الرأي

هل المشكلة سياسية حقًّا؟

محمد سليم قلالة
  • 731
  • 4

أظن أن كفاءة النظم السياسية اليوم لم تَعد بالضرورة مُرتبِطة بطابعها السياسي. هناك نظم يصفها الغربُ بـ”الشمولية” كروسيا والصين أكثرُ استقرارا وأكثر قوة من النظم الديمقراطية الليبرالية مثل الولايات المتحدة وفرنسا، بما يعني أنّ علينا الكفّ عن تحميل السياسة (بمفهوم طبيعة النظام السياسي) كلَّ عبء الإصلاح أو التغيير القادم، وأن نناقش بموضوعية مسألة كِدنا نعتبرها مُسلَّمة غير قابلة للنقاش وهي أن “المشكلة هي بالأساس سياسية”، بل أصبحت العبارة شعارا يرفعه الجميع.

إننا لا ننفي دور العامل السياسي في التأثير، ولكن المشكلة ليست بالضرورة وبالأساس سياسية، إنها مرتبِطة بمنظومة ثقافية وتاريخية ونفسية لكل مجتمع، لا يمكن فكُّ شفرتها فقط من خلال حقل العلوم السياسية، إنما علينا الاستعانة بحقول معرفية أخرى عادة ما نتجاهلها.

إنه من السهل علينا تحميل الأنظمة السياسية المتعاقبة كل العيوب التي نعرفها اليوم، ولكن من الصعب جدا افتراض انبثاق نظام سياسي صالح من مجتمع غير صالح؟

ما العمل إذن؟

ينبغي في تقديري أن نَكفَّ عن توهّم هذا الدور السحري للسياسة الصالحة، وأن نَكفَّ عن انتظار تغيير جوهري في حياتنا فقط بإجراء انتخابات شفافة ونزيهة، إن مثل هذه الانتخابات يمكنها أن تحل مشكلة شرعية السلطة، ولكنها لن تعالج أبدا أمراض المجتمع إذا لم يُغيِّر هذا المجتمع ما بنفسه من خلال آليات يبتكرها بإرادة السلطة أو بغير إرادتها.

هل ابتكاراتُ الفلاح الصحراوي في بسكرة أو أدرار أو واد سوف أو ورقلة أو بشار هي من صنيع النظام السياسي؟ هل نجاحات الصناعات المحلية الجزائرية في وادي ميزاب أو سطيف وبرج بوعريريج أو في الشرق والغرب هي من صنيع النظام السياسي؟ هل النجاحات المُحقّقة في مجال التربية والتعليم العالي والرياضة وحفظ القرآن الكريم وبروز نوابغ هنا وهناك هي من صنيع النظام السياسي؟ وقس على ذلك بقيّة قصص النجاح المحقَّقة في أكثر من قطاع، لماذا ننسبها عادة إلى جهود فرد أو جهود أسرة أو فئة في المجتمع؟ إلى روح تسود منطقة أو قطاع أو أسرة أو فرد؟ إلى عبقرية شعب في إيجاد حلول لمشكلاته؟

يبدو لي أننا بحاجة إلى التفكر في ذلك ومراجعة تلك العبارة التي تقول “إن المشكلة هي بالأساس سياسية”، أو على الأقلّ لا نحمّلها كل العيوب التي نعرف.

إن مثل هذه العبارة عادة ما يطلقها غير القادرين على الابتكار، غير القادرين على العمل، غير القادرين على العطاء، هؤلاء بحق مشكلتهم سياسية، لأنهم بلا سياسة لا وجود لهم ولن يعيشوا. أما بقية المجتمع، فإنه يستطيع العودة إلى إحياء تقاليده إلى ذاته، يستطيع أن يجد البديل الذي يُمكِّنه من تجاوز هذه الحلقة المُفرَغة التي أُقحِم فيها إقحاما..

لقد كنتُ أنتقد نفسي وأنا في عمق النشاط السياسي، أجول بعيني بين مَن أعرف ومَن لا أعرف: ماذا لو اهتمّ كلٌّ مِنَّا بعمله، أليس ذلك أفضل؟ إلا أني كثيرا ما كنتُ انتبه وأصحح سؤالي: وهل يعيش أغلب من حولي، واغلب من ينشطون سياسيا، من كدِّ عملهم؟ أم من ممارسة السياسة؟

عندها كنت دائما أريد أن أتوقف عن النشاط السياسي لأطرح هذا السؤل: هل المشكلة سياسية حقَّأ؟

مقالات ذات صلة