هكذا يجازف رجال الحماية المدنية بأرواحهم لإنقاذ الحيوانات
عندما أتت حرائق غابات عين ميمون بولاية خنشلة، على رئة المنطقة، من أخضر ويابس، في شهر جويلية من سنة 2021، في أعنف دمار بيئي رهيب، علق في أذهان الناس، تلك الدموع الحارة التي ذرفها رجل مطافئ، وهو يجثو على ركبتيه، امام أطلال عش من صغار العصافير المتفحمة، برفقة أمهم في منظر هز الناس، تماما كما هزتهم تلك الأشجار المندثرة، بفعل اللهب، وتحوّل أخضرها اليانع إلى سواد داكن.. عفوا إلى اللاشيء.
هؤلاء الذين يحملون خراطيم المياه ويجابهون النيران لإنقاذ الناس والنبات، تجد قلوبهم أيضا رهيفة إذا تعلق الأمر بالحيوانات البرية والمتوحشة، والطيور، وفي كل الظروف والفصول والتقلبات الطبيعية، مثل الحيوانات الأليفة التي تجرفها السيول والفيضانات أو تتعبها الحرارة الشديدة في شهر أوت، وقد مكّنت وسائط التواصل الاجتماعي من متابعة بعض المشاهد الرائعة، لرجال الحماية وهم يسقون حماما من الماء، في عزّ حرارة أوت أو يستعملون فريقا من الغطاسين لإنقاذ هرّة تكاد تبتلعها السيول أو تحاصرها الثلوج، في عز برد ديسمبر.
مجازفة لا طائل منها؟!
الشروق اليومي، رافقت رجال الحماية المدنية في بعض الخرجات الإنسانية، لإنقاذ الحيوانات، وعاشت تلك المغامرات المليئة بالإحساس، في ولايتي باتنة وخنشلة نموذجا لبذل رجال الحماية في كل الولايات. تقدم يوميا وحدات وفرق الحماية المدنية، عبر ربوع ولايات الوطن، إحصائيات لأرقام تتعلق بتدخلات الجهاز، من إنقاذ رضيع، إلى انتشال غريق، وإخماد حريق، كلها تندرج ضمن المهام الروتينية، فكان الإجماع على أن رجال الحماية المدنية، هم من يزرعون الحياة، أينما حلوا، وحيثما كان الخطر، على البشر أو على ممتلكاتهم، أو على الحيوان بريّا أو وحشيا كان أو أليفا، المهم بالنسبة إليهم محاولة إنقاذ وحماية وفقط.
عندما يفر الجميع من الفاجعة من النار أو الماء، تجدهم يسارعون إلى عين المكان وفي زمن الواقعة، وأحيانا تجد المستنجد لا صوت له، غير المواء أو الزقزقة أو النباح، أصوات حيوانية تجد الاستجابة من رجال السلام، من فرق ووحدات للحماية المدنية، وللأسف فإن البعض يرى ذلك مضيعة للوقت، ويعتقد البعض الآخر بأنها مخاطرة بالنفس، وإهدار للجهد لا طائل منهما، لكن في حقيقة الحال، كما يقول أحد المواطنين بعد تتبعه لتدخل لإنقاذ هرّة علقت في عمود كهربائي بمنطقة أنسيغة بولاية خنشلة، بأن نبل مهام هؤلاء الرجال، الإنساني يتعدى في بعض الأحيان، تلك التدخلات الروتينية، التي تنقذ الأرواح البشرية والممتلكات، من حوادث طرقات، حرائق، إسعافات لكبار السن ومرضى ونساء حوامل، تحسيس، ووقاية.
هي صفحة أو رحلة أخرى، من يوميات تدخلات رجال الحماية، حيث يخاطر هؤلاء بحياتهم وأرواحهم من أجل إنقاذ كل روح ونبض، في تلك الحيوانات باختلاف أنواعها وأحجامها من طائر بترت قدماه إلى ضبع تائه في الغابة، رحلة إنقاذ أصبحت في السنوات الأخيرة، تأخذ فعلا حيزا واسعا وكبيرا، من يوميات رجال الحماية المدنية، وفي تدخلاتهم وعبر حصيلة أرقامهم التي تتعدد بتعدد الظروف والمواقع، بين الأماكن الشامخة والشرفات، والأشجار والمنحدرات، وفي قلب البحار، من أجل إنقاذ حيوان في درجات حرارة دون الصفر، أو تلك التي قاربت الخمسين في محرقة الصيف.
بالعودة إلى لغة الأرقام، وجدنا أن مديرية الحماية المدنية، بولاية خنشلة، وخلال الفترة الممتدة من الفاتح جانفي إلى 25 نوفمبر، قد أحصت 43 تدخلا يتعلق بإنقاذ الحيوانات، و131 تدخل مماثل تم إحصاؤها، في تدخلات الحماية المدنية بولاية باتنة، أغلبها تتعلق بالسقوط في بئر، أو الغرق في مجمع مائي، أو حيوانات عالقة فوق الأشجار، أو على عمارة.
وأكثر الحيوانات التي يتم نجدتها هي القطط، الكلاب، الأبقار، والماشية عموما، وفي الغالب أيضا يتم طلب النجدة من المواطنين ولا يتعلق الأمر بحيواناتهم وإنما أيضا بحيوانات ضالة، كلها طلبات نجدة، يتعامل معها هؤلاء الأبطال، على أنها أرواح تنبض قلوبها، ويتم إسعافها بإنسانية لا تتصور، وبإحساس وشعور لا يقاس، يُسخّر لها تعداد وعتاد، لا يختلف عمّا يسخر للإنسان عند كل خرجة أو تدخل.
مشاهد تحبس الأنفاس!
وقد حضرت “الشروق” مشاهد تحبس الأنفاس، لبقرة سقطت في بئر بمنطقة المعذر بولاية باتنة، بمجرد أن تم استخراجها حية ترزق، حتى كسر صمت المكان، عاصفة من التصفيق، أو كما حدث في ولاية خنشلة عندما علقت قطة صغيرة في عمود كهربائي من الضغط العالي، وكانت جموع المواطنين وأغلبهم من الأطفال الرهيفة أحاسيسهم وقلوبهم تدعو للهرة بالسلام، تتابع المغامرة، إلى أن ضبط رجال الحماية ظروف تسلقهم العمود الخطر، وعادوا إلى الأرض، بالهرة سالمة، بين دموع فرح الصغار وتكبيرات الكبار.
يبتسم النقيب عادل مساعدية، رئيس خلية الاعلام والاتصال، بمديرية الحماية المدنية، بولاية خنشلة، وهو يحدث “الشروق” في الموضوع، ويشير إلى أنه يلاحظ دائما روحا مميزة، وغير مألوفة، لدى أعوان الحماية المدنية، ومن مختلف الرتب، عند كل تدخل، يعلم العناصر بأنه يتعلق بإنقاذ حياة حيوان، بل إنه في الكثير من المرات ما يتكفل الأعوان المتدخلون، بالحيوان المُنقَذ، طبعا من الحيوانات الأليفة على غرار الطيور، القطط، أو الكلاب الصغيرة.
ويكمل محدثنا كلامه المدعوم ببعض النماذج القريبة زمنيا، عندما يصف صاحب الحيوان المنقذ، ورد فعله في أثناء التدخل أو بعد الإنقاذ، بأنه لا يختلف عن إنقاذ إنسان في تدخل عاجل أو أشجار في حريق مهول، ويتصرف هؤلاء الأعوان بعفوية لا تصدق، مشيرا هنا على سبيل المثال، حادثة إنقاذ أعوان الحماية المدنية، بمدينة بوحمامة بولاية خنشلة نهاية الأسبوع الماضي، عنزة، سقطت داخل بئر تقليدية، بقرية أولاد سي موسى، وبعد التدخل الناجح للعناصر، سارعت صاحبة العنزة، إلى إعداد “الطمينة” ووزعت على الجيران والمنقذين، وكل من حضر التدخل في احتفالية قروية أوراسية، قبل أن يكشف عن إحصاء 43 تدخلا منذ بداية السنة، على مستوى ولاية خنشلة، خاصة بإنقاذ الحيوانات، سجلت بكل من منطقة الرميلة، والحامة، وطامزة، وشلية، وبغاي، وعين الطويلة وأنسيغة.
تسخير كل الإمكانات
من جهته، تحدث رئيس خلية الإعلام والاتصال بمديرية الحماية المدنية بولاية باتنة لـ”الشروق اليومي”، عن إحصاء 131 عملية خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة الجارية 2024، تتعلق بإنقاذ حيوانات من الآبار، والمسطحات المائية، ومن أعالي البنايات وسجلت في كل بلديات الولاية ومن دون استثناء، تعامل معها رجال الحماية المدنية، كغيرها من التدخلات، من حيث السرعة، واستعمال العتاد المتنوع، وتدعيم الفرق، كلها تتم بشكل عفوي وشخصي كجانب إنساني.
قدّم لنا رجال الحماية فيديوهات مؤثرة، عن تدخلات في قلب غابة أو محمية بني صالح في ولاية قالمة، ورجال الحماية يخطفون خطفا، قطيعا من حيوان الأيل البربري المهدّد بالانقراض، لأجل إنقاذه من نار مستعرة، حوّلت كل شيء يتحرك إلى رماد وفحم، وعناصر أخرى في ولاية جيجل كانت تستدرج قردة، غير بعيد عن منطقة زيامة منصورية لأجل ترك الغابة والأشجار المشتعلة وركوب سيارة الإطفاء للنجاة من النار، كما طالت عمليات الإنقاذ كل الحيوانات الموجودة في الغابات والبراري من ثعالب وضباع وأرانب برية وذئاب، على أمل أن تندثر النيران ولا تندثر الطبيعة، كما قال أحد رجال الإطفاء.