الرأي

هل عاد زمن الزّردات والوعدات؟

سلطان بركاني
  • 7650
  • 0

منذ زمن اليُتم الإعلاميّ، مازالت بعض القنوات على سنّتها في ختم نشراتها الإخبارية الرئيسية بالحديث عن الوعدات التي تقام في مناطق مختلفة من الوطن، في مواسم ترتبط أغلبها بموالد ووفيات بعض الصّالحين، وفي أماكن يزعم مرتادوها أنّ أولئك الصّالحين أقاموا ودُفنوا فيها، وأنّها أماكن مباركة يجاب عندها الدّعاء ويحقّق الرّجاء، ولا يتردّد بعض الحريصين على زيارة تلك الأماكن في الاستشهاد بقصص يجري تداولها من دون التأكّد من حقائقها ومصادرها وشخوصها، لأناس أدركوا غايتهم في الشفاء أو الرّزق بدعائهم وتقديمهم النّذور في حضرة “سيدي فلان”.

هذه الوعدات تقدّم على شاشة التلفزة الرّسمية وعلى شاشات بعض القنوات الخاصّة، وفي الدّروس المقرّرة في بعض المراحل التّعليميّة، على أنّها مواسم يُجتمَع فيها للذكر والدّعاء وإطعام الفقراء، وجزء من ثقافة راسخة وتراث عريق، ينبغي المحافظة عليه ونقله إلى الأجيال القادمة. كما لا تنفكّ هذه القنوات تنقل مشاعر بعض المشاركين في هذه الوعدات وحديثهم عن مظاهر التآلف والتآزر التي تسود بينهم، وعن الدّوافع التي حدتهم لحضور تلك المواسم، حيث يكتفي بعضهم بالقول إنّهم دأبوا على الحضور حفاظا على تراث توارثوه عن آبائهم وأجدادهم، بينما يصرّح بعضهم الآخر بأنّ لهم مآربَ تتعلّق بتحصيل البركة وجلب النّفع ودفع الضرّ في حضرة صاحب المقام، وهي المآرب التي تؤكّدها مظاهر وظواهر كثيرة لا تخلو منها “الوعدات”، كان أعلام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد أعلنوا النّكير عليها وأسهبوا في الحديث عنها في ثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وتحدّث عنها الشّيخ أحمد حمّاني رئيس المجلس الإسلاميّ الأعلى في فتواه المشهورة التي نشرتها جريدة الشّعب بتاريخ 18/ 11/ 1991م، وتضمّنت وصفا وافيا لواقع الزّردات والوعدات، التي قال الشّيخ إنّ علماء الجمعية -رحمهم الله- كانوا يسمّونها أعراس الشيطان، لما يقع فيها من منكرات، وأعلن النّكير على ما يحصل فيها من تمسّح بأعتاب القبور وتوسّل بالمقبور وممارسات يحرّمها الدّين وتأباها الفطرة.

لقد انحسرت هذه الوعدات في النّصف الثّاني من القرن الماضي، وانفضّ النّاس عنها، بفضل الله أولا، ثمّ بفضل الجهود التي بذلها العلماء الأعلام، لكنّها عادت في السّنوات الأولى للقرن الجديد، بالتّزامن مع التوجّه الغربي نحو دعم الطرقية في العالم الإسلاميّ بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، وهو التوجّه الذي تبنّته الجهات الرسمية في مختلف بلدان العالم الإسلاميّ، وروّجت له وسائل الإعلام، وتنافس السياسيون في إظهار ارتباطهم به ودعمهم له لمجابهة التوجّه الإسلاميّ الذي يربط شباب الأمّة بقضايا أمّتهم ويُذْكي في نفوسهم عقيدة الولاء والبراء.. 

كما ساهم في عودة الموالد والوعدات، إصرارُ بعض المحسوبين على العلم على تبريرها والدّفاع عنها بحجّة أنّها بديل للتطرّف والغلوّ، وكأنّه أصبح لزاما على الأمّة أن تخيّر بين الخرافة، وبين التطرّف! بل إنّ بعض المتعصّبين يتّهمون كلّ من ينكر هذه الخرافات والمظاهر المنافية للدّين، بالتطرّف والتّكفير، ويظنّون أنّهم بذلك يدافعون عن أولئك المساكين الذين أوقعهم الشّيطان في أتون وظلمات الخرافة، وما درى هؤلاء المنافحون عن الوعدات أنّ لهم نصيبا من قول الله جلّ وعلا: ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُون))، وأنّهم بتبريرهم لتلك الانحرافات، يغشّون ويخدعون عباد الله المسلمين.. يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: “ولماذا نستحي من وصف القبوريين بالشرك، مع أنّ الرّسول وصف المرائين به فقال: (الرياء شرك)؟ إن واجب العالم المسلم أن يرمق هذه التوسلات النابية باستنكار، ويبذل جهده في تعليم ذويها طريق الحق، لا أن يفرغ وسعه في التمحل والاعتذار! ولست ممن يحب تكفير الناس بأوهى الأسباب، ولكن حرام أن ندع الجهل يفتك بالعقائد ونحن شهود. أي جريمة يرتكبها الطبيب إذا طمأن المريض ومنع عنه الدواء، وأوهمه بأنه سليم معافى؟ إن ذلك لا يجوز” (عقيدة المسلم، ص72).

مقالات ذات صلة