الرأي

هل تصبح تونس”النموذج العربي” ديموقراطيا؟

يعتقد الكثير ممن لا يؤمنون بالتغيير أن ربيع الشعوب كان “كارثة” على العرب والمسلمين شبيهة بأحداث الثلاثاء 11 سبتمبر2001، بالرغم من أن الربيع وُلد في دول أوروبا الشرقية بعد سقوط جدار برلين وترعرع عبر الانتفاضات الفلسطينية، وصار رمزاً للمقاومة وبفضله حقق حزب الله الانتصار الأول، وحققت حركة حماس الانتصار الثاني على الكيان الصهيوني المدعوم أمريكيا وغربيا، وسقطت الأنظمة الموالية لها مثل نظام حسني مبارك.. لكن هل نستطيع أن نقول إن هذا الربيع انتقل إلى إفريقيا بعد أن قتلته الردّة في الوطن العربي حتى صار الواحد منا ضد نفسه على حد تعبير الشاعر العربي مظفر النواب؟.

الوجه الآخر لربيع الشعوب

من حق المواطن أن يشكك في التغيير الذي حدث في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، ولكنه ليس من حق النخب أن تغض الطرف عن دور التغيير في بناء الدول؛ فالذين قادوا الثورات في الوطن العربي استشهدوا أو أبعدوا عن قيادة البلاد بعد سقوط النظام القائم، لكن الذين استفادوا منه كانوا يحلمون بالانفراد بالحكم، فكانت النتيجة هي الثورة المضادة فانتقلت البلاد من الاستبداد إلى المواجهة بين الثوار وفلول النظام السابق أو بين المعارضة القادمة من الخارج والمعارضة الداخلية، ودخل عددٌ من الأقطار في دوامة العنف حتى صار المواطن ضد التغيير بسبب التضليل الإعلامي، ولنأخذ مثلا تونس التي كانت ثورتها نموذجية لكن تداعيات التقاتل في ليبيا وظهور ما يسمى بـ”السلفية” في لباسها التكفيري ومحاولة من بقي من نظام ابن علي التسلل إلى البرلمان، جعل البلاد تواجه صعوبات في تصور ثلاثيتها للمستقبل، وبات الاختيار محصورا في من حكموا تونس في عهديْ بورقيبة وبن علي، ومن أنقذوا البلاد من الغرق في مستنقع الحرب الأهلية، كما هو الحال في مصر وليبيا واليمن وسوريا.

ماذا بقي للباجي قايد السبسي من منصب لم يتقلّده أثناء حكم بورقيبة وابن علي؟ هاهو يتجاوز 88 سنة، وما يزال متشبِّثا بالحكم، وهاهي الأحزاب اليسارية تدعّمه حتى يُعاد لها الاعتبار سياسيا، بعد أن فقدته شعبيا، وإذا انتخب رئيسا.. هل سيحقق للشعب التونسي ما لم يحققه له بورڤيبة وابن علي؟ هل يعيد صياغة مرحلتيهما؟ أم هو الحنين إلى الماضي الذي أسقطته ثورة الشباب التونسي على النظام السابق؟

يعتقد الكثير من الأشقاء في تونس أن انتخاب السبسي رئيسا سيدرّ عليهم “أموال الخليج وأوروبا” ويعيد الاعتبار للسياحة التونسية ويمتِّن العلاقات مع دول الجوار، وهو اعتقاد خاطئ، فمن يقرأ مذكراته قد يشكك في ذلك، فهل ستشهد تونس انتعاشا اقتصاديا بفضله؟ إن من تتبَّع الحملة الانتخابية الرئاسية بينه وبين المرزوقي يكتشف الصراع الحقيقي بين جيلين مختلفين؛ الأول وهو جيل ما بعد الثورة المبعَد عن البرلمان وجيل ما قبل الثورة الذي يريد الهيمنة على السلطة بأي ثمن، فهل يحقق جيل الثورة انتصاره الأول في حال فوز المرزوقي بالرئاسة ؟.

الثورة ليست في تغيير الأشخاص أو إسقاط الحاكم وإنما في تغيير ذهنية من يحكمون بعدهم، والشعوب لا تؤمن بالوعود وإنما بالملموس، ومن حكموا تونس أثناء الثورة لم يحققوا جديدا للشعب التونسي وإنما جعلوه يشعر بالخوف من المستقبل، فهل هذا المستقبل هو العودة إلى الماضي؟.

تراهن السلطة الجزائرية على السبسي حتى تتفادى انتقال عدوى الثورة  بالادّعاء أن 5 أكتوبر 1988 كان ثورة، لكن الحقيقة عكس ذلك فهو من وجهة نظر الدكتور العربي الزبيري مؤامرة على جبهة التحرير، لكنه أدى إلى تعددية شابها الكثيرُ من التزوير وتضليل الرأي العام بالقول: إن الجزائر معرّضة للإرهاب الذي عانته خلال ما يسمى بالعشرية الدموية 1992   1999 التي خلفت 200 ألف ضحية وأكثر من 20 مليار دولار خسائر مادية، ورهنت الديمقراطية في جيل الحزب الواحد.           

لم تتعاون تونس مع أمريكا في سجن أبنائها أو تعذيبهم لأن نظام ابن علي كان يقوم بهذه الوظيفة عكس دول عربية أخرى كانت تقوم بالوظيفتين معا وهي:”مصر، السعودية، المغرب، الأردن، الجزائر، اليمن، الإمارات، ليبيا، موريتانيا، جيبوتي والصومال” حسب تقرير مجلس الشيوخ الأمريكي حول تورُّط المخابرات المركزية الأمريكية في ممارسة  تعذيب السجناء المسلمين -بمشاركة 54 دولة من بين 193 دولة منضوية تحت الأمم المتحدة أو عملية الاستنطاق أو استخدام أراضيها في اختطافهم أو مجالها الجوي لنقل المشتبه بهم من المسلمين، فهل شاركت أقطارنا العربية في الحرب الصليبية الأمريكية على ما يسمى بـ”الإرهاب الإسلامي” في أجندة الغرب؟.

  إن إخفاء جثة أسامة بن لادن في أعماق البحار يتنافى مع القيم الدينية للمجتمع، وحتى الذين قاموا بإخفاء جثمان معمر القذافي يسيرون في الركب الأمريكي، إنه من حق عائلات هؤلاء المقتولين أن يدفنوهم  وفق الشرائع السماوية والديانات الوضعية.

هذه هي إنجازات ربيع الشعوب

بدأت دولٌ وبرلمانات أوروبية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية وتراجعت عن دعمها السابق للكيان الصهيوني، وهو مكسبٌ يعود الفضل فيه إلى الربيع العربي ولم تحققه الجامعة العربية منذ ما يزيد عن 60 سنة.

ربما يقول البعض إنه مجرد اعتراف رمزي حتى تتفادى إسرائيل انتفاضة جديدة، ولكن الحقيقة أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية العرب الذين انشغلوا بالحرب على الإخوان المسلمين، ودعم الثورات المضادة لربيع الشعوب، وإذا كانت أمريكا لم تتخلّ حتى الآن عن إسرائيل، إلا أنها بدأت تفقد سلطتها على الجماعات الإسلامية المسلحة، فقد تحوّل الجيل الأول منها إلى”القاعدة”، وحين فقدت مؤسسها تحوّلت إلى قواعد أخرى، وما لم تتوقعه هو ظهور الجيل الثالث من المسلّحين وهو خرّيج سجونها في العراق وبقية الأقطار التي ساعدتها على تعذيب هذا الجيل، إنه لا يريد أن يحارب أمريكا في الخفاء، وإنما من خلال البلدان التي احتلتها أو تساعد المعارضة لإسقاط نظامها معتمدا على فساد النظام والمعارضة، وهاهو ينشئ “دولة إسلامية” في العراق والشام ويستفز أمريكا والغرب بقطع رؤوس رعاياها حتى تدخل معه حرباً برية، فيكشف لها عن وجهه الحقيقي كما كشف نوري المالكي عن وجهه الحقيقي في اضطهاد السنة فكانت نهايته.

إن ما تحقق بفضل ربيع الشعوب في الدول التي لم يشملها هذا الربيع هي كمية الحرية التي حصل عليها مواطنوها على المستوى السياسي والإعلامي والاجتماعي وحقوق الإنسان.. ويكفي أن يتحرك المواطنون في أيّ قرية احتجاجا على مسؤول أو تجاوزات إلاّ وتستجيب السلطة لتحقيق مطالبهم، فهل هذا قليل؟ أما دول الربيع فإن التدخل الخارجي أدى إلى تداعيات أمنية، وإذا نجحت التجربة التونسية فإنها ستصبح النموذج العربي ديمقراطيا.

 

هوامش:

* بدأت دولٌ وبرلمانات أوروبية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو مكسبٌ يعود الفضل فيه إلى الربيع العربي ولم تحققه الجامعة العربية منذ ما يزيد عن 60 سنة. ربما يقول البعض إنه مجرد اعتراف رمزي حتى تتفادى إسرائيل انتفاضة جديدة، ولكن الحقيقة أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية العرب الذين انشغلوا بالحرب على الإخوان المسلمين ودعم الثورات المضادة لربيع الشعوب.

* إن ما تحقق بفضل ربيع الشعوب في الدول التي لم يشملها هذا الربيع هي كمية الحرية التي حصل عليها مواطنوها على المستوى السياسي والإعلامي والاجتماعي وحقوق الإنسان.. ويكفي أن يتحرك المواطنون في أيّ قرية احتجاجا على مسؤول أو تجاوزات إلاّ وتستجيب السلطة لتحقيق مطالبهم، فهل هذا قليل؟ 

مقالات ذات صلة