الرأي

هكذا يرد مالك بن نبي على شارلي إيبدو

صالح عوض
  • 3094
  • 0

الموضوع ليس وليد الساعة.. انه الصراع الحضاري المسكون به ضمير الغرب ومؤسساته.. انها العملية غير المتوقفة لتحطيم رموز الأمة وهويتها.. ولئن جاءت الإساءة المباشرة لنبي الاسلام على صفحات شارلي وأخواتها في الغرب فإن القتل والإبادة والتخريب يسير بوتيرة متصاعدة ضد الأمة.. من هنا كان لابد ان نعيد قراءة مالك بن نبي أحد أهم أعلام الأمة فضحا لمؤامرة الغرب.

ليس مستغربا ان تلد أمة رجالا عظاما وعباقرة في شتى التخصصات مع توفر امكاناتها المادية والمعنوية كما هو حاصل في الدول المتطورة حديثا وقديما.. ولكنه من المستبعد ان تلد أمة مكبلة مقهورة مجهلة منهكة رجالا عمالقة على أعلى مستوى من طراز فريد كما انجبت الجزائر الرواد الجهابذة ابن باديس والابراهيمي وعباس فرحات والورتلاني ومالك بن نبي والعربي بن مهيدي وعبان رمضان وسواهم.. لقد أخرجت الجزائر في عشرين سنة أثقالها فقال الناس ما لها.. اجل ان ربك أراد ان تنبعث الجزائر للحياة وان يعاقب الظالمين الطغاة المفسدين على ما اقترفوا بحق الانسانية ولترتفع قيمة الحق والخير ويتوج المناضلون بالفخار والعز والكرامة.

مالك بن نبي.. هل كنا نحتاجه فعلا؟ وإلى أي حد كنا نحتاجه؟ وهل لازلنا نحتاجه؟ وفيم نحتاجه؟ هذه اسئلة على حاشية مالك بن نبي مفيدة لأنها تحدد لنا جغرافية المفكر وكلامه وقيمة افكاره وفعاليتها.. وهناك اسئلة اخرى لابد من طرحها هنا: هل كان مالك بن نبي مفكرا قطريا مرحليا محددا بقضية محددة يدور رحاها بين الجزائريين والفرنسيين؟ ام ان لمالك بن نبي أفقا اوسع من ذلك يشمل قضايا الأمة كلها من فلسطين إلى النهضة وافكار الحضارة والوحدة والقيم الخلاقة والتصدي للاختراقات المعرفية والفكرية؟ وما هو موقف مالك بن نبي من تفسيرات المقدس المعرفي وثوابت التاريخ التي تحولت إلى أسطورة؟

انشغال مالك بن نبي بمواجهة المعلم اكس الذي يدير المسرحية الكونية عن قرب وعن بعد لم يمنعه من تأمل الجمال والزي والمرأة. كما ان انهماكه في تبيان المخطط الاستعماري لبناء منظومة مفاهيمية فكرية في البلدان المستعمرة حتى تظل رهينة الحالة الاستعمارية لم يمنعه من تدبر القرآن الكريم ويلتقط منه آيات بينات في عملية تحرير الذهن والارادة فيعيد التركيز على قواعد الانطلاق نحو نهضة حقيقية.. ويواصل ليرافق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مهمته يتأمل الأحداث الكبرى التي مرت بها الفكرة الاسلامية ويشرح بعمق النقاط الاستراتيجية التي كانت بمثابة التطور الانساني المتميز.. وكما واصل مسيرته مع الحضارة الغربية وتكوين مجتمعاتها واقتصادها وروح الاستعمار الجنونية التي تحول كل قيمة إلى وسيلة عدوان فإنه رافق كذلك بيقظة وذكاء واقتدار المسيرة الإسلامية من بدر وغار حراء إلى سقوط الأمة الذريع مرورا بصفين وغرناطة وحركات التجديد في الأمة القديمة والمعاصرة، مكتشفا كل ايجابي فيها ومسلطا عليه الضوء ومحذرا من الإتكاء على الضعيف والهش منها.

وعلى كل هذه الجبهات، اعطى مالك بن نبي اجابات معمقة او اسئلة مشرعة بذكاء.. لأن مالك بن نبي ادرك ان المعركة مع المستعمر الفرنسي والانجليزي ليست معركة آنية او جزئية انما هي تمتد في مكوننا الثقافي والحضاري، كما انها تستند إلى اطروحات الغرب وقدراته.. فركز مفهومه بأن المعادلة الاستعمارية تساوي التقاء المعامل الاستعماري ومعامل القابلية للاستعمار.. وان الأمة جسد واحد لا يمكن تحريكها ببرامج وخطط وانما بروح تنبعث فيها وقيم عليا تنظم سيرتها وهدف محدد يدفعها لرسم خطط على هدي من روحها وهدفها وقيمها..

لقد أدرك مالك بن نبي ان المعركة الدائرة بين الأمة اليوم والغرب تستند في احد ابعادها إلى ما حصل في صفين وسقوط غرناطة.. وان الخلل بدأ من هناك بمعنى ان الخلل في القيم والمفاهيم التي تبدلت واصبح لها القوة والقدرة على تغيير معالم المنظومة القيمية الإسلامية..

وفي كل هذه المعركة الواسعة المتعددة والمتنوعة، كانت المعاناة التي تلهب مشاعر المفكر الكبير وتؤرقه وتعصر اعصابه تتمثل في الخمول الذهني الذي اصاب العقل الاسلامي وعدم قدرته على استيعاب المرحلة وشروطها وعدم قدرته على فهم أي المواقع هي الأسلم لانطلاقه فكان مسلسل التجارب والإخفاق هو القائم.. ومن هنا اتجه جهده بكل قوة لينفض العقل الإسلامي ويزيح عنه ما ران عليه من تراكمات وجهالات وخزعبلات.. واستدعى ذلك منه مناقشة اساليب العدو الاستعماري في تفريغ الأفكار الإيجابية ومحاصرتها بأساليب جهنمية واستدعى كذلك مناقشة الأفكار التي ترسبت في العقل الاسلامي.

ادرك مالك بن نبي ان الخطوة الأولى هي الفهم والإداراك وان الطريق الوحيد الذي يوصلنا إلى التحرر والنهصة انما هو فهم انفسنا وتنقية افكارنا من الأفكار الميتة والمميتة وامتلاك افكار للحياة حية مفيدة، ثم معرفة الآخر الذي ربط مصير تقدمه بتخريب محاولاتنا للنهضة.. وان يتمثل ذلك في كيان حي، أي مجتمع يبنى على هدي من فكرة ويتجه نحو هدف وينتج تقاليد لسلوكه وقيما تضبط حركته.

ان هذا النهج في تناول الحديث عن مالك بن نبي انما يقصد رؤية الرجل في أي اطار جاءت عبقريته نضطر إلى سلوك هذا النهج والتركيز عليه عندما نرى ان كثيرين يصرون بحسن نية على جعله في احد ابعاده يختصرون معركته على جبهة منها فيحرمون بذلك قراءه ومريديه وابناء الأمة من الاستفادة من رؤية حضارية شاملة لنهضة الأمة وكرامتها وسيادة منهج الفلاح والتوازن.

فكان بن نبي رائد أمته في كشف الألغام وتجنيب أمته الوقوع في حقولها وبعبقرية فذة استخدم أدوات الفحص والاستشعار فجاءت العملية غاية في الدقة والشمولية وهو في ذلك كله كان يقظا كي لا تخدم افكاره في أي مرحلة كانت في طورها النظري او العملي المستعمرين وخططهم، بل ان التوجس كان اسلوبه الأمثل تجاه كل أمر يأتي من الغربيين الاستعماريين يفنده ويفضحه ويربطه بمقدمات ونتائج تجعل من الغرب متهما دوما وفي موقع الشك في مقصده وخططه وخطابه.

اجل، لقد كان مالك بن نبي رائد نهضة، ورائد ثورة، ورائد حضارة، ورائد مجتمع.. ولأن انشغاله كان كبيرا بنقد الأفكار ومنظوماتها ومناخاتها، الا انه ايضا كان عمليا تماما في صياغة افكار النهضة والثورة والحضارة مما يجعله حتى هذه اللحظة رائدا لا يبارى، فنحن حتى اللحظة لا نجد من ملأ مكانه ولم نسجل تراجعا لأي من نظرياته.

 

اجل، ان أمة انجبت مالك بن نبي في مراحل العسر والضيق هي كفيلة بأن تنجب جيل مالك بن نبي ليحمل المشعل ينجي الأمة من حقول الألغام ويحفظ لها توازنها ويسير بها نحو مستقبل حضاري ضروري لها ومكلوب على الصعيد الانساني.. نسأل الله الرحمة والقبول لمالك بن نبي في ذكرى ميلادهوتولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة