الرأي

هل انهارَ محورُ المقاومة؟

حسين لقرع
  • 804
  • 0

لا جدال في أنّ محور المقاومة قد تضرَّر بشدَّة منذ بدء “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023 إلى اليوم؛ فالمقاومة في غزة تلقّت ضرباتٍ صهيونية قاصمة طيلة سنتين من حرب الإبادة، و”حزبُ الله” تعرّض لهزيمةٍ مفاجئة في لبنان أجبرته على تفكيك وحدة الساحات وقبول اتفاق 27 نوفمبر 2024 وسحب مقاتليه إلى شمال نهر الليطاني كما يريد الاحتلال، ونظامُ الأسد انهار في 8 ديسمبر 2024 وترك ظهر “حزب الله” مكشوفا أمام الاحتلال، وقطع عنه جبهة إمدادٍ حيوية بالصواريخ والأسلحة الإيرانية، وإيران خرجت من حرب 12 يوما في جوان الماضي بخسائر كبيرة، والفصائل العراقية أوقفت هجماتها على الاحتلال منذ أزيد من سنة، ولم يبق في الساحة سوى الحوثيين في اليمن.

اليوم أصبح الاحتلالُ يضرب يوميًّا كما يريد في لبنان وغزة ويتوغّل في أراض جديدة في سوريا من دون أن يردّ عليه أحدٌ؛ حزبُ الله يكتفي بدعوة الجيش اللبناني إلى الردّ وحماية سيادة لبنان وشعبها، ويناشد العالم التدخُّل لإجبار الاحتلال على وقف خروقه اليومية واعتداءاته واغتيالاته واحترام اتفاق 27 نوفمبر لوقف إطلاق النار، والأمر ذاته يحدث مع المقاومة الفلسطينية في غزة التي تناشد بدورها “الوسطاء” لإلزام الاحتلال باتفاق وقف إطلاق النار والمرور إلى تطبيق المرحلة الثانية منه، أمّا إيران فقد انكفأت على نفسها استعدادًا لجولة قتال قادمة تلوح في الأفُق مع العدوّ الصهيوني، في حين يبقى الحوثيون عاجزين عن تغيير هذا الواقع المرير بالرغم من كلِّ ما فعلوه لحصار بواخر العدوِّ وسفنه في البحر العربي والبحر الأحمر.

إنّه مشهدٌ قاتم من دون شكّ، لكنّ ما سبق كلُّه لا يعني بأيِّ حال من الأحوال أنّ محور المقاومة قد تفكّك وانهار كليا كما يردّد بعض خصومه الذين استمرأوا الذل والهوان تحت غطاء “السلام” مع الاحتلال.. المقاومة تلقّت ضرباتٍ ماحقة في مختلف الجبهات، وقدراتُها العسكرية تضرّرت بشدّة، والآلافُ من مقاتليها استُشهدوا في غزة ولبنان وإيران وحتى اليمن.. هذا كله صحيح، لكنّها لم تنهَر كلّيا، ولم تتخلّ عن فلسطين والقدس والمسجد الأقصى المبارك وتفاوض العدوَّ على إلقاء السلاح مقابل ضمان سلامة قادتها ومقاتليها.

المقاومة باقية وتتعافى تدريجيًّا في غزة كما في لبنان واليمن وإيران، وتعيد بناء قُدراتها العسكرية وتجنيد آلاف المقاتلين الجدد ليخلفوا آلاف الشهداء في مختلف الجبهات.. حتى العدوُّ الصهيوني يؤكّد هذه الحقيقة ويهدِّد باستئناف الحرب في غزة ولبنان لمنع المقاومة فيهما من استعادة قوَّتيهما.

في العصر الحديث، هناك حالاتٌ عديدة لحروبٍ طويلة وقعت بين قوى استعمارية جبّارة وحركات مقاومة وتحرُّر، وخلالها وجّهت القوى الاستعمارية ضربات قوية لهذا الحركات وهزمتها في أكثر من معركة، وقتلت كبار قادتها والكثير من مقاتليها وكادت تُنهيها تماما في بعض الفترات، لكنّ حركات التحرُّر كانت في كلِّ مرة تسترجع عافيتها وتعيد بناء قُدراتها وتجنيد المزيد من المقاتلين وتواصل حرب العصابات بلا هوادة إلى أن تحرِّر أوطانها أخيرًا وتجبر الاحتلال على الرحيل.. ويكفي التذكير بحرب فيتنام ضد الاحتلال الأمريكي في السبعينيات من القرن الماضي وثورة التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي بين أول نوفمبر 1954 و5 جويلية 1962.

لذلك عندما نرى الآن المقاومة في غزة ولبنان وهما تتلقيان ضربات الاحتلال يوميًّا وتصبران عليها، فإنّ ذلك لا يعدُّ دليلا على نهايتهما عسكريًّا وانهيارهما، كما يردِّد خصومُهما ممَّن في قلوبهم مرض؛ فهما بحاجةٍ ماسّة إلى فترة راحة تستغلّانها للتعافي وإعادة بناء القُوة استعدادا لمعارك أخرى عديدة وطويلة مع هذا العدوِّ الشرس المدعوم أمريكيًّا وغربيًّا وحتى من الدول العربية الممتصهينة الشامتة التي تريد القضاء على المقاومة بأي وسيلة ولو شاركت بجنودها في إطار “القوات الدولية لإرساء الاستقرار” التي يُنتظر تشكيلُها لدخول غزة في مستهلّ سنة 2026.

الحربُ طويلة لأنها حربُ وجود، وهي شاقّة ومريرة وتتطلب الكثير من التَّضحيات والعزيمة والإيمان بحتمية النصر والتجهيز وحسن التخطيط والصَّبر وضبط النفس في المواقف الحرجة حتى لا يُجهَز عليها، وهذا ما تفعله المقاومة الآن في مختلف المحاور.

مقالات ذات صلة