الجزائر
دراسة موثقة لمؤرخين فرنسيين تعري بشاعة الاستعمار

هكذا كان جيش الاحتلال يخطف الجزائريين ويصفّيهم خارج القانون

محمد مسلم
  • 1067
  • 0
أرشيف

كشفت دراسة أعدها مؤرخون فرنسيون كيف حوّل الاستعمار الفرنسي، الاختطاف والتغييب أو “الإخفاء القصري”، إلى سلاحه المفضل ضد الشعب الجزائري خلال الثورة التحريرية، بهدف كسر عزيمته وثنيه عن دعم الجهاد من أجل طرد جيش الاحتلال الفرنسي.
الدراسة من إعداد المؤرخين فابريس ريسبوتي، ومليكة رحال، وقد وقفت على الجرائم الممنهجة التي كان التنسيق بشأنها قائما بين الإدارة الاستعمارية وجيش الاحتلال ممثلا في فرقة المظليين تحت قيادة المجرم الجنرال ماسو، على مستوى الولاية الرابعة التاريخية، وبالضبط في العاصمة خلال ما يعرف بـ”معركة الجزائر”.
وتشير الدراسة إلى أنه على مدار سنة 1957، كانت محافظة العاصمة ترسل كل أسبوع حزمًا من الوثائق إلى الجنرال ماسو، تتضمن استمارات بها اسم ولقب الشخص، العمر، العنوان والمهنة، وتاريخ وظروف خطفه من قبل جيش الاحتلال، بالإضافة إلى اسم أحد أفراد عائلته، بزعم إبلاغه عندما يتم العثور عليه.
ووفق الدراسة ذاتها، فإنه وخلال عام واحد، أصدرت المحافظة 2039 من هذه الاستمارات، في انتظار إجابات من الجيش عن مصير الشخص المعني. وكان الانتظار عبثًا في غالب الأحيان، تضيف الدراسة، لأن 70 بالمائة من الحالات، لم يُجب الجيش عليها، أو كانت ردوده “غير صالحة” أو “غير مُرضية”. وعادة ما تكتب الردود على النحو التالي: “ببساطة، لم يعد من الممكن بالنسبة إلي، ومنذ فترة طويلة، إخبار محام واحد إذا كان موكله ميتا أم حيا”.
فكرة التحقيق الذي أنجزه المؤرخان انطلقت من ملف “المختفين المحتجزين” الذي أبلغت عنهم عائلاتهم في سنة 1957، والمحفوظ اليوم في مصلحة الأرشيف الفرنسي لما وراء البحار.
وتشير الدراسة إلى أنه في 7 يناير 1957، أعطت حكومة غي مولي تفويضًا مطلقًا للجنرال ماسو لاستعادة النظام الاستعماري في الجزائر العاصمة، الذي بات مهددا بالفعل بشكل خطير منذ خريف 1956، نتيجة تنامي نفوذ الثورة التحريرية على مستوى العاصمة، كما في بقية مناطق الوطن.
القمع بعدها بلغ مداه بوصول عدد المحتجزين في المعسكرات إلى 20 ألفا في العاصمة، وذلك بعدما تم إعفاء الجيش من جميع القيود القانونية بهدف إنجاح العملية الهمجية، حيث فسح له المجال لدخول المنازل والتفتيش والاعتقال والاحتجاز والاستجواب، حسب ما يراه مناسبًا، تقول الدراسة، وهذا دون الحاجة لتقديم شرح لأحد حول دوافع هذه العمليّات، وعن هوية ومصير “المشتبه فيهم” المعتقلين، فيما تم السماح بتعميم التعذيب والاغتصاب وعمليات الإعدام، التي يليها عادة إخفاء الجثث أو تحليلها.
وفي يناير وفبراير1957، خلال قمع الإضراب الذي نظمته جبهة التحرير الوطني، يؤكد المؤرخان، تعرّض كل الأحياء المسلمة – وليس القصبة فقط – لمداهمات وعمليات خطف مستهدفة، تتم في أغلب الأحيان ليلاً وبوحشية متفاخرة، مخلفة وراءها الأبواب المحطمة، السرقات، العنف ضد الأقرباء، وأقوال تقشعر لها الأبدان حول المصير المشؤوم الذي ينتظر الشخص الذي ألقي به في شاحنة مغطاة، غالبًا ما يكون على متنها مخبر ملثّم، يلقّبه الشهود بـ“بوشكارة”. وكان الاختطاف يتم أيضًا على الطريق العام أو في مكان العمل، ولا يستثنى منه المراهقون وكبار السن، ولم يخرج منهم من بقي على قيد الحياة حتى عام 1962.
وتنقل الدراسة بعض الشهادات التي جمعها المؤرخان، “كيف جابت الزوجات والأمهات المدينة بحثًا عن سجينهن المفقود، وأحيانًا يتوقفن لساعات أمام تلك الأماكن، على أمل رؤيته أو الحصول على معلومات. ينجحن أحيانًا، لكن يحدث أيضًا أن يتم طردهن بعيدًا أو أن يخبرهن جندي بقسوة أنه لم يعد هناك أمل. يمكن للمحتجزين المفرَج عنهم تقديم معلومات. وفي بعض الأحيان، تتلقى العائلات رسائل من أقاربها، وقد يزورونهم في أحد المعسكرات لفترة من الوقت، ثم فجأة تنقطع الأخبار. وبالنسبة للعديد من العائلات، لم يتبدّد الأمل في ظهور المفقود إلاّ بعد وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962، عندما أفرجت المعسكرات عن الآلاف من السجناء.. ولم يعد المختفون”.
يؤكد المؤرخان أن عائلات المختفين قسريا كتبت كثيرًا إلى الإدارة الاستعمارية في العاصمة، إلى الوزير لاكوست، إلى الجنرالات سالان وماسو، وإلى سوزان ماسو2، وإلى رئيس أساقفة الجزائر العاصمة، وإلى جميع السلطات في العاصمة الفرنسية. إلا أنه نادرا ما كانت رسائلها تتلقّى ردودا.
ما تم التحقق منه استنادا إلى هذه الدراسة، هو أنه تم تحديد نحو 400 حالة اختفاء نهائي، من أصل تقريبًا 1200 حالة، تم الإعلان عنها. لقد نجحت عمليّات الإخفاء جيّدًا، إلى درجة أن لا أحد يعرف اليوم العدد الإجمالي “للمختفين في معركة الجزائر“.

مقالات ذات صلة