هل تراجع بوتفليقة عن إشراك الأحزاب في لجنة تعديل الدستور؟
تكشف الكيفية التي تُحضّر بها مسودة مراجعة الدستور، انفراد السلطة برسم معالم الدستور المقبل، حتى وإن أكد الوزير الأول، عبد المالك سلال، بأن عمل اللجنة التقنية سينطلق من حصيلة المشاورات التي أجراها مع ممثلي الطبقة السياسية.
فالوزير الأول وبتكليف من رئيس الجمهورية، استمع لمن أراد من الأحزاب السياسية في صمت وكلف لجنة صاغت أرضية المسودة، وضعت بين أيدي خبراء في القانون الدستوري، لكي تعد المسودة النهائية التي ستعرض على الجزائريين للاستفتاء، خلف الجدران المغلقة.
وهكذا، سوف لن تطلع لا الأحزاب السياسية ولا الجزائرونن على فحوى التعديلات التي ستدرج على الوثيقة الأسمى، وسوف لن يتعرفوا على الخطوط العريضة للنصوص الدستورية المعدلة، وهو ما يعتبر تناقضا مع وعد كان قد التزم به رئيس الجمهورية في خطابه الشهير للأمة في منتصف أفريل 2011، والذي جاء فيه: “.. سيتم ذلك من خلال إنشاء لجنة دستورية تشارك فيها التيارات السياسية الفاعلة، وخبراء في القانون الدستوري، وستعرض عليّ اقتراحات أتولاها بالنظر قبل عرضها بما يتلاءم مع مقومات مجتمعنا، على موافقة البرلمان أو عرضها لاقتراعكم عن طريق الاستفتاء”.
ولحد الآن، لم يتم إنشاء أية لجنة “تشارك فيها التيارات السياسية الفاعلة”، باستثناء اللجنة التي نُصّبت أول أمس، والتي تتشكل من خبراء في القانون الدستوري، وهو ما يدفع للتساؤل حول إقصاء الأحزاب السياسية من المشاركة في صياغة الدستور المقبل.
وكان عبد المالك سلال قد التقى مع قادة ومسؤولي الأحزاب السياسية الممثلة في المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، واستلم منهم مقترحات بشأن التعديل الدستوري المقبل، وأكد في خطاب تنصيب اللجنة التقنية المكلفة بصياغة الدستور الجديد، أن مقترحات الأحزاب تم الاستئناس بها في إعداد الأرضية التي أنجزتها مصالحه.
وواضح من خطاب رئيس الجمهورية، أنه تحدث بصورة مباشرة وصريحة عن لجنة تكون الأحزاب السياسية ممثلة فيها، غير أن الواقع غير ذلك، فاللجنة المنصبة كانت تقنية خالصة ولا وجود فيها للسياسيين، فهل اختزلت عضوية الأحزاب في اللجنة، بتبليغ انشغالاتهم ومقترحاتهم، وبين هذا وذاك فرق شاسع، لأن المشاركة في الصياغة ليس كالبقاء بعيدا عنها، سيما وأن تجربة المقترحات التي سلمت لهيئة عبد القادر بن صالح بشأن الحزمة الأولى من قوانين الإصلاحات، خير دليل على ذلك، حيث اشتكت جل الأحزاب التي قدمت مقترحات بعدم الأخذ بها.
ومن شأن الطريقة التي تعاطت بها السلطة في هذه القضية مع الطبقة السياسية، أن تضعف من مصداقية الدستور المقبل، وتضعه أمام حتمية مراجعة قريبة في حال عرف المجتمع حراكا سياسيا، وتعرضت مؤسسات الدولة لهزات محتملة، وهذا يتنافى مع مبدأ شمولية الدساتير واستقرارها.
ويرى متابعون للشأن السياسي، أن انفراد السلطة بصياغة الدستور الجديد بعيدا عن أعين الشركاء السياسيين، إنما الهدف منه “خياطة” دستور جديد، تُرسم من خلاله معالم المرحلة المقبلة خلف الجدران المغلقة، بما يخدم أهداف ومخططات النظام القائم، وهو ما يعزز الاعتقاد بأن تعديل الدستور الحالي، لم يكن الهدف منه فتح آفاق جديدة على طريق دمقرطة النظام وتقوية مؤسسات الدولة المشلولة، وإحداث التوازن بينها، بقدر ما يهدف إلى إدخال ترتيبات في هرم السلطة، سيما ما تعلق منها بالحد من صلاحيات رئيس الجمهورية، وإمكانية فتحها على نائب الرئيس المرتقب استحداثه، وعلى الوزير الأول، أما إدخال تعديلات على طبيعة النظام السياسي الحالي، الموصوف بأنه رئاسي، وتحويله إلى النظام البرلماني، كما طالبت به الكثير من الأحزاب السياسية في جولة الحوار الأولى مع عبد القادر بن صالح، وفي الجولة الثانية مع عبد المالك سلال، فيبدو مستبعدا تماما.