هل صلى المسلمون الفجر؟
يروي التاريخ أن أبا لؤلؤة الماجوسي، عندما غرس الخنجر المسموم في أحشاء عمر بن الخطاب، وهو يصلي بالناس في المسجد النبوي، ظل الخليفة الثاني الراشد يصارع الموت مدة أربعة أيام، فقد فيها وعيه ودخل في غيبوبة ممزوجة بسكرات الموت، وعندما استفاق لحظات قبل أن يسلّم روحه لبارئها، نظر من حواليه، وكان جمع من الصحابة والمؤمنين يبكون سنوات خلافته العشر التي مكّنت من إيصال راية الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها، وفي حيرة ولهفة قال: “هل صلى المسلمون الفجر؟”.
ويروي التاريخ أيضا أن عبد الرحمان بن ملجم الخارجي، عندما طعن سيفه رأس علي بن أبي طالب في فجر جمعة العشرين من رمضان، ظل الخليفة الرابع الراشد يصارع الموت لمدة يومين، ولم يكف عن نصيحة المسلمين بتقوى الله ونبذ الفتن، ويروي التاريخ أن كنانة بن بشر المنافق عندما أحرق بيت عثمان بن عفان، وكان صائما يجالس القرآن تلاوة، ثم انهال عليه ضربا وطعنا بالسيف، لم يستطع الخليفة الثالث الراشد الرد، ولكن قطرة من دمه سقطت على آية من المصحف »فسيكفيكهم الله«، فاستشهد عثمان كما استشهد عمر وعلي وغيرهم من رجالات الإسلام.
وبنى المسلمون دولتهم، وصلوا الفجر في أستراليا وتايوان ومدغشر والقطب الجنوبي، وخشعوا الله واتقوه في جنوب إفريقيا وشمال أمريكا، وكفاهم الله كل الفتن التي حاولت أن تطفئ نور الله، وما استطاعت، والآن تبدو الصورة من دون روايات ولا تأويلات في مشهد مقتل الشيخ البوطي، فالصورة كانت أكثر إنباء من الكتب، فدقيقة من شريط الفيديو الذي أبحر في عالم اليوتوب، وشاهده ماجوس العالم وخوارجه ومنافقوه، اختصر الوهن الذي بلغه المسلمون بعد أربعة عشر قرنا من الرسالة المحمدية، فلا سِنّ الرجل الذي جاوز الثمانين، ولا حرمة الجامع أثنى أهل الفتنة، سواء كانوا من النظام السوري أو من الائتلاف، من أن يقدموا للعالم مشهدا من تدنيس بيوت الله، نخشى أن يكون قد نسف ما قدّمه المسلمون من صور إنسانية لم تغيرها دسائس المجوس والخوارج والمشركين والمنافقين، بل تحولت إلى آيات في عظمة رجالات الإسلام، وصارت تدرّس للعبرة لبناء المجتمع، بينما تحّولت جريمة قتل رمضان البوطي ـ وهو بالتأكيد لم يكن صحابيا وكان خطاءً مثل غيره ـ إلى لعبة إلكترونية، يتبادلها الناس للتسلية كما يتبادلون كليبات الغناء ومشاهد الضحك والرسوم المتحركة، من دون وازع أخلاقي يحقق للمسلمين صلاة الفجر وبقية الصلوات، كما وصى فاروق الأمة، ولا التقوى التي نصح بها علي بن أبي طالب، ولا منع تمكّن الأعداء كما احتضنت الآية دم الشهيد عثمان بن عفان.
فتنة فجر الإسلام أفرزت قيام الدولة الأموية، التي جعلت الشام عاصمة لها، فكان منها عبد الملك بن مروان، الذي أوصل الإسلام إلى الجزائر، وأنشأ أولى القواعد البحرية في تونس، وكان منها عمر بن عبد العزيز الذي قيل إن العدل الذي بسطه على أرض الإسلام، جعل الذئب يُعلن الهدنة مع قطيع الماشية، فانطلق الإسلام إلى أفغانستان وتركيا، بينما تؤكد فتنة الشام التي لم يزلزها قتل النساء والأطفال وتهديم الجوامع والكنائس، أنها لن تخمد حتى تصبح عاصمة الخلافة الأموية مثل عاصمة العباسيين.. نسيا منسيا.