-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الجزء الأول

هل تتجاوز الكتل السياسية خلافاتها؟

التهامي مجوري
  • 2691
  • 0
هل تتجاوز الكتل السياسية خلافاتها؟

في يوم السبت 21 جانفي 2016، أُعْلن عن تأسيس الإتحاد من أجل العدالة والنهضة والبناء، وهو تكتل كما أعلن في المهرجان الذي نظلم لذلك، أنه انتخابي استراتيجي اندماجي، يجمع بين ثلاثة أحزاب سياسية إسلامية، حزب حركة النهضة الذي يرأسه الأستاذ محمد دويبي، المنبثق عمَّا يعرف في الساحة الإسلامية الجزائرية بجماعة الشرق، أو الإخوان المحليين، وحزب جبهة العدالة والتنمية، الذي أسسه الشيخ عبد الله جاب الله، بعد انقسام جماعة الشرق والحزب المنبثق عنها، وحركة البناء الوطني، الذي يرأسه الأستاذ مصطفى بلمهدي، وقد أسسه مجموعة من المنشقين عن حركة مجتمع السلم، وإلى جانب هذه المبادرة، هناك مبادرة لنفس التيار –التيار الإسلامي-، قامت بها حركة حمس والتغيير، وهما تمثلان الحركة الأصل وبعض من انشق عنها.

ومهما يقال عن مثل هذه المبادرات، فإنها تعد من المبادرات السياسية الهامة في لملمة شتات الطبقة السياسية، ليس لكون هذه المبادرات من الإسلاميين، الذين يأمرهم دينهم بذلك، وإنما لأن تكتل الفئات المتجانسة سياسيا وثقافيا، من ضرورات النضال السياسي الجادة والفاعلة، وعليه فمن بديهيات النضال السياسي في المجتمعات الناضجة، أنها تتكتل بحيث تتجمع كل القوى السياسية المتجانسة إلى فئات كبرى، والتجانس في الأصل لا يعني التطابق، وإنما يعني الالتقاء على مبادئ، موجودة ومكررة في خطابات جميع الأحزاب المتجانسة وإن تغيرت الأسماء والمصطلحات، ونتمنى بهذه المناسبة أن تتكتل جميع القوى السياسية المتجانسة سياسيا وثقافيا؛ لأن مرد الخلافات الحقيقية، لا يكون في الفرعيات والجزئيات وإنما يكون في الجذور الفكرية والثقافية، مثل الخلاف بين اللائكيين والإسلاميين مثلا، أما ما دون ذاك، فلا يصلح مانعا من التحالف والوحدة والتكتل؛ لأن التجانس من أصول مبررات التلاقي وأدبيات النضال الجاد.

ولعل التجارب الحزبية الناجحة في العالم، هي نظام الحزبين، كما في بريطاني والولايات المتحدة الأمريكية؛ بل إن الأنظمة المتعددة التي تعتمد أكثر من حزب مثل فرنسا، فإن خلاصة نتائجها السياسية دائما منحصرة في تيارين رئيسيين هما: التيار الاشتراكي والتيار اليميني اللبيرالي.

ولو رحنا نحصي الأحزاب السياسية التي فاقت الستين في الجزائر، لرأيناها تعود في نهايتها إلى التقسيم المتداول المعروف، إسلاميون وعلمانيون ووطنيون، وهذه الكتل الثلاث، نهايتها في الواقع ليست إلا لإثنين، إسلامي وعلماني؛ لكون هذين التيارين يختلفان في الجذور الفكرية، لما يتقدمون به للمجتمع من مشاريع، أما التيار الوطني فهو قاسم مشترك بين الجميع، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية الكتل السياسية في الساحة عادة، إما تكون في السلطة أو تكون في المعارضة. فواحد مفترض فيه أنه مزكى شعبيا، والثاني منافس لإثبات جدارته للشعب ليفوز بتزكية لاحقة، وذلك بالنضال من أجل تغيير رأي الشعب..، ولذلك يقال في النضال السياسي أن الوعاء الإنتخابي من المتغيرات وليس من الثوابت، فالشعب اليوم يعطي صوته لهذا التيار ولكنه عندما لا يرى فيه القدرة على الوفاء بوعوده، فإنه لا يتردد في تغيير رأيه في أقرب مناسبة تتاح له.

لا شك أن لكل توجه أو تيار تصوره لمشروع المجتمع، ينطلق فيه من أصول ومبادئ أساسية، تصور واحد موحد، وإنما يختلفون في الوسائل والجزئيات، والوسائل والجزئيات من طبيعتها مهما عظمت لا ترتقي إلى مستوى تعطيل أصول الأفكار والمشاريع، إلا إذا أراد لها أصحابها، عندما يعجزون عن تجاوز الحزازات النفسية والطر الضيقة القاصرة، وهنا يكون النضال العكسي، والتدمير الذاتي في صورة منافسة آخر موهوم، في حين ان من أبجديات الفئات المتجانسة أنها ليست ذاتا وآخر، وإنما هي ذات واحد، تظهر في أشكال متنوعة كما يتنوع أفراد الأسرة الواحدة.

ومثل هذه المبادرة، بلا شك تعيد الأمور لطبيعتها، لا سيما وواقع مجتمعنا يحتاج إلى التكتل ورص الصفوف لتجاوز المحن القائمة والمتوقعة، وتثمين مثل هذا النشاط إنما لكنوه نشاطا تجميعيا يلخص ويحوصل الكثير من الإيجابيات التي تجاوز بها الفرقاء خلافاتهم بمجموعهم، أو بما تفوق به بعضهم على بعض، وهم بعيدون عن بعضهم، فضلا عن أن لمثل هذا الفعل فوائد سياسية واجتماعة جمة، أهمها فائدتان يجنيهما المجتمع بمؤسساته وأفراده، والمناضلين السياسيين للهيئات القائمة على مثل هذه المبادرات الفعل:

الفائدة الأولى: أن الغاية من النضال السياسي هي وصول الحزب إلى السلطة لتطبيق برنامجه الذي هو مفترض أنه موجود عند كل حزب سياسي. وعند الوصول إلى السلطة لقوة ما من القوى السياسية، فإن المخالف لا يسعه إلا المعارضة من أجل الضغط على من في السلطة القائمة لتبني طروحات المعارضة، أو إسقاطه منها عند إثبات فشله، إن لم يرتق إلى الأداء المطلوب، وبما أن السلطة التنفيذية لا بد من أن تكون واحدة للحصول على جودة الأداء، لا بد للمعارضة لتكون فعالة وقوية من أن تكون واحدة أيضا؛ لضمان الفعل المركز على الغايات التي يطمح إليها المجتمع، وعند الضرورة الوطنية يمكن أن تتآلف السلطة والمعارضة على توجه استثنائي واحد، وذلك عند اقتضاء الضرورة ذلك، لسبب من الأسباب المهددة للمجتمع، أما الحياة الطبيعية في النضال السياسي فهي سنة التدافع، ولذلك نجد في المجتمعات المتقدمة، لا يبرز في سباقاتها السياسية إلا توجهين إثنين من أجل الوصول إلى السلطة، كما أسلفنا في التجارب الغربية، من غير وصف لأحدهما بالمعارض أو الموالي، إلى أن يصل إلى السلطة، وعندما يصل أحدهما إليها فإن على الثاني أن يواصل نضاله معارضا لسياسات خصمه الذي يخالفه.

الفائدة الثانية: أن التقاء المختلفين على مائدة واحدة يستفيد منه الجميع، من خلال طرح الأفكار.. ومعارضتها.. وعرض مبرراتها.. وإبطالها..؛ بل إن مجرد الالتقاء بين الفرقاء يحصل فيه المزيد من التعارف بينهم، واكتشاف ما خفي عنهم من إيجابيات وسلبيات، وهذا وحده كاف لأن يحرص الجميع على الالتقاء والتوافق والبحث عن مواطن الجمع والابتعاد عن مواطن الفرقة.

وهذه المبادرة في إطار التيار الإسلامي، ليست الأولى من نوعها، وإنما كانت مسبوقة بمبادرات مماثلة في مرحلة السرية أطلق على بعضها “مشاريع الوحدة” أو المساعي من أجل وحدة التيار الإسلامي، وآخر المبادرات التي تعد من الوزن الثقيل، مبادرة رابطة الدعوة الإسلامية، برئاسة الشيخ أحمد سحنون رحمه الله، ومشاركة جميع التيارات الدعوية الموجودة في الساحة الجزائرية، ولكن كلها فشلت ولم تلق الصدى المطلوب، والسبب في تقديري هو غلبة المنطق العاطفي في المسألة.. فكان الناس ومنهم الدعاة يعز عليهم أن يكونوا من الرافعين للواء وحدة الأمة والاعتصام بحبل الله والأخوة الإسلامية ويبقوا متفرقين…، والعواطف لا تبني، وإنما تحدث شعورا وتبني أحلاما أما الواقع والممارسة فلذلك آلياته وقواعده، وهي غير متوفرة، وإن توفر شيء منها فلا أظنه يرتقي إلى مستوى الفعل الاستراتيجي الذي يحدث النقلة النوعية في المجتمع.

وهنا يحسن التساؤل، هل التيار الإسلامي مستعد إلى التخلي عن عوائده القديمة؟

هل استفاد التيار الإسلامي من تجربته في الممارسة السياسية خلال ربع قرن من الزمن 1992/2017؟

إنها تجربة ثرية لو يحسن استثمارها، سواء في العلاقة بين أطراف التيار الإسلامي، أو في العلاقة بينهم وبين التيارات الأخرى، التي لم تلتق بها في يوم من الأيام، قبل أحداث التسعينيات.

صحيح أن التيار الإسلامي تطور خطابه بعض الشيء، وتجاوز بعض خلافاته البينية، وأضحى أكثر تفهما للواقع الإجتماعي والسياسي، ولكني لا أظن انه ارتقى إلى المستوى الذي بلغه الشيخ عبد الحميد ابن باديس في للمؤتمر الإسلامي في جلوسه إلى جانب ابن جلول وفرحات عباس الإندماجيين، وعمار أوزقان الأمين العام للحزب الشيوعي رحمهم الله جميعا.

يتبع…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • اللهم رد التقرتي إليك ردا جميلا

    ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ( 103 ) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ( 104 )********* جعل الله لك طريقا إلى الحق وهداك إليه وجنبك الخزي والندم يوم لا ينفعك من أضلك ، ولا تنفع من أبصر وسمع إلا ما قدمت يداه