الرأي

هل‭ ‬حاكموا‭ ‬مبارك؟‭!!‬

صالح عوض
  • 4448
  • 4

وأخيرا صدر الحكم القضائي بحق الرئيس المصري السابق حسني مبارك بالسجن المؤبد على تهم تتعلق بقتل المتظاهرين إبان الثورة المصرية في مناخ من القلق والتوتر الشديدين وسط الجماهير المحيطة بالمحكمة وفي أوساط القوى السياسية التي تبدي قراءات مختلفة للمحاكمة والحكم.

في مصر كلام كثير وفي اتجاهات متعاكسة، وكأن المصريين اكتنزوا احتجاجاتهم منذ فرعون الأول، وراكموا كل احتياجاتهم بهدوء، وأطلقوا لها العنان دفعة واحدة بعد أن كسروا حاجز الخوف، وهكذا تشهد مصر حراك الوعي واليقظة، والمطالب والاحتياجات والمنطق المتناقض أحيانا ..وكل يوم هناك جديد من القول وهناك جديد من المواقف والمفاجآت التي تصيب كثيرين بالإحباط وآخرين بالتفاؤل.. حسابات الأحزاب والمرشحين وخطاباتهم وقوى المجتمع المدني القانونيين والنقابيين بشكل عام تكاد تصنع الفوضى المتشابكة التي تفقد الحليم عقله وتقديره، فهل كان لابد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬لكي‭ ‬تتيقن‭ ‬مصر‭ ‬أنها‭ ‬تعيش‭ ‬مرحلة‭ ‬لافرعون‭ ‬فيها‭ ‬ولا‭ ‬عسس‭ ‬فرعون؟‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفوضى‭ ‬المنظمة‭ ‬والأداء‭ ‬الفوضوي‭ ‬لكي‭ ‬يدرك‭ ‬المصريون‭ ‬أنهم‭ ‬خارج‭ ‬السجن‭ ‬والقفص؟؟

صدر الحكم على الرئيس المصري السابق ولأول مرة في بلاد العرب بطريقة توفر فيها كل شروط المحكمة من ادعاء ومحامين وقضاة، في واحدة بلا شك يتشرف بها القضاء المصري الذي أثبت أنه أحد أهم ركائز المجتمع، وأحد أهم عناصر التثوير والتصدي لنظام حسني مبارك على مدار الثلاثين عاما السابقة..ورغم أن الحكم لم يكن ليرضي كثيرين من أبناء الثورة المصرية، ولم يكن متوقعا لدى كثير من المراقبين، إلا أن هؤلاء جميعا لا يقيسون الأمور حسب رغباتهم وقناعاتهم، وهذا ليس بالضرورة يلقى تجاوبا لدى القضاء، ثم ماذا يريد هؤلاء أكثر من إدانة الرئيس بجرائم‭ ‬تضعه‭ ‬تحت‭ ‬طائلة‭ ‬القانون‭ ‬ويقضي‭ ‬عليه،‭ ‬إنه‭ ‬سيمكث‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭ ..‬؟؟‭ ‬ماذا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ينطق‭ ‬القاضي‭ ‬بمثل‭ ‬هذا‭ ‬الحكم،‭ ‬وتتحرك‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬مؤكدة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬الحكم‭ ‬القضائي‭.‬

الذي‭ ‬لم‭ ‬يستوعبه‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬الثورة‭ ‬المصرية‭ ‬محكومة‭ ‬للمزاج‭ ‬المصري‭ ‬العميق‭ ‬الذي‭ ‬يوّغل‭ ‬في‭ ‬الإحساس‭ ‬بضرورة‭ ‬السلم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والتنوع‭ ‬المتكامل‭ ‬البعيد‭ ‬عن‭ ‬التصارع‭ ‬والفوضى‭.‬

من يزور مصر يرى حجم الحرية التي يتمتع بها المصريون اليوم، حيث أصبح بإمكانهم أن يقولوا مايريدون، وأن يهاجموا من يريدون، وهذا في حد ذاته ضمانة كبيرة بأن يكون الرئيس القادم بيد الشعب وليس العكس..فلقد ولى إلى الأبد عهد الزعيم وعهد الريس الذي لايسأل عما يفعل..

حوكم مبارك، وهذا إشارة إلى أن الحكم على نظامه قد أعلن بشكل رسمي، من قبل أرقى مؤسسات البلد وأن الحكم الذي صدرعلنا، إنما هو في حقيقة الأمر انتصار معنوي جديد للثورة، وأن كلامهم عن النظام السابق وثورتهم عليه لها تبرير منطقي صحيح.

الحكم على مبارك ورقة قوة جديدة بيد التيار الإسلامي والناصري والقومي بمصر .. والانتخابات في دورتها الثانية ستتأثر بلاشك بهذه المحاكمة، وسيكون لانتصار محمد مرسي أهمية كبرى لأنه جاء على أرضية تحطم النظام السابق، في محكمة أنزلت به الحكم بالعقاب على فساد رهيب.

مقالات ذات صلة