييرية واضحة المعالم، على غرار ما قامت به أسرة موولدية قسنطينة عام 2007 تحت قيادة المدرب رشيد بوعراطة، ما جعل “الموك” تظهر حينها بدم جديد وبلاعبين مغمورين، في مقدمتهم الهداف بوحربيط وأسماء أخرى صنعت الحدث في البطولة الوطنية، كما يمكن الحديث عن تجربة مولودية باتنة مطلع الألفية الحالية، بفضل بعض الجهود التي تمت في الفئات الشبانية، إذ أن التجربة الأولى كانت موسم 2004-2005، في عهد الرئيس عزيز محمدي، حين تم ترقية أغلب لاعبي الأواسط الذين نشطوا نهائي كأس الجمهورية، وتمكنوا حينها من إعادة الفريق إلى القسم الثاني بعد موسم واحد من سقوطه إلى بطولة ما بين الرابطات، وتكرر المشهد موسم 2010-2011، في عهد الرئيس مسعود زيداني، حيث لجأ المدرب جمال بن جاب الله ربيع 2010 إلى الاستثمار في العناصر الشابة، بعد مغادرة أغلب الركائز، تزامنا مع رهن الفريق لحظوظه في البقاء ضمن حظيرة القسم الأول، وكانت النتيجة أن برز جيل جديد عرف كيف يخطف الأضواء ويحتل متربة مشرفة بأدنى الإمكانات، بقيادة ليتيم وبيطام وزياد وهزيل وعليلي وبلهادي وغيرهم من اللاعبين الذين أثبتوا صحة إمكاناتهم، وردوا بطريقة أو بأخرى على سياسة التهميش الممارسة من قبل رؤساء الأندية ضد المواهب الكروية الواعدة.

المال العام أفسد طبائع المسيرين والأندية غرقت في مستنقع الفساد الكروي

والواضح أن سياسة التسيير التي لا يزال يعتمد عليها رؤساء الفرق قد أثبتت فشلها من جميع النواحي، خاصة في الشق الفني، بعدما أصبح هدف الكثير منهم هو استغلال المال العام في صفقات خاسرة وأخرى مشبوهة، وهمهم الكبير هو جلب لاعبين بالملايير وفي النهاية يكونون بعيدين عن مستوى طموحات الأنصار ومتطلبات الأندية، وهو ما يؤكد حسب بعضهم بأن رؤساء الفرق تسببوا في إغراق أنديتهم في مستنقع الفساد الكروي، مادام أن همهم الكبير هو مصالحهم الخاصة على حساب مستقبل أنديتهم، وهو ما يترجم غياب الاهتمام على مستوى الفئات الشابة، وحالة الإهمال المتعمدة في هذا الجانب، والنتيجة هو القضاء على أحلام مواهب بمقدورها الذهاب بعيدا، بسبب اللجوء إلى الحلول الجاهزة، والمتمثلة في جلب لاعبين مقابل أموال باهظة بعيدا كل البعد عن المعايير والمتطلبات الفنية، ما يجعل أغلب الفرق تخيّب فوق الميدان وتخسر الرهان من حيث الحصيلة الكروية، والأكثر من هذا تغرق في أزمة المديونية التي تعيدها سنوات طويلة إلى الوراء.

مقالات ذات صلة