الشروق العربي

هل الزواج قسمة ونصيب أم شطارة واختيار؟

ليلى حفيظ                 
  • 10977
  • 0

الزواج مكتوب وقسمة ونصيب. هذه هي القناعة المتوارثة عن أسلافنا وأجدادنا، الذين آمنوا بها لدرجة أن الراغب في الزواج منهم كان يُذعن وينقاد مُستسلما لاختيار أهله. فيذهب لعمله صباحا ويعود مساء ليجد عروسه في غرفة نومه فيتقبلها راضيا مرضيا، لأنها مكتوبه ونصيبه الذي ما كان ليُخطئه. لكن الظاهر أن الأجيال الجديدة صارت تكفر بذلك أو على الأقل تتصرف عكس تلك القناعة.

فأصبح الكثيرون يُؤمنون بأن الزواج قرار واختيار يتخذه صاحبه ويتحمل تبعاته. لا، بل، وهناك من يعتقد مُتيقنا بأن الزواج شطارة ومهارة من يفتقر إليها عنّس وعاش طوال حياته وحيدا. فما وجه الصواب في ذلك؟ أي هل الزواج مكتوب أم اختيار وشطارة؟

مهارة اصطياد عريس

لي قريبة لطالما سمعتها تتحسّر لعنوسة ابنتها التي تجاوزت الأربعين من العمر، التي تصفها بأنها “ماشي قافزة” على عكس أختها الصغرى التي لطالما “تمكيجت وخرجت” بصحبة شباب كثيرين لتنجح في النهاية باصطياد أحدهم كعريس. وذلك الذي عجزت عن فعله أختها الكبرى، بحكم أنها ملتزمة وخجولة. والحقيقة، أن شكوى هذه القريبة نفضت الغبار عن تساؤل لطالما تبادر إلى ذهني، وهو: هل الإنسان مُخيّر أم مُسيّر حينما يتعلق الأمر بالزواج؟ أي هل الزواج نصيب سيصيبك حتى وإن لم تسع إليه، أم إنه اختيار وجب السعي إليه وإلا فاتك نصيبك منه؟

الواقع، أن الكثير من الشباب والشابات اليوم صاروا يرفضون فكرة أن الزواج مكتوب. ما يدفع بهم كما تقول أستاذة علم الاجتماع سعاد. ت: “إلى نسج العلاقات الغرامية لاختيار واصطياد شريك زوجي مناسب. على عكس الأجيال السابقة، التي كانت تنتظر أن يدُق النصيب بابها، بل وهناك من صار يلجأ للمشعوذين والرقاة لجلب شخص محدد يتم انتقاؤه بعناية واقتيادُه عُنوة”.

شمّاعة الفاشلين

والظاهر، أن تلك العجوز الأمية بمحدودية تفكيرها ليست وحدها من صارت تؤمن بأن الزواج اختيار وشطارة، وإنما الكثيرون غيرها، حتى من ذوي الفكر والمستوى العلمي الكبير، على غرار الأستاذ أبو بكر. س، مختص نفسي واجتماعي، الذي يؤكد في هذا الشأن أن: “من المغالطات المتوارثة، الاعتقاد بأن الله تعالى هو الذي يختار لنا شريكنا الزوجي. فصحيح أن الزواج قدر مكتوب في اللوح المحفوظ، وأنه سبحانه يعلم من سيتزوج من ومتى. وقد كتب ذلك قبل حدوثه. ولكنه- عز وجل- لا يُجبر أحدا على الزواج من أحد. فالاختيار يكون بمحض إرادتنا. لهذا، يجب ألا نقف مسلوبي الإرادة في انتظار النصيب، وإنما يجب أن نسعى للزواج ونقتنص الفرص لذلك. ونتخذ الأسباب المؤدية لتحقيق الهدف بالبحث والتقصي.”

فالزواج، يضيف محدثنا: “اختيار والله تعالى لا يختار نيابة عنا. والعنوسة اختيار، ولكن من فشلوا أو تقاعسوا في السعي نحو تحقيق هدف الزواج يُعلقون فشلهم على شماعة القسمة والنصيب والمكتوب. رغم أن خياراتهم أو عدم اختيارهم الذي يعد في حد ذاته خيارا، هي في الحقيقة الأسباب الرئيسية والحقيقية لعدم زواجهم، إضافة لمسببات أخرى كالمبالغة في المهور أو رفع سقف التوقعات إلخ.”

ونفس الأمر تراه أستاذة علم النفس روميساء. خ، التي تشدد على أن الزواج اختيار، بدليل أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- بين لنا أسس انتقاء الزوجة، فقال: “فاظفر بذات الدين تربت يداك”. وأسس انتقاء الزوج فقال: “إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه.” وبالتالي، على المسلم أن يتحرى المنهاج الصحيح لاختيار شريكه الملائم، حتى لا يفشل زواجه فينسب ذلك للقسمة والنصيب.”

لا حيلة في رزق

ومن الناحية الشرعية، يرى أستاذ الشريعة الإسلامية بلقاسم. ز، أن: “الله- سبحانه وتعالى- قسّم الأرزاق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ومنه الزواج. فلا يمكن لأحد أن يتزوج إلا وفق علم وإرادة الله- تعالى- ومشيئته. فالزواج قسمة الله وقدره، إلا أنه- سبحانه- رسم لنا منهاجا لنسير عبره، يتعلق بالبحث عن الشريك المتوافق مع معاييرنا، وخاصة من ناحية الالتزام بتعاليم الدين الإسلامي، ثم لا يتحقق إلا قدر الله بعدها.”

مقالات ذات صلة
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!