هل جمع المناسبات على مائدة واحدة ناجح في الأسرة؟
تغيرت تفاصيل أفراحنا، واندثرت جل طقوسها بين التجديد والتقليد، فبعدما كانت طبول أعراسنا تقرع لسبعة أيام وسبع ليال على موائد تزخر خيرات، أصبح الجزائريون يختزلون فرحة العمر في بضع ساعات، ففي زمن ليس بالبعيد كان بمجرد إعلان موعد الفرح ينطلق المعنيون به في سباق ماراتوني يسابق الزمن، في جولات عبر الأسواق الشعبية بين محلات الأفرشة والأثاث والملابس، تستنزف فيها جيوبهم، تجهيزا لليوم الموعود، وتنطلق الاحتفالات ليال قبل الزفة وتستمر أخرى بعدها، ولكن هذه العادات بدأت تندثر في سنواتنا الأخيرة، خاصة في الحواضر، وراح البعض يلغونها بطقوس جديدة أفقدتنا متعة الاحتفال على الطريقة الجزائرية الأصيلة التي تكمن في امتداد مدة الوليمة أطول وقت ممكن.
أعراس مزدوجة واخرى مؤجلة الى حين وبعضها ملغى.
بسب اقحام عادات غريبة، أضحت كأعراف ملزمة للكل، هي في الغالب عادات يطغى عليها الطابع المادي، ككراء قاعات الحفلات التي بلغت اسعارها حدودا قياسية، مع كثرة الطلب عليها، اذ لا يقل سعر ارخص قاعة عن 60 ألف دينار، بعد ما كانت حفلات الزفاف أو الخطوبة والختان في الماضي تقام على أسطح البيوت التي تغطى بقماش خشن أو “الباش” كما يعرفه الجزائريون، وتكاليف الجهاز والتصديرة والحلويات وغيرها من المصاريف التي تعجز عن تسديدها العائلات ذات الدخل المحدود، الأمر الذي أدى إلى انتشار ظاهرة الأعراس الجماعية، التي عرفت إقبالا كبيرا من أفراد الأسرة الواحدة، فمع تحالف المناسبات، والارتفاع المستمر في التكاليف، أصبح الجمع ميزة الأعراس الجزائرية، وفي هذا الصدد يقول فؤاد صاحب قاعة افراح ببوفاريك: “تأتينا حجوزات لأعراس مزدوجة، فنظرا لضيق بعض البيوت أو تفاديا لاستقبال المدعوين بمنزل العائلة يلجأ العرسان الى قاعات الافراح، ولأن اسعار بعضها مرتفع نوعا ما، بدأ الناس يفكرون في اساليب جديدة للهروب من المصاريف الزائدة فاتخذوا من الأعراس الجماعية اسلوبا”، فبعد الجمع بين عرس الزوجة والزوج في موعد واحد على الطريقة الغربية، أخذت موضة اخرى في الانتشار خلال السنوات الأخيرة، وهو ما أكدته للشروق العربي السيدة ليلى منظمة أعراس بوكالة ليلى بالأبيار: “أغلب الأفراح التي تلقيت طلبية تنظيمها، هي أفراح جماعية، فضل أصحابها الهروب من الضريبة المتكررة لكل من قاعة الحفلات والحلويات والفرقة الموسيقية..، وفضلوا جمع المناسبات وتقليص التكلفة، والبعض راح يقلص معها العادات المتوارثة كحنة العروسة ـ رغم أننا نسعى للحفاظ عليها في وكالتنا-“.
وفاء، التقيناها بصالون حلاقة بالأبيار، تطلب تسريحة فخمة، سألناها فيما اذا كان موعد خطوبتها أو عرسها؟ فأجابت: “إنهما موعد واحد، خططت لعرس شامل أجمع فيه كل مراسيم زواجي، من أجل توفير القليل من المال لاستئجار شقة صغيرة، فزوجي محدود الدخل”، عرس وفاء مدته أمسية واحدة تبدأ بزيارة أهل العريس، المحملين بـ”الصداق” و”طبق الحنة”، بالإضافة إلى كعكة الخطوبة التي يتقاسمها العريسان مع الضيوف كما في مراسيم الخطبة، وبعدها تستمر الأمسية على الأنغام العاصمية حتى الصباح، حيث يرفع العرس لتنتظر العروس مدة شهرين قبل أن تزف إلى بيت زوجها دون الحاجة إلى إقامة فرح آخر.
وفي سياق آخر، تروي لنا لالا مريم من القصبة، كيف تم إلغاء عرس ابنها الأصغر: “زوجت أبنائي الثلاثة، وفي كل مرة كنت أنفق الكثير من المال والجهد قبل أن تكتمل المراسيم، وأجد نفسي معلقة بالديون التي لا أعرف من أين أسددها حتى يحضرني فرح آخر، ولكن هذه المرة قررت أن أهب ابني المال من أجل السفر، والاكتفاء بإعلان زواجه من خلال حفل عشاء للجيران والأقارب، كما كان يفعل آباؤنا..”.
أفراح النجاح تستبدل بهدايا رمزية
يعود الوضع الاقتصادي للكثير من العائلات الجزائرية ليلغي جزءاً من أفراحها المعتاد أن تفتتح موسم الصيف، بالزغاريد والولائم المتتالية، فقد أصبح من النادر جداً المرور بدعوة حفل نجاح، بعد ما كان هذا الأخير مفخرة العائلات على بساطتها، تحولت أفراح البكالوريا وشهادات النجاح الأخرى التي كان يحضرها القريب والبعيد، ويتقاسمها الناجح مع الراسب إلى هدية لا تتجاوز قيمتها مهما كبرت، أدنى شعور بمتعة تلك اللمة العائلية على مائدة قهوة أو عشاء تقليدي، فبالأمس كانت الأمهات تتوعد أبناءها المتمدرسين وخاصة بناتها بوليمة “يذكرها الجميع”، في حال نجاحه، بيد أن هذا الأمر أصبح دقة قديمة في المجتمع الجزائري، في الوقت الذي طغى فيه الجانب المادي على كل جوانب حياتنا، تقول السيدة سهيلة: “لي ثلاثة أولاد نجحوا السنة الفارطة في شهادات التعليم الابتدائي، المتوسط والبكالوريا، بدل أن أقيم لكل واحد منهم وليمة أنفق فيها جهدي ومالي، اشتريت لكل واحد منهم هدية، بينما أقمت حفل قهوة مشترك للأقارب والأحباب”.
جمع الأفراح حل مشكل المادة وأوقعنا في مشكل القيم

من الناحية الاجتماعية، يفسر المختصون ظاهرة الجمع بين المناسبات السعيدة في المجتمع الجزائري، على أنها ظاهرة دخيلة، حيث تقول الأستاذة زهرة شريف، أستاذة علم الاجتماع بجامعة الجزائر: “بحكم أن المجتمع في تغير وتطور متواصل، فإن حاجات ورغبات أفراده تزيد، وبالتالي تزداد معهم طموحاتهم وترتفع في ظلها تكاليف الحياة، ما أصبح يتطلب الكثير من المجهودات المادية والمعنوية من أجل سدها، هو الأمر الذي دفع بالكثير من العوائل للجمع بين أعراسها حتى يتمكنوا من تقليل تلك الأتعاب، وهذه الظاهر صحيح أنها استطاعت حل المشاكل المادية التي تؤرق أفراد المجتمع الجزائري، ولكنها بالمقابل خلقت مشكلاً من نوع آخر، هو مشكل اجتماعي، فالأصل أن يقام الفرح بين العائلتين كما هي العادة عند الجزائريين، يتآلف فيه الأفراد، ويحتكون بتقاليد العائلة الموازية، ويكون لهم متسع من الوقت للتعارف في تأن لتوطيد أواصر هذه العلاقة، دون أي حسابات مادية”.