-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل ستنفع السكة الحديدية اقتصاد الجزائر؟ (1)

عمار تو
  • 4524
  • 0
هل ستنفع السكة الحديدية اقتصاد الجزائر؟ (1)

في ضوء تدشين السيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبّون بتاريخ 24 أفريل 2025، أول خط للسكة الحديدية الجديد ذي الرمزية العالية الرابط بين مدينة بشار وبلدة العبادلة على مسافة 100 كيلومتر من الخط الاستراتيجي ”بشار- تندوف- غارا جبيلات”، تطمح هذه المساهمة إلى تنوير الرأي العامّ بخصوص الدور الاستراتيجي الهامّ الذي ينطوي عليه البرنامج التنموي الجديد للسكة الحديدية في الجزائر والذي يعرف، حاليا، أوقات عزّته المتميزة على كل الأصعدة، ومنها الاقتصادية على وجه الخصوص.
وسأركز، أساسا، على البعد الاقتصادي والبعد الصناعي للسكة الحديدية وبعد كهربة خطوطها.

1- البعد الاقتصادي
بعد مرحلة امتدت عشرات السنين، قفز طول شبكة السكة الحديدية الجزائرية من قرابة 1769 كلم سنة 2008 إلى قرابة 5000 كلم حاليا، مع استمرار توسعته، اليوم، في كل مناطق البلاد، بغرض استكمال هدف 15000 كلم المبرمجة لسنة 2030 لتكون، حينها، أطول شبكة سككية في إفريقيا وفي العالم العربي.
وقد صاحب، أسفا، هذه الطفرة، ابتداء من سنة 2014، تراجعٌ تدريجي في وتيرة الإنجاز بسبب الصعوبات المالية التي عرفتها الجزائر، بعد انهيار أسعار البترول في منتصف 2014 من جهة، وبسبب القضايا التدبيرية للشأن العامّ التي عرفتها المرحلة إلى غاية 2019 والمتمثلة في الإبقاء، غرابة بالتوازي، على نفس مستوى الواردات ذات المنفعة الاجتماعية التافهة، من جهة أخرى.

بعد مرحلة امتدت عشرات السنين، قفز طول شبكة السكة الحديدية الجزائرية من قرابة 1769 كلم سنة 2008 إلى قرابة 5000 كلم حاليا، مع استمرار توسعته، اليوم، في كل مناطق البلاد، بغرض استكمال هدف 15000 كلم المبرمجة لسنة 2030 لتكون، حينها، أطول شبكة سككية في إفريقيا وفي العالم العربي.

وقد تكثّف، عكس ذلك، جهدُ توسعة الشبكة منذ 2020، في مختلف مناطق البلاد، لاسيما تلك المشاريع العملاقة الجاري إنجازها، حاليا، في المناطق الصحراوية والتي نذكر منها على وجه الخصوص:
1.1- الخط الرابط بين مدينة بشار ومدينة تندوف ومنجم الحديد الإستراتيجي لغارا جبيلات بطول 950 كلم، الذي سيدرّ على الجزائر ما بين 10 و14 مليار دولار سنويا، ابتداء من سنة 2027/2026 عند اكتمال الخط واستلامه. وهو خط اقتصادي بامتياز، سينقل، بالأساس، خامات الحديد إلى شمال البلاد، عن طريق مدينة بشار ويصل خط السكة الحديدية القائم منذ 2010 والذي يربط المدينة بالشبكة السككية الكثيفة في شمال البلاد وحيث تتواجد مصانع الحديد والصلب الضخمة، كالمصنع التركي في ”أرزيو” بوهران بطاقة 5 ملايين طن سنويا، والمصنع الجزائري – القطري في ”بلارة” بجيجل بطاقة مليوني طن سنويا والجارية توسعته إلى خمسة ملايين طن، ومصنع ”عنابة” الجزائري بطاقة مليوني طن سنويا. وهي مصانع قد دخلت مرحلة التصدير إلى كثير من مناطق العالم.
ويجدر التنبيه إلى أن إنتاج هذه المركّبات الصناعية يتركز على حديد البناء بمختلف المقاطع القطرية، إلا أن مركب “أرزيو” قد انتقل منذ السداسي الثاني لسنة 2024، إلى إنتاج الصفائح الحديدية التي تدخل في صناعة السيارات والشاحنات والحافلات وشبيهاتها والتي بدأت تعرف ازدهارا متزايدا في الجزائر.
1. 2- الخط الرابط بين شمال الجزائر وأقصى جنوبها، على مسافة 2200 كلم والذي أنجز منه، إلى اليوم، أكثر من 400 كلم، وصولا إلى مدينة الأغواط على أبواب الصحراء الكبرى. وستنطلق أشغال إنجاز الأشطر الموالية، خلال سنة 2025، في اتجاه ولايات المنيعة وتيميمون وأدرار غربا، وفي اتجاه ولاية ورقلة إلى غاية حاسي مسعود، القلب النابض البترولي شرقا، وفي اتجاه الجنوب نحو تمنراست إلى غاية الحدود الجنوبية، بأمل رؤية بلدان الجوار، جنوبا، تواصل تمديد هذه الشبكة إلى أراضيها.
وتزخر ولاية ”المنيعة” بفائض وافر من الخضر والفواكه المختلفة المبكرة وبتربية الأغنام والتي تحتاج إلى نقل سككي مكيَّف نحو الشمال لتسويقها، وطنيا، أو تصديرها.

الخط الرابط بين مدينة بشار ومدينة تندوف ومنجم الحديد الاستراتيجي لغارا جبيلات بطول 950 كلم، سيدرّ على الجزائر ما بين 10 و14 مليار دولار سنويا، ابتداء من سنة 2027/2026 عند اكتمال الخط واستلامه. وهو خط اقتصادي بامتياز، سينقل، بالأساس، خامات الحديد إلى شمال البلاد، عن طريق مدينة بشار ويصل خط السكة الحديدية القائم منذ 2010 والذي يربط المدينة بالشبكة السككية الكثيفة في شمال البلاد.

وتتميز ولاية ”تيميمون” بقطبيتها السياحية الفريدة وثقافتها النادرة. وقد أصبحت، إلى جانب ذلك، مقصدا استثماريا فلاحيا لافتا، بفضل الاستثمارات الإيطالية الجارية بها في ميادين زراعة القمح الصلب وتطوير البذور وإنتاج البقول الجافة واستحداث صناعة العجائن الغذائية وبناء صوامع التخزين، على مساحة 36000 هكتار، وذلك بمخصصات مالية مرصودة تبلغ 420 مليون يورو، إلى جانب مستثمرين آخرين في الصناعة الغازية بعد الاكتشافات الهامة التي دخلت مرحلة الاستغلال منذ 2018، في شراكة مع الأجانب. وينتظر تجسيد استثمارات أخرى معلنة، من قبل بلدان عربية أخرى تحديدا.
وسيربط هذا الخط، الموانئ الجزائرية لنقل الحاويات القادمة من مختلف مناطق العالم، بالبلدان الإفريقية القارية جنوب الصحراء، وذلك بمحاذاة الطريق العابر للصحراء عبر الجزائر والنيجر ونيجريا والتي أشرفت أشغال إنجازه على نهايتها.
1. 3- الخط المزدوج المكهرب، الرابط بين مدينة ”عنابة” المينائية ومنطقة مناجم الفوسفات الغنية بمخزون يفوق 2,8مليار طن والواقعة جنوب ولاية ”تبسة” على مسافة 422 كلم، والذي سيُستلم نهاية 2026 لينقل خامات الفوسفات إلى مناطق تصنيعها في أربع ولايات في الشمال وتصديرها عبر ميناء عنابة، بما يدرّ على الجزائر مداخيل مباشرة تدور حول 2 مليار دولار سنويا، من دون احتساب الانعكاسات الحميدة الكثيرة على الإنتاج الفلاحي بفعل المخصّبات العالية الجودة المشهود لها. ويجدر التنبيه إلى أن المشروع يقوم على استثمارات تبلغ نحو 7 ملايير دولار.
1. 4- الخط المتفرّع عن مدينة بشار، الممتد جنوبا، نحو ولاية أدرار على مسافة نحو 577 كلم والذي سيربط ولاية أدرار الصناعية – الفلاحية بامتياز، بشمال الجزائر عند محطة بشار السككية القائمة كما أسلفنا ذكره.
وصناعة البترول، في شراكة مع الأجانب، والاستثمارات القطرية العملاقة الجارية بالولاية في ميدان إنتاج الحليب المجفف وحليب الأطفال وإنتاج اللحوم الحمراء وزراعة الأعلاف، بـ270000 رأس من الأبقار الحلوب وبإنتاج 1,7 مليار لتر من الحليب سنويا بمخصصات مالية تفوق3,5 مليار دولار إلى جانب انتظار نضج الاستثمارات التركية في المجال الفلاحي بمنطقة ”أولف” لتطرح، هي الأخرى، الحاجة الملحة لنقل مناسب بالسكة الحديدية على وجه الخصوص.
1. 5- ستكتمل الشبكة بفك العزلة عن منطقة ‘وادي سوف الزاخرة بمنتجاتها الفلاحية المتنوعة والمشهود لها وطنيا وأجنبيا، بغرض تسويقها داخليا أو تصديرها بشروط تنافسية. وذلك بربط مدينة الوادي فيها، بالشمال، شرقا نحو عنابة أو قسنطينة أو نحو الجزائر العاصمة وسطا نحو الأغواط، أو بها جميعا. وهي المشاريع المسجلة، في الأصل، ضمن البرامج التنموية الوطنية العامة للسكة الحديدية:
– إما بخط للسكة الحديدية يربط مدينة الوادي بالخط المعدني الرابط بين منجم الفوسفات على مستوى ”بلاد الحدبة” بجبل ”العنق” ولاية تبسة على مسافة 160 كيلومتر.
– أو بخط يمر عن بلدة ”سطيل” في اتجاه بسكرة وشرق البلاد القريب والذي يربط، على مسافة 135 كيلومتر، مدينة وادي سوف بالحلقة الجنوبية الشرقية على مستوى بلدة ”سطيل” إحياء للخط الضيق القديم المتدني السرعة والذي اندثر منذ زمن طويل.
– أو بخط يمرّ بمدينة تقرت على بعد 80 كيلومتر من الحلقة الجنوبية الشرقية.
– أو عن طريق جميع هذه المحاور الثلاثة نظرا للفوائد النوعية لكل اتجاه، كما يتضمّنه مخطط التنمية الشامل (المخططات الخماسية) وبالخصوص المخطط الخماسي 2009-2013.
وضمن الحركية ذاتها، رُفعت سرعة القطارات لتبلغ 220 كلم/ الساعة أو السرعة العالية عوض 160 كلم/ الساعة، على كل الخطوط الجديدة أو الخطوط التي جرى تحديثها لتحقيق هذا الهدف.
وقد استقر الرأي على سرعة 220 كلم/ الساعة رغم الآراء التي كانت تدعو إلى المرور إلى السرعة الفائقة بـ350 كلم/ الساعة التي كانت، آنذاك ”موضة الوقت” .

يشكّل القرار الذي اتّخذ في 2023 بغرض الانتقال، آنيّا، إلى صناعة وطنية للقطارات العصرية والعتاد الملحق في الجزائر بشراكة مع الصين، قرارا منسجما مع رؤية التنمية الاقتصادية الشاملة المكرّسة منذ 2020. ونقلُ السلع بالقطار الذي كان، دوما مهمّشا، عرف تزايدا سريعا خلال السنوات الأخيرة؛ فقد بلغ في سنة 2023 ما يمثل11,3 % مقارنة بمتوسط عالمي بلغ 20 %.

وبصرف النظر عن عامل التكلفة التي هي أعلى بكثير، كان العامل الذي فصل لصالح سرعة 220 كلم/ الساعة، يتمثل في خارطة العمران الوطنية التي تتقارب فيها المدن والتي، من الناحية الواقعية، لا تحتمل، عمليا، على الخط ذاته، السرعة الفائقة، إلا إذا سخِّر القطار فائق السرعة لحواضر من دون أخرى بصفة انتقائية على الخط ذاته. وهذا ما لا يستصيغه مبدأ التساوي المكرَّس في ثقافتنا. لكن المستقبل يبقى مفتوحا على كل الاحتمالات النظرية.
ويجدر التذكير بهذا الصدد، بأن عملية كانت قد سُجلت في هذا الشأن لدراسة هذه الإمكانية في اتجاه الجنوب الكبير من دون اقتناع كاف لدى السلطات العليا للبلاد، فلم تنجز هذه الدراسة لغاية اليوم واعتمدت سرعة 220 كلم/ الساعة للخط المتجه نحو تمنراست والتي ستنطلق قريبا أشغال إنجازه.

2- البعد الصناعي
من جهة أخرى، يشكّل القرار الذي اتّخذ في 2023 بغرض الانتقال، آنيا، إلى صناعة وطنية للقطارات العصرية والعتاد الملحق في الجزائر بشراكة مع الصين، قرارا منسجما مع رؤية التنمية الاقتصادية الشاملة المكرّسة منذ 2020.
ونقل السلع بالقطار الذي كان، دوما مهمّشا، عرف تزايدا سريعا خلال السنوات الأخيرة؛ فقد بلغ في سنة 2023 ما يمثل11,3 % مقارنة بمتوسط عالمي بلغ 20 %. وتزامن هذا مع العودة التدريجية لتفضيل السفر بالقطار عند كثير من الجزائريين، وذلك بعد فتح خطوط جديدة وطويلة للسكة الحديدية بقطارات عصرية، وكذا بعد تزايد محسوس في نقل المسافرين في ضواحي المدن الجزائرية الكبيرة، بما في ذلك النقل الجهوي نحو المدن الكبيرة على مسافات تقارب 100 كلم.
ونقل المسافرين على كل هذه الخطوط، كخدمة اجتماعية، يعرف تزايدا ملحوظا، على خلاف التراجع الكبير الذي كان قد عرفه من قبل بسبب تدهور جودة الخدمات داخل القطارات أو انعدامها، أحيانا، بصفة كاملة، توازيا مع تدهور الخطوط تقنيّا، وعدم احترام المواقيت وتزايد المنافسة من قبل النقل بالحافلات والسيارات الخاصة وتدهور شروط الأمن على بعض الخطوط خلال العشرية السوداء وبعدها.
وقد تفاقمت الأوضاع حتى بعد اقتناء قطارات عصرية لكثرة الأعطاب التي أقعدت أغلبها عن الاستغلال في السنوات الأخيرة والتي يجري، الآن، تداركها المتواتر وإعادتها التدريجية إلى الخدمة، مع السعي البيّن إلى تدارك العديد من السلبيات التي عرفتها الخدمات منذ إدخال هذه القطارات الجديدة على مستوى أغلب خطوط الضواحي والخطوط الطويلة.
وتحتاج هذه الحركة التنموية الاستثنائية، بطبيعة الحال، إلى مخصصات مالية ضخمة، في تنافس مع أولويات أخرى من الصعب تأجيل تلبيتها، بالنظر إلى محدودية الطاقات المالية التي يمكن الجزائر تجنيدها، علما أن تمويل مثل هذه البنيات التحتية تتحمله خزينة الدولة بما في ذلك تكاليف العناية بها وبصيانتها بعد دخولها مرحلة الاستغلال، بخلاف القطارات والعربات والقاطرات وغيرها التي تتحمل تمويلها مالية المؤسسة العمومية للنقل بالسكة الحديدية.
أصبح تصريح الحكومة الجزائرية، حديثا ضمن قانون المالية لسنة 2025، بالغ التسبيب في ما يتعلق بالتخصيصات المالية المقررة في صالح البرنامج التنموي الجديد لشبكة السكة الحديدية للبلاد، دعما عميقا للبرنامج الجاري إنجازه. وقد ضبط استلامه بآجال صارمة، في تناسق مع برنامج التنمية الاقتصادية الشامل المسطر لأفق 2030.
وبالتوازي مع هذه التوسيعات لشبكة السكة الحديدية، يهدف البرنامج الجديد اقتناء كل أنواع العتاد التي سبق، أعلاه، عرض محتوياته في ميدان النقل بالسكة الحديدية.
… يُتبع

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!