هل يفعلها هولند؟
قال الرئيس الفرنسي ، فرانسوا هولند، في ندوة صحفية، أول أمس، إنه “يتوجب علينا إقامة علاقة نعرف أنها حتما ستكون خاصة مع الجزائر، حتى نتمكن من تجاوز كل ما هو مؤلم، مع ذاكرة مازالت مجروحة، وذلك بشكل يمكننا من المضي قدما نحو المستقبل”، وأضاف: “على التاريخ أن يخدم المستقبل وألا يعيقه”.
هذا الكلام الصريح والقوي، الذي سيمتص ما تبقى من تحفظ اليمين، يؤكد انسجام الرئيس الفرنسي مع قناعاته المعبر عنها قبل انتخابه، حيث أوضح أنه “بين ندم لم يتم التعبير عنه أبدا، وتناسٍ مدان بالضرورة، هناك مكان لنظرة هادئة ومسؤولة لماضينا الاستعماري، ولخطوة واثقة باتجاه المستقبل”.
وهو كلام يتوافق مع دعوة رئيس الجمهورية للرئيس الفرنسي بعد انتخابه إلى تعامل ملتزم وموضوعي مع التاريخ المشترك المؤلم، مفاده أنها “وحدها قراءة موضوعية للتاريخ، تسمح لفرنسا والجزائر بتجاوز تركة الماضي المؤلم”.
وهو كلام أيضا يتطابق وقرار فرانسوا هولند بالاعتراف بمسؤولية الدولة الفرنسية على أحداث العنف، والتقتيل التي طالت المهاجرين في 17 أكتوبر بباريس1961 .
وينسجم كذلك مع إقرار مجلس الشيوخ تاريخ 19 مارس، كذكرى وطنية فرنسية لإحياء ذاكرة حرب الجزائر، رغم الحملة المضادة والعنيفة لليمين، حيث يكون تكتل اليسار قد حرك الملف، ودفع به بعد 10 سنوات من التجميد في جانفي 2002، عقب مصادقة الجمعية العامة عليه، وهو تاريخ موضوعي يشير إلى نهاية حرب الجزائر، رغم أنه يؤرخ أيضا لهزيمة فرنسا في الجزائر، خلافا لتواريخ أخرى اقترحت للمناسبة، لا تعبر عن أحداث معينة، مثل 5 ديسمبر و11 نوفمبر.
هذا التطور الواضح في مواقف الإليزيه، يجعلنا أكثر ثقة في أن الاعتراف بجرائم الاستعمار الفرنسي في حق الشعب الجزائري، شعبا وتاريخا وأرضا وثقافة، أصبح قاب قوسين أو أدنى، وقد تكون زيارة الرئيس الفرنسي إلى الجزائر قبل نهاية ديسمبر المقبل الفرصة المناسبة لذلك، خاصة وأن فرانسوا هولند لمس ـ وبقوة ـ خلال زيارته للجزائر في 2006 و2010 كقيادي للحزب الاشتراكي، مطالبة الجزائريين بالاعتراف بالجرائم، وليس الاعتذار.
ويبدو أن الرئيس الفرنسي ذاهب في تنفيذ أفكاره وقناعاته، رغم معارضة اليمين، وبقايا “المؤمنين” بالفكر الاستعماري، أو الذين لم يهضموا بعد أن الجزائر دولة مستقلة وسيدة، وقد أناب عنهم وزير الدفاع السابق، جيرار لونغيه، الذي قام بسلوك مشين، يترجم مدى تنكر محيط الرئيس الفرنسي السابق للشعب الجزائري، فيما دعا تيري مارياني، أحد وجوهه، هولاند بمطالبة الجزائر خلال زيارته بدفع مستحقات مستشفيات باريس، والمقدرة بـ34 مليون أورو، في حين قالت السيناتورة جويل غاريو ـ ميلام إن “الدفع بقانون 19 مارس من قبل رئيس الجمهورية، يبدو أن هدفه استخدامه دبلوماسيا” خلال الزيارة.
كما سارع وزير شؤون قدماء المحاربين الفرنسيين، قادر عارف، إلى ربط أي خطوة فرنسية بخطوة جزائرية مقابلة من خلال الاعتراف بحقوق الأقدام السوداء والحركى، رغم أن هؤلاء غادروا الجزائر بإرادتهم.
والمهم في كل هذا، هو أن موقف فرانسوا هولاند لن يخرج عن سياق اعتراف ألمانيا واعتذارها للشعب الفرنسي، عما سببته له ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، بينما اعترفت فرنسا واعتذرت لليهود عما لحقهم من تصفية “إبادة” من قبل الحكومة الموالية للنازية، كما اعترفت إيطاليا واعتذرت للشعب الليبي عن الإبادة والأضرار التي لحقت بالليبيين، بل وذهبت روما إلى حد الالتزام بالتعويض.