هكذا كانت لحظات أخذ عينة من النخاع!
خبر أشبه بالموت ومرارته ولونه الأسود، ذلك الذي يقذفه الطبيب في أذن المريض، حين يصارحه بأنه مصاب بمرض خبيث قد لا يرجى منه شفاء، وقبل أن ينهي الخبر القاتل، يطلب منه أن يتحلى بالصبر ويتدثر بالأمل فربما تمكن جسده من المقاومة وانتصر على الداء، في تلك الأثناء، يكون المريض قد دخل في مرحلة من اليأس الذي لا يدع أي ثغرة ينفث منها الأمل إليه.
هذا ما يحدث في الغالب مع أي مريض أثبتت الفحوصات والتحاليل أنه مصاب بالسرطان، ولكن الله برحمته الواسعة، يعينه على أن يستجمع قواه التي بعثرها الخبر لكي يواصل المسير في رحلة المرض، حتى وإن لم يكتب له الشفاء.
فاطمة الزهراء، امرأة في مقتبل العمر، شاء الله أن تصاب بالسرطان، فبدأت مسيرة العلاج بعزم وقوة حتى يخيل لمن يراها أنها لا تعاني من أي مرض، بل إنها تروي لحظات أخذ عينة من النخاع بطريقة تجعل المستمع لها يخجل من نفسه وهو ينثر شكاويه الفارغة في كل مكان، ويلقيها على مسامع أي كان.
ذكريات مع إبرة النخاع
في رحلتها مع السرطان، تستذكر فاطمة الزهراء لحظات أخذ عينة من النخاع بروح مرحة، ورضا بقضاء الله، حيث تقول: طلبت مني الطبيبة قبل يوم شراء إبرة لتقوم بأخذ عينة من النخاع فلم أجدها يومها، ذهبنا في الصباح إلى المستشفى، بعد أن قضيت الليل وأنا أطالع في النت عن عينة النخاع وكيفية إجرائها، وحمدت الله بعدها أنني لم أرى شكل الإبرة إلا في اليوم الذي ذهبت فيه للطبيبة، حيث طلبت من خالي أن يبحث لي عنها في الصيدليات المجاورة للمستشفى فأحضرها لي، أمسكتها واندهشت، كان سمكها أكثر من القلم، واستغربت وقلت وقتها يا الهي ما هذا؟!هل ستخترق هذه الإبرة عظمي؟!؟
ذهبنا للمستشفى، وحين جاء دوري، ودخلت لمكتب الطبيبة، وطلبت من أمي أن تنتظرني في الخارج كي لا أتوجع مرتين، سلمت على الطبيبة وسألتها أين ستكون العينة وهل ستخترق الإبرة عظمي؟ فقالت لي سنجريها في منطقة الحوض، وأضافت: أعلم أنك تخافين، ولكن تشجعي، وأعطتني إبرة مخدرة في المنطقة، وأدخلت الإبرة المخصصة للعينة، أقسم بالله أني أحسستها مثل سكين اخترق لحمي، فانتفضت من السرير ففهمت الطبيبة أن الأمر سيكون شاقا علي وقالت لي: لم أبدأ بعد.
هدأت بعدها، وبدأت الطبيبة في حفر العظم وأنا أشعر كأن سكاكين تغرز في عظمي، أردد (يا رب.. يا رب ) والطبيبة تصبرني وتقول لي: نعم أكملي يا فاطمة وقولي يا رب اشفيني، يا رب هون علي.
وفجأة أحسست أن فم جف من الريق بمعنى الكلمة، والألم يزداد كلما حفرت في العظم، أمسكت بيدها ولم أتركها تكمل عملها، وقلت لها أريد الماء سأموت، وربما هي خطة “فطومية” لأخذ استراحة من الألم، قالت لي الطبيبة: يا فاطمة، تمسكين يدي وتريدين الماء؟ لقد اقتربت من النخاع لم يبق الكثير، دعيني أكمل بسرعة.
تركتها أكملت، وقلبي وجسمي يعتصر ألما، استخرجت العينة وضمدت بعدها الجرح وأحضرت لي كوب ماء، وقالت لي: سامحيني يا فاطمة، سامحيني أوجعتك، خجلت منها وقلت لها: بل سامحيني أنت، لأني والله لم أر في حياتي طيبتها.
واستعدت بعضا من قوتي ونهضت من على السرير، وأنا شبه قادرة على المشي، وكان وقتها قد ازداد خوفي من السرطان وقلت لطبيبتي: هذه بداية مؤلمة، فكيف سأتحمل الآتي من علاج كيماوي وغيره، لكنها طمأنتني أن عينة النخاع هي أصعب شيء في رحلة العلاج،
وبدأت تمازحني قائلة: يا فاطمة، عظمك أتعبني في الحفر، ما نوع النظام الغذائي الذي أخذته في صغرك، فقلت لها إنه حليب أمي حفظها الله، وحليب طبيعي مع التمر أدمنتهما منذ صغري.