الجزائر
تبنت خيار "السوسيال" منذ سنوات

هل تستسلم الحكومة للأزمة وتتراجع عن شراء السلم الاجتماعي؟

الشروق أونلاين
  • 10734
  • 17
الأرشيف

فرض الظرف الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد، الحاجة الملحة إلى مراجعة سياسة الدعم العمومي الموجه إلى الشرائح الاجتماعية الهشة، والتي تكلف الخزينة العمومية آلاف الملايير في السنة، هذا المطلب وإن كان قديما، إلا أنه تأخر بسبب توجهات الدولة ومبادئها التي قامت منذ الثورة على الطابع الاجتماعي، رغم ثقل وطأته وعدم دقته في استهداف الفئات المعنية. غير أنه وفي ظل الوضع الراهن، لم يعد هذا الخيار قابلا للتجسيد مع تراجع أسعار النفط إلى مستويات قياسية. فما هي الحلول التي تقترحها الحكومة لمواجهة هذا التحدي؟ وما هي انعكاساتها على المجتمع؟ وما هو الثمن الذي يتعيّن دفعه؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول “الملف السياسي” لهذا العدد الإجابة عنها.

باتت تشكل أولية لحكومة تبون

مراجعة سياسة الدعم .. حلول ومحاذير؟

تشكل مسألة إعادة النظر في التحويلات الاجتماعية الموجهة “افتراضيا” للفئات الاجتماعية الهشة، واحدة من أبرز المحاور التي يضعها مخطط عمل حكومة عبد المجيد تبون، في مقدمة أولوياته، تماشيا مع الأزمة التي تعصف بالبلاد بسبب تراجع أسعار النفط.

ووصلت التحويلات الاجتماعية في وقت سابق وخاصة في أعقاب ما اصطلح عليه “أحداث الزيت والسكر” التي كادت أن تلحق الجزائر بدول ما عرف بـ”الربيع العربي”، وصلت إلى 26 مليار دولار، في مسعى وصفه بعض السياسيين بأنه “شراء للسلم الاجتماعي”، غير أنه ومع تضرر خزينة الدولة منذ أزيد من سنتين، بسبب انهيار أسعار البترول، انتهجت الحكومة سياسة الحد التدريجي من قيمة هذه التحويلات لتنخفض إلى مستوى 16 مليار دولار، أي بتراجع قدر بـ10 ملايير دولار كاملة.

وعادة ما تذهب التحويلات الاجتماعية في صورة مساعدات غير مباشرة للفئات الاجتماعية الهشة، كتسقيف أسعار بعض المواد الغذائية الواسعة الاستهلاك، مثل السميد والخبز والزيت والسكر والحليب.. غير أن هذه المساعدات لا تستفيد منها الفئات المستهدفة، بقدر ما تستفيد منها فئات اجتماعية لا تحتاجها، بل تستغل الثغرات الحاصلة في هذه الآلية من أجل الالتفاف عليها.

ومن أبرز الأمثلة العملية على هذه الثغرات ما تعلق مثلا بأكياس الحليب المدعم، فالكثير من المقاهي وحتى بعض الفنادق الراقية، عادة ما تقتني كميات كبيرة من أكياس الحليب (25 دينارا للكيس)، ثم يعاد بيعها لزبائنها بأسعار خيالية (خاصة في الفنادق).

واليوم تجد الحكومة نفسها مضطرة للتراجع عن هذه التدابير، مثل ما أكد ذلك الوزير الأول، عبد المجيد تبون خلال عرضه لمخطط عمل حكومته على نواب الغرفة السفلى للبرلمان، لكنها ملزمة بالمقابل بإيجاد حلول عملية ودقيقة تمكن من توجيه المساعدات مباشرة للفئات الهشة دون غيرها. 

ويبدو أن خطة الحكومة في رفع دعمها عن قوائم السلع أوسع بكثير مما سبقت الإشارة إليه، لأن هناك مواد أخرى مدعمة، لكنها غير مشهورة لدى الرأي العام بأنها مدعومة، على غرار الوقود مثلا، ما يعني أن فاتورة التحويلات ستتراجع بشكل غير مسبوق عندما تقرر الحكومة تفعيل مشروعها.

ولا تشكل الجزائر استثناء على صعيد دعم الفئات الاجتماعية الهشة، فجل الدول النامية والبترولية على وجه التحديد، تعمل بهذا الأسلوب، غير أن آليات الدعم تختلف من دولة على أخرى في درجة الفعالية والإحكام، فيما تبدو الحالة الجزائرية أقل دقة.

ولذلك تسعى الحكومة إلى إعداد بطاقية وطنية مرقمنة للجزائريين الذين هم بحاجة لمساعدة الدولة، يتم تحيينها من حين لآخر، ثم تحول بعد ذلك إليها المساعدات مباشرة، وهو قرار جاء جد متأخر، لأن النقاش حول هذه المسألة بدأ منذ مدة، وبالضبط عندما كان عبد اللطيف بن اشنهو وزيرا للمالية (2003/ 2005)، غير أن الاعتبارات المتعلقة بالبعد الاجتماعي للدولة الجزائرية الذي أرسي في خمسينيات القرن الماضي، حال دون تجسيد هذا التوجه.

هذا الإجراء يبدو أنه بات ممكنا بحكم “العصرنة” التي أدخلت على بعض مؤسسات الدولة، مثل وزارة الداخلية، الذي يعتبر قاعدة أي عمل من هذا القبيل، علما أن هذا القطاع قد بدأ العمل بالنظام البيومتري الذي يساعد في القضاء على كل ما من شأنه أن يقود للتلاعب بأسماء من هم بحاجة لدعم الدولة.  

 

الخبير الاقتصادي عبد الرحمان مبتول لـ”الشروق”:

الحل في الاعتماد على الطريقة الماليزية لدعم الفئات الهشة

يعتقد الخبير الاقتصادي عبد الرحمان مبتول، أن جدية مراجعة التحويلات الاجتماعية في مخطط عمل حكومة  عبد المجيد تبون، مرتبط بمدى دقة المعطيات التي تبنى عليها هذه المسألة، خاصة وأن جل المستفيدين من هذا الدعم هم من الأغنياء وأصحاب الدخل المرتفع، وبالمقابل قال إن أحسن نموذج يمكن للجزائر تبنيه لإيصال هذه المستحقات لأصحابها هو النموذج الماليزي.  

 تعتبر مسألة مراجعة نظام التحويلات الاجتماعية في مخطط عمل حكومة الوزير الأول عبد المجيد تبون، واحدة من النقاط المحورية.. هل الأمر ينطوي هذه المرة على جدية وصرامة؟

قبل الحديث عن مراجعة التحويلات الاجتماعية، يجب أن تتوفر المعطيات الدقيقة التي يمكن أن نبني عليها هذه المسألة، خاصة أن هذا الملف سبق وأن تم فتحه منذ سنوات، غير انه بقي حبيس الأدراج، غير أن الأزمة المالية التي عرفتها الجزائر بعد انهيار أسعار النفط أعادت فتحه سنة 2014، أما الحديث عن الجدية في التطبيق من عدمه خاصة وان الأرقام الاقتصادية للبلاد في السنوات الأخيرة أصبحت مخيفة، فيعيدنا إلى ما تعلق بضرورة القضاء النهائي على السوق الموازية وفتح الحوار أمام جميع المعنيين وإشراك الخبراء والمختصين في مجال الاقتصاد لبحث سبل إيجاد صيغة لا تضر بالفئات الهشة في المجتمع.

هل يمكن أن يفهم هذا المحور على أنه تخل عن مكتسبات، وهل هو حل لا بد منه في ظل الأزمة التي تعيشها البلاد؟

لا يمكن القول إنه تخل عن المكتسبات بقدر ما هو إعادة النظر في الفئات التي تستفيد من هذا الدعم، لذا فهذه المسالة تحتاج إلى نقاش واسع، ولا يجب أن تمس الفئات الاجتماعية ذات الدخل الضعيف، وفي هذا الصدد، معلوم أن أغنياء الجزائر هم أيضا يستفيدون من التحويلات الاجتماعية، وهذا أمر غير منطقي وجب إعادة النظر فيه، فملاك الفيلات والمؤسسات الكبرى يعاملون بنفس الطريقة مع الفئة الضعيفة ذات الدخل المتوسط والمتدني، لذا وجب فتح الحوار المتواصل بين الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين وإقحام الحكومة الراشدة وتكريس دولة القانون مع توجيه الدعم باستهداف العائلات الفقيرة قبل الحديث عن هذه المسألة.

انخفضت قيمة التحويلات الاجتماعية من 26 مليار دولار في سنوات الرخاء إلى نحو 16 مليار دولار حاليا، هل هذا الرقم كاف لتلبية حاجيات الفئات الهشة وما أوسعها؟ 

في الحقيقة ليس لدي معطيات واضحة حول هذا الرقم، لكن ما يمكن أن أقوله بأن مبلغ 16 مليار دولار كافي لتلبية حاجيات الفئات الهشة في حال ما إذا تمت إعادة النظر في قائمة المستفيدين من هذه التحويلات شرط أن لا تمس الفئات الميسورة وأصحاب الدخل المرتفع. 

كيف السبيل لتنظيم عملية التحويلات الاجتماعية بالشكل الذي يحمي حقوق الفئات الهشة ومن دون أن يضر بخزينة الدولة؟ 

عملية تنظيم التحويلات الاجتماعية في ظل المعطيات الاقتصادية الخطيرة، تحتم إعادة النظر في طريقة التسيير والبحث عن دخل مالي جديد خاصة وان جل المشاريع الاقتصادية لا يتم الاستفادة منها، فضلا عن ضرورة التخلي عن مشاريع “البريستيج” التي تكلف الخزينة العمومية مبالغ طائلة، والشيء الذي يخيف في هذه المسالة هو قضية الضرائب الغير محصلة والتي تجاوزت الملايير. 

هناك أمثلة ناجحة في العالم لإيصال التحويلات الاجتماعية إلى مستحقيها.. ما هو برأيكم المثال الأنسب للحالة الجزائرية؟ 

في الحقيقة؛ الاقتصاد الفعلي لا يوجد فيه مصطلح اسمه دعم الفئات الهشة والتحويلات الاجتماعية، وهو ما نلاحظه في الدول الصناعية الكبرى في العالم، التي أجور عمالها مرتبطة بمعدل التضخم والإنتاج، وإذا تحدثنا عن النماذج الناجحة في العالم في ميدان إيصال التحويلات الاجتماعية إلى مستحقيها، والتي يمكن للجزائر استخلاص العبرة منها واعتمادها كنموذج نجدها قليلة جدا إن لم نقل منعدمة، ما عاد دولة ماليزيا وإيران اللتين تحسب لهما تجربة ناجحة في هذا المجال على عكس فنزويلا التي تعد تجربتها كارثية، لذلك على الجزائر أن تعيد النظر في حساباتها وتفتح المجال أمام الخبراء وأصحاب الكفاءات لإيجاد صيغة ترضى جميع الأطراف وتحفظ للفئات الهشة من المجتمع حقوقها.

 

الخبير الاقتصادي فارس مسدور لـ “الشروق”:

هذه هذي الطريقة الأمثل لدعم الفئات الهشة

يرى الخبير الاقتصادي فارس مسدور أن الحل الأمثل لمراجعة نظام التحويلات الاجتماعية في الجزائر بشكل يحافظ على السلم الاجتماعي ويحد من المبالغ المالية الطائلة التي تصرفها الدولة على دعم المواد الغذائية دون استفادة الفقراء منها بشكل دقيق، يكمن في إنشاء بطاقية إلكترونية للفقراء ليستفيدوا من الدعم المباشر من جهة، والحد من الفوضى والفساد وتقليص حجم الأموال التي تتكبدها الدولة من جهة أخرى.

تشكل مسألة مراجعة نظام التحويلات الاجتماعية في مخطط عمل حكومة الوزير الأول عبد المجيد تبون، واحدة من النقاط المحورية.. هل الأمر ينطوي هذه المرة على جدية أكبر؟

الأمر لا يعتبر جديا لأنه يتعلق بضغط رهيب يعاني منه المجتمع الجزائري، وعلى الحكومة أن تلتزم التزاما كاملا بتبني تغطية كل حاجيات المجتمع الجزائري ومواصلة سياسية الدعم الاجتماعي، الذي عملت به منذ سنوات خشية الانفجار الذي أوشك أن يقع ويجر البلاد إلى ما لا تحمد عقباه، ومن ثم لابد من امتصاص الغضب الشعبي نتيجة أخطاء الحكومات السابقة، وهي الأخطاء التي بدأت صورها تبدو جلية للمجتمع مع مرور الوقت، وبالتالي أعتقد أنه لا بد من إيجاد حلول جدية وفعلية لا مجرد كلام، وعرضها كمحور للنقاش في مخطط عمل الحكومة الموجود بين أيدي نواب الشعب.

هل يعتبر هذا المحور إذن، تخليا عن مكتسبات أم حلا لا بد منه في ظل الأزمة التي تعيشها البلاد؟

أكيد أن مراجعة نظام التحويلات الاجتماعية هو حل من الحلول، خاصة أن رئيس الجمهورية ركز على ضرورة الإبقاء على سياسة الدعم والتضامن والتكافل الوطني، لكن الإشكال يبقى في تطوير أدوات إيصال الدعم الاجتماعي لمن يستحقه فعلا، كاستخدام قاعدة بيانات إلكترونية للمحتاجين الحقيقيين، وتكون لهم الأولوية دون سواهم، لأن الدعم من قبل كان يسير بطريقة فوضوية، وطاله الفساد، ولما يكون مسيرا بطريقة مقننة لا يمكن التلاعب به، مثل ما حصل في ملف السكن الذي يتم إخضاع المعنيين فيه لبطاقية وطنية لقطع الطريق على المتلاعبين.

سجلت قيمة التحويلات الاجتماعية انخفاضا من 26 مليار دولار في سنوات الرخاء إلى نحو 16 مليار دولار حاليا، هل هذا الرقم كاف لتلبية حاجيات الفئات الهشة وما أوسعها في الجزائر؟

صحيح، قيمة التحويلات الاجتماعية انخفضت كثيرا بسبب الأزمة الاقتصادية التي تمر بها الجزائر ورقم 16 مليار دولار غير كاف لتلبية كل الحاجيات بالطبع، لكن إذا ما تم إنفاقه بطريقة رشيدة وبأخذه من قبل من يستحقه فقط سيكون كافيا، أما سياسة العطاء دون حساب واستغلال المسيرين للأموال فهنا تكون الكارثة.

برأيكم، كيف السبيل إلى تنظيم عملية التحويلات الاجتماعية بالشكل الذي يحمي حقوق الفئات الهشة ودون أن يضر بخزينة الدولة التي تعاني من عجز مزمن؟

لابد من إعادة النظر في البطاقة الوطنية للفقراء، وتطهيرها من الدخلاء، فضلا عن إدخال الوسائل التكنولوجية لتسيير ملف التحويلات الاجتماعية، مع اعتماد بطاقات إلكترونية لاستفادة كل عائلة فقيرة من الدعم، وإلغاء كل أشكال الدعم التقليدي مثل قفة رمضان واستبدالها بالبطاقة المغناطيسية للشراء وهذا لمكافحة كل أنواع الفساد، كما يمكن للحكومة الاستمرار في دعم المواد الأساسية شريطة أن يكون الدعم نوعيا، فيما يمكن أن تفرض رسم مكافحة الفقر على كل النشاطات التجارية والخدمات، وأمواله تخصص لتعويض الدعم الاجتماعي.

هناك الكثير من الأمثلة الناجحة في العالم لإيصال التحويلات الاجتماعية إلى مستحقيها.. ما هو برأيكم المثال الأنسب للحالة الجزائرية؟

اطلعت على بعض التجارب في الدول العربية والإسلامية، وأعتقد أن التجربة الكويتية الأفضل لو تم تجسيدها في الجزائر، حيث تعتمد الكويت على قاعدة بيانات قوية وممتازة لتسيير أموال بيت الزكاة التي يتم منحها فيما بعد للمحتاجين بطريقة حضارية، عن طريق بطاقات إلكترونية تمنح لكل فقير وتشحن في كل مرة بأموال الزكاة ليستخدمها في شراء حاجياته بشكل يحفظ كرامته، وفي دول أخرى تمنح قسيمات شراء للفقير يشتري ما يريد منها، ويعتبر هذا تقدما في الخدمة ودعم مباشر لمن يستحقه دون إهانته أو ذهاب المال لغير أهله.

مقالات ذات صلة