جواهر

هكذا نختار المدارس لأبنائنا في الغربة؟!

تسنيم الريدي
  • 6731
  • 1
ح.م

السنة الأولى في الغربة من أصعب الفترات في حياة الأسرة والأبناء إلى حين الاستقرار والتعرف على المجتمع المحيط وبداية الاندماج معه، ويعتبر اختيار المدارس من أصعب القرارات التي تواجه الآباء، خاصة لمن لم يحددوا معايير وشروط المدرسة ويبحثون بشكل عشوائي بعد سفر مفاجئ.

المدرسة المناسبة لشخصية الطفل

تواصلنا مع الآباء والأمهات المغتربين، فتقول إسراء تونسية الأصل تقيم في تركيا :” فور سفري كان يجب أن أبحث عن مدرسة باللغة العربية ولم أجد إلا المدرسة العراقية، حيث اندمج أبنائي بسرعة، ولم يتم التعامل معهم بعنصرية، وبعد عامين من الغربة بدأ الأبناء في التأقلم واكتسبوا جزء من اللغة التركية خلال معاملاتهم اليومية، فنقلتهم لمدرسة تركية، لكن أحدهم لم يتأقلم نهائياً، وهذا يعود لطبيعة شخصية الطفل في تكوين واكتساب الصداقات”.

وتضيف رشا من الجزائر وتقيم بالولايات المتحدة: ” قررت أنا وزوجي من البداية أن نختار المدارس الإسلامية، ليس فقط من أجل تعليم القرآن واللغة العربية، إنما ليتواجد الأبناء في بيئة إسلامية، فالمدرسة تربط كل التعليم بواقع الحياة من زاوية إسلامية، ويهتموا بجوانب العقيدة التي قد تذوب في المجتمع الأمريكي إن لم ينتبه عليها الآباء، فمثلاً في حصة العلوم يركز المعلم على قدرة الله في خلق الكون، والتي لن تهتم بها أي مدرسة أمريكية، كما أن زملاء الأولاد سيكونون بنفس العقلية وبمبادئ متقاربة، فلن أجد صعوبة في تربية الأبناء ومحاربة القيم الخارجية، ولن يشعر الأطفال أنهم مختلفين”.

الغربة في العالم العربي الضريبة أقل

ويختلف الوضع في دول الخليج العربي حيث تقول زهراء: ” يتعلم الطفل الكثير خلال العام الأول من الغربة، اخترت المدرسة البريطانية، ففيها جنسيات كثيرة لا تشعر الطفل بأنه مختلف، فوجود طفل واحد عربي مثلاً وسط أطفال كلهم من جنسية أخرى يترك هذا الإحساس خاصة إن كان التفاهم بينهم صعب لاختلاف اللغة، لكن أبنائي تأقلموا خلال شهرين في الدراسة، لكنهم لم يكونوا صداقات بشكل جيد، علاقات عادية لكن لم يكن لديهم حاجز اللغة أو الدين، والآن سأنقلهم للمدرسة الباكستانية التي تدرس نفس المنهج وبسعر أقل”.

وتختلف معها أزهار من العراق والتي تقيم في فرنسا قائلة:” لا أعتقد إني سوف أعود إلى العراق قريباً، لذلك فضلت أن يندمج الأولاد في المدارس الجزائرية والتي تعتمد اللغة الفرنسية كلغة أولى، ويتحدث بها المجتمع الجزائري بدلاً عن المدرسة الصرية والمدرسة السعودية، انطوى ابني الأكبر لمدة عامين، وفقد ثقته بنفسه، فهو لا يفهمهم ولا يفهمونه، وفقد تفوقه الدراسي ما عدا مادة اللغة العربية، لكنني عوضت ذلك بدراستي السريعة للغة الفرنسية، وإحضار معلمة في البيت، وكذلك عوضت عنه عدم توفر الأنشطة الترفيهية في المدرسة ، بالخروج والتنزه وممارسة الرياضة، لكن بشكل عام مرت 3 سنوات، لكنني أخشى أن ننتقل لأي دولة أخرى وابني لا يدرس اللغة الانجليزية”.

تعلم اللغة الأم

أما بخصوص الاهتمام باللغة العربية تتفق معها أروى من مصر وتعيش في تركيا قائلة: ” بما آن أولادي في مرحله التأسيس فقررنا أن يتعلموا أولا لغتنا الأم بحيث يتقنوها، بالإضافة للغة الانجليزية، ولكن لم نجد في غربتنا مدرسه بتلك المواصفات، فبالتالي قررنا اختيار البيئة التي تتفق مع قيمنا، آي أن أولوياتنا في اختيار المدرسة كان للبيئة المحافظة ثم فاضلنا في المنهج، مع التعويض الدراسي من خلال كورسات منفصلة، واخترنا المدرسة العراقية والتي سيستمر بها الأبناء حتى الصف الرابع الابتدائي، ثم سننقلهم للمدارس التركية المناسبة لظروفنا من بيئة إسلاميه ومستوي علمي، خاصة أن اللغة التركية سهلة الإجادة خلال 6 شهور”.

إنما د.أمجد – من ليبيا والمقيم في كندا-  فقد فضل الجمع بين مدرستين حيث يقول: ” أبنائي في المرحلة الابتدائية، ويجب أن يتعلموا اللغة الانجليزية ويندمجوا في المجتمع الكندي، لذلك اخترت لهم مدرسة كندية قريبة من المنزل ليسهل على والدتهم متابعتهم، وفي أيام العطلة قدمت لهم في مدرسة لبنانية – غير نظامية –  ليحافظوا على اللغة العربية، لكن يعاني الأبناء من العنصرية لكن يجب أن يتأقلموا”.

المدرسة مجتمع الطفل

وعن المعايير الصحيحة لاختيار المدارس في الغربة تقول د. نهال السعيد الأستاذ المساعد بكلية التربية بجامعة الشارقة: ” اختيار المدرسة من الأمور المهمة، فالطفل يقضي فيها ساعات طويلة، يتعرف خلالها على المجتمع، ويكتسب العادات والسلوكيات، يخرج فيها طاقاته وإبداعاته، ويكتشف مواهبه ويتعلم ويبني مستقبله.

وفي الغربة يجب أن يزور الآباء المدرسة أكثر من مرة، والسؤال عنها فتغيير المدرسة أمر خاطئ يؤثر على نفسية الطفل خصوصاً في المراحل الأولى من العمر، لذلك يجب تحري الدقة، ويجب أن يتوافر في المدرسة عدة شروط:

1- أن تهتم المدرسة بالجانب التربوي والترفيهي للطفل.

2- أن تهتم المدرسة بآلية التواصل الفعال مع أولياء الأمور خاصة من غير أهل البلد.

3- أن يتأكد الآباء أن المعلمين ذوي خبرة وشهادة علمية.

4- مراقبة أخلاق الطلاب، كاختيار مدرسة مناسبة للفتاة المراهقة تساعدها على الحجاب، لا أن تكون المدرسة تقر بالصداقة بين الجنسين وتترك لهم الحرية في العلاقات، أو أن لا تهتم المدرسة بملابس الطالبات، ففي مرحلة معينة لن يستطيع الأهل التحكم في ابنتهم.

5- تنوع الجنسيات يقلل فرص انطواء الطفل، وستجعل المقارنة عادلة مع الطفل.

6- اختيار مدرسة تتبع منهج دراسي بلغة يجيدها الآباء، وتكون الأقرب للنظام التعليمي للبلد الأم، ففي حين العودة لا يضطرب الطالب، ويستطيع استكمال دراسته.

7- تعرف الآباء والأمهات على أولياء الأمور الآخرين فرصة لتكوين علاقات جديدة، ومساعدة الأبناء على سرعة الاندماج.

8- من المفيد تعلم الأبناء اللغة الجديدة للبلد التي ستسافر إليها الأسرة قبلها بستة أشهر، وضرورة تعلم الوالدين اللغة حتى لا يكونوا بمعزل عن الأبناء.

9- السن الأنسب لالتحاق الطفل الجديد يكون من عمر الرابعة، خاصة في البلاد الغربية حتى يكتسب اللغة بشكل أسرع، مع الاهتمام باللغة العربية

 الحالة النفسية المرافقة للتعلم

 ويتفق معها د.وليد وصفي استشاري الطب النفسي، وعضو الزمالة العربية في الطب النفسي، واستشاري المركز العربي للدعم النفسي و الاجتماعي (معاً) التابع لاتحاد الأطباء العرب متحدثاً عن الوضع النفسي للطفل المغترب قبل اختيار مدرسته قائلاً: ” الأطفال ليست كائنات ضعيفة كما يعتقد الكثير منا، بل الأطفال عموما لديهم ما يعرف بالمرونة النفسية، وهي القدرة على التعامل بايجابيه وكفاءة مع التغيرات والضغوط الحياتية، وبالتالي فإننا كآباء و كأمهات مطالبين اتجاه أطفالنا المغتربين معنا حين نتعامل مع قضايا تعليمهم ودراستهم في الغربة أن ندرك إننا في الأساس نلعب مجرد دور تسهيلي ووقائي للحفاظ على صحتهم النفسية أثناء التعليم، ونترك مرونتهم وصمودهم النفسي يكمل مسيرة تكيفهم مع الوضع الجديد”.

ونستطيع كراشدين أن ندعم هذه المرونة عن طريق:

ـ منح الطفل قدرا كافيا من الرعاية والاهتمام: فلا نجعل تجربة الاغتراب بمثابة كارثة ألهتنا وشغلتنا عن الاهتمام بطفلنا ورعايته، فيضطر وقتها طفلنا أن يكوّن انطباعا سلبيا عن تجربة الاغتراب، ويتدهور وضعه الدراسي.

ـ وضع وتوصيل توقعات عالية: فكثير منا دون قصد يوصل لطفله انه مثلا ليس متوقع منه آن يحقق نتائج دراسية مرتفعه نظرا للظروف التي تمر بها الأسرة، وهذا التصرف قد يضعف ويقلل من التوقعات الايجابية لطفلنا تجاه نفسه دون داع.

ـ إتاحة الفرصة لطفلنا للمشاركة الفعالة: فعلى قدر استيعاب أطفالنا بحسب أعمارهم من المفيد جدا لهم ان نشركهم في التفكير معنا في مشاكلنا وان نأخذ رأيهم في قضايا تخصهم مثل انواع المدارس والمناهج المتاحة.

ـ وضع حدود واضحة: فمن المفيد لأطفالنا نفسيا ألا تكون تجربة الاغتراب أو الانتقال للدراسة في مدرسة جديدة مدعاة لربكه في منظومة الحدود المفترض تواجدها مثلا في وقت النوم أو مدة المذاكرة أو فترة اللعب أو نوعية الطعام أو شكل العلاقات وفقا لخلفيتنا الثقافية والدينية بقدر الإمكان.

ـ تعلم مهارات الحياة: كثير من الآباء والأمهات المغتربين يصبون جل اهتمامهم تجاه أطفالهم في غربتهم على قضية دراستهم وتعليمهم وحسب؛ وقد نسوا أهمية مهارات الحياة اليومية لاستقرار أطفالهم نفسيا مثل مهارات التواصل ومهارات اللعب والاستمتاع ومهارات الرياضة، ومهارات الثقافة والترفيه والمغامرة والبحث والاكتشاف وغيرها.

وبهذا يتعلم الطفل أن هناك مبادئ ومواقف ثابتة في حياته مؤمنا بها وملتزم بها فيما يشبه التعاقد بينه وبين نفسه، ويتعلم انه بحاجة أن يكون هو القادر على التحكم في أحداث حياته وليس العكس، كما يتعلم الطفل أن ينظر إلى مصاعب الحياة – والتعليم أهمها-  باعتبارها (تحديات) وليست (تهديدات).

تعليم لا يجور على حق الترفيه

وعن رأيه في معايير اختيار المدرسة في الغربة يضيف قائلاً: ” حاول أن تختار لطفلك في بلد الإقامة الجديدة مدرسه تهتم بالتربية وتنمية المهارات وليس فقط بالتعليم، وأن يكون لها تاريخ سابق في  حسن التعامل مع أطفال من ثقافات مختلفة و بلغة أم مختلفة؛ (تعامل عادل و محترف)، وأن تكون مدرسه بها مناهج لدعم المرونة النفسية لدى الأطفال.

لكن إذا ما اضطرتنا الظروف لإدخال أطفالنا مدارس لغة التعليم فيها غير مألوفة بالنسبة للطفل فعلينا مراعاة التالي بقدر الإمكان:

ـ تذكر أن الصعوبة ستكون لأطفالنا في المراحل التعليمية المتقدمة (الثانوية مثلا) أكثر بوضوح من المراحل الأولى.

ـ محاولة دعم طفلنا أكاديميا بدروس اللغة الإضافية ودروس التقوية في المواد الأخرى، حتى لو كانت في فترة الإجازات لكن دون أن تجور على اللعب والترفيه والراحة.

ـ تذكير أطفالنا بأن اللغة في الأصل ممارسة وليست أكاديمية فقط وبالتالي يجب أن يكون صداقات ومعارف.

ـ تذكير أطفالنا أن الوقت دائما معنا لا علينا؛ فكل يوم يمر تقل المشكلة ولا تزيد.

ـ تذكير أطفالنا أن ما يواجهونه من صعوبة يجب أن يأخذونها كتحدي يستحث حماسهم وإقبالهم لا كتهديد يشعرهم بالخطر والفشل والإحجام.

ـ تذكير أطفالنا أن تواصلهم مع غيرهم ليس محدودا فقط في لغة اللسان؛ بل هناك أيضا لغة الجسد ولغة المشاعر، وأن اختلافه عن من حوله عامل جذب لا عامل تنفير.

ـ ذكر طفلك أنه قد يكون على اختلاف مع من حوله الآن ولكنه بالتأكيد ليس على خلاف معهم.

لكن سيظل نسبة بسيطة من أطفالنا (حوالي 10%منهم) بعد كل ذلك عرضة بدرجات متفاوتة للمرور بمعاناة حدوث اضطرابات نفسيه لها علاقة بملابسات الاغتراب والحياة الجديدة مثل (اضطرابات التكيف) و( اضطرابات الصدمة) و( اضطرابات الوجدان) و(اضطرابات القلق) وغيرها، وهنا يحتاج الأمر إلى التدخل العلاجي بإبعاده الحيوية “الكيميائية” والنفسية والاجتماعية، وهذا التدخل العلاجي وقتها سيسفر عن نتائج ايجابية.

مقالات ذات صلة